Categories
كتاب يستحق القراءة

إعترافات أبو نواس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

محاوله لمعرفة ما دار في كواليس التاريخ لم تصل الا للقليل من الناس وهذا القليل … الكثير منهم يعتبر أن هذا لا يجوز نشره ويجب أن يبقى في طي النسيان كما طويت صفحات من تاريخنا لشدة سوادها  أو لشدة حمرتها من.

نعم أنعم الله على البعض منا بالعقول الذكية بل العبقريه ولكن السؤال هل إستعمالها كان دائما للغرض الصحيح وهل بعض هؤلاء إستغل عقله العبقري ليحقق مآربه الدنيويه وبحكم مركزه السلطوي أجبر عقول عبقريه في زمنه لتعمل بالإتجاه المعاكس لما أراده المولى سبحانه كما حاول المنصور مع أبو حنيفة مثلا … والأمثله كثيرة .

وكما نرى في عصرنا الحديث وكما ذكر على موقعنا الكريم أن العبيد ليس لهم وجود ولن يكون لهم وجود بل ونرى بعض الدول تتفاخر بأنهم حرروا العبيد وننسى (عبيد القرن الواحد وعشرين ) حملة الفيزا كارد والماستر كارد والأمريكان إكسبريس فقد حولوا العبوديه الى نوع أو شكل آخر فقد كان العبد عاملا فقط فأصبح عاملا ومستهلكا يأخذ أجرا ليعيده أضعاف لسيده

وعلماء اللغه أتى من يدعي بالتناقض في القرآن الكريم مستغلا علمه وجهل الأمه ليطعن في إعجاز القرآن ويتهم الحق سبحانه أنه ناقض نفسه في بعض آيات القرآن الكريم

وآخرون حشوا ما إستطاعوا من حشوا الكلام ليلفقوا على الرسول والصحابه   

وخاصه لوجود الكثيرين ممن يدعون أن الدين ناقص بدون السنه والسنه مكمله للقرآن والإسطوانه التي يعرفها الجميع  لهذا أرى أن هناك بعض الفائدة في حياة هذا الماجن السكير دعونا نحكم على التاريخ ……..

طبعا الكل يعرف أبو النواس لكن من هذه المقاله التي أنقلها لكم نريد أن نعرف أناس حول هذا الشخص

دعونا نتابع  والله من وراء القصد

إعترافات أبو نواس

أبو نواس ، الشاعر ، الساحر ، العربيد .. أبوه هانئ ، كان جنديا ثم اشتغل بحياكة الملابس و رعي الأغنام و أمه ( جلبان ) امرأة لعوب سلبت لب والده و تزوجته ، فلما مات أحبت فتى اسمه العباس ، و جعلته زوجًا لها ، و كانت صناعته الوحيدة أنه زوج أم أبي نواس !
من شعراء القرن الثاني الهجري ، اسمه ابن هانئ ، و كنيته أبو نواس ، أو ذو نواس
كان عصره عصر العلم و المعرفة و الحضارة ، عصر الفتن و الانقلابات السياسية ، و الثورات الفكرية ، فقد ولد عندما كانت دولة الأمويين في طريقها إلى الظل ، و كانت دولة العباسيين تأخذ مكانها تحت الشمس ، و في عهد هذه الدولة اتسعت اللغة العربية ، لثقافة الصين ، و الهند ، و فارس ، و الرومان و اليونان ، و أبيحت حرية الفكر ، و حرية التعبير ، و حرية العقيدة ، و حرية الهدى و الضلال ، و حرية التقوى و الفجور !
حرية السمو إلى البحث عن الحقائق ، و حرية التدحرج إلى المجون و الانحلال .
و سما أبو نواس .. و تدحرج !
وبحث و عبث .. كفر و تاب ..
ما أكثر الشبهات التي تحوم حول هذا الشاعر .. !
هل كان حائرًا بين الشك و اليقين ؟
هل كان مؤمنًا عاصيًا ؟
هل كان بلا دين ؟
ما حقيقة أمه ( جلبان ) ؟
لماذا انتقلت من ” الأهواز ” إلى مدينة ” البصرة ” ؟
كيف كان بيتها الذي أعدته لاستقبال العشاق ..
لقد كانت لا تكتفي بتقديم الخمر و الطعام لروادها ، بل كانت تقوم أيضًا بتقديم النساء للرجال ، و الرجال للنساء ، و تعطيهم الفرش و الغطاء .. و تغريهم بأن يبث بعضهم بعضًا لواعج الحب ، و الشوق ، و الشهوة ، و كان أبو نواس يعيش خارج البيت .. في الليل يطلب العلم بمسجد البصرة ، على يد أساتذة اللغة و الفقه و الأدب ، و الحديث ، و تفسير القرآن ، و في النهار يشتغل صبي عطار !
لقد حكم التاريخ على أبي نواس بالميوعة ، و الانحلال ، و الخلود !
حكم التاريخ على أبي نواس بالفساد و ألقي القبض على الشاعر الفاجر ( و البة بن الحباب ) و اتهمه بأنه أول من أفسد أبا نواس !
فقد اعتصب أبا نواس من العطار ، و أخذه إلى ” الكوفة ” حيث أقاما معًا في بيت واحد ، و فراش واحد ، و كان والبة أستاذًا كبيرًا في الشعر ، و الزندقة ، و الفجور ..
و كان يجهر بزندقته و يتهتك في فجوره .
و كان اسمه يدوى في المدائن الثلاث الكبرى : بغداد و البصرة و الكوفة .
و كانت الكوفة موطنه و محل إقامته ، و هو من قبيلة عربية ، و لكن خصومه طعنوا في نسبه ، فقد كان وجهه أحمر و شعره أشقر ، و هجاه الشاعر أبو العتاهية فقال :
هذا الأشقر الأحمر كيف يكون عربيًا و لونه من بنى قيصر ! ؟

لماذا غضب الرشيد على أبي نواس ؟
كيف دخل السجن ، و كيف كانت حياته في السجن ؟
ما حقيقة علاقته بالخليفة الأمين ؟
و هل كان بينهما حب و غزل ، أم كانت بينهما مودة وصداقة ؟
من هي المرأة التي أحبها ؟ و هل هي امرأة واحدة ؟
ما سر تعلقه بالخمر ؟
هل كان يرتاد المواخير و الحانات في الأديرة ، و القرى ، وضواحي بغداد طلبًا للخمر وحدها ، أم كان يطلب الخمر و أشياء أخرى غير الخمر ؟
من هم أصدقاؤه ” عصبة المجان ” و كيف كانت حياته معهم ؟
هل كانت لأبي نواس عقيدة دينية ، هل كانت له فكرة سياسية ؟ هل كان له مذهب فني ، أو مذهب في الفلسفة ؟
إن الذين كتبوا عن أبي نواس لم يقولوا الحقيقة كلها …
لم يقولوها جهلاً أو غيرة أو حياء … !!
لذلك أبو نواس وحده الذي يستطيع أن يقول الحقيقة و يعترف بها .

( في سوق العطارين )

قابلت أبا نواس … قابلته من خلال شعره و ما كتبه عنه أكثر من ثلاثين كاتبًا في مواضع متفرقة من كتبهم .
و التقيت به في ثنايا التاريخ إن بيني و بينه اثنى عشر قرنًا ، طويتها القهقري ، و رأيته وجهًا لوجه في القرن الثاني الهجري ، في البصرة … في سوق العطارين … في دكان عطار .

الدكان الذي اختاره أبو نواس للجلوس فيه ، كان صاحب الدكان شيخا في السبعين من عمره .
ألقيت عليه تحية الإسلام و قلت له : أين أبو نواس ؟
فقال : أبو نواس هناك في الطرف الآخر من الدكان ..
كان جالساً فوق سجادة ، و قد اتكأ إلى أريكة و أسند ظهره إلى أريكة ، و ثنى رجليه ، و مد رجله الأخرى ..
كان ناحلاً أشيب الشعر ، و لحيته خفيفة ، وجهه شاحب و عيناه صغيرتان براقتان ، سوادهما ناصع ، و بياضهما تشوبه صفرة
قلت له : لم أتصور أنك أبو نواس
فقال أنا هو !
قلت : إن أوصافه لا تدل عليك .
فقال من أين أنت ؟
قلت من القرن العشرين !
فقال : هل وصلتم إلى القرن العشرين ؟ !
لقد ظننا أنكم لا تزالون في القرن الرابع عشر !
قلت : معك الحق .. نحن بالتاريخ الهجري في القرن الرابع عشر .. و بالتاريخ الميلادي في القرن العشرين
فقال : يحسن أن نتفق على تاريخ
قلت : لنتفق على التاريخ الهجري حتى لا نخطي … أنا من القرن الرابع عشر
فقال : من أي بلد ؟
قلت : من مصر !
فقال : أعرفها .. فقد زرتها و قابلت فيها الخصيب ما أجمل منية الخصيب !
فقلت : اسمها الآن المنيا فقط !
فقال : لقد مدحت ابن الخصيب بقصيدتي التي أقول فيها :

لا أذود الطير عن شجر = قد بلوت المر من ثمره

و غضب شعراء مصر و هاجموني و قالوا كيف يقتحم علينا شاعر غريب عنا و يستأثر بهبة الامير ؟
و لكني عرفت كيف أهدئهم ، فقد اشترطت على الأمير قبل أن أنشد قصيدتي أن يجيز شعراءه فأمر لكل واحد منهم بجائزة عظيمة .
قلت له : و لكني مازلت أشك في أنك أبو نواس !
فإن الأوصاف التي نعرفها عنه لا تنطبق عليك
قال : و ماذا تعرف عن أوصاف أبي نواس ؟
قلت : إني أراك شيخاً وقوراً ، جلله الشيب ، و الاتزان و الهدوء ، و أبو نواس الذي نعرفه ، كما وصفه ابن منظور ” حسن الوجه رقيق ، أبيض ، حلو الشمائل ، ناعم الجسم ، و كان شعره منسدلا على وجهه و قفاه ، ألثغ يجعل الراء غينا ، نحيف ، في حلقه بحة لا تفارقه ”
و ما أراه الآن شيء آخر !!
و ضحك أبو نواس و قال : إنك تتكلم عن أبي نواس في صباه ، هكذا كنت و لكن الزمن غيرني ، ألم تعرف قولي :

لقد طالما كنا ملاحاً و ربما = صددنا و تهنا ثم غيرنا الدهر

قلت : لقد جئتك من وراء القرون لأراك و احقق أشياء حامت حولك و لصقت بك … و ربما كنت بريئاً منها و ليس في مقدور أحد سواك أن يؤكد براءتك …
فقال : و من اخبرك أني حريص على أن أكون بريئاً ؟
أنا لا أريد هذا و لا ذاك و لكني أريد ان أكون كما أنا !!
قلت : و من أنت ؟
فأعاد السؤال لي قال : و من أنت ؟
قلت : أنا قارئ لأشعارك و أطمع في أن اعرف حياتك و فنك و عقيدتك و سلوكك الشخصي .. فلست ابغى أكثر من حديث صحفي .
فقال : إن أيامكم تختلف عن أيامنا .. لقد كنا نهجو الرواة فنقول إنهم ينقلون رواياتهم من الصحف ، أي الكتب المصفحة المحرفه ولا يسندونها إلى مصادرها و قد طلب مني استاذي ” خلف الأحمر ” أن أرثيه قبل أن يموت فقلت مادحاً له :

فكل ما نشاء منه نغترف = رواية لا تجتني من الصحف !

و يظهر أن ما كان عيب عندنا أصبح عندكم مزية !
و حاولت أن أشرح له مهمة الصحافة و لكنه أفهمني ان حالته الذهنية لا تسمح بالخوض في أمور لا يعرفها .
و قال : لقد فهمت أن الحديث الذي تريده هو سؤال منك و جواب مني .. أن كان كذلك فاسأل عما تشاء .

( أبو نواس يروي قصة حياته )

– متى ولدت ؟
– في سنة 140
– من هو أبوك ؟
– هانئ .. عربي شجاع .. كان جنديا في جيش مروان و ذهب إلى الأهواز .. و هناك عرف أمي و تزوجها و أمي أسمها ” جلبان ” من أصل فارسي ، و لما انهزم جيش مروان و قامت الدولة العباسية ترك أبي خدمة الجيش ، و اشتغل بحياكة الملابس ، و كان يرعى الغنم ، ثم مات ، فتزوجت أمي شخصًا يدعى العباس ، و انتقلنا إلى البصرة ، و قد أحببت البصرة و اتخذتها وطنًا لي .
– ما أسمك ؟
الحسن بن هانئ .
– و لماذا سميت أبا نواس ؟
– كان أستاذي خلف الأحمر عالمًا بالأنساب و قد هداه البحث إلى أني من اليمن ، أنحدر من صلب أمير من أمرائها ، و كان لكل أمير كنية فهذا ذو المنة و هذا ذو الحكمة ، و هذا ذو نواس ، و أعجبني ذو نواس فاخترته ، لكن الناس أرادوا أن تكون كنيتي أبا نواس ، و ليس ذا نواس و قد كان لهم .
– من الذي علمك الشعر ؟
– والبة بن الحباب
– لقد قيل إنه علمك الفسق
– و الشعر أيضًا
– هل كان والية فاسقًا حقًا ؟
– و كان شاعرًا حقًا
– هل صحيح بعض ما يقال ؟
– كل ما يقال
– و كيف كان ذلك ؟
– كنت اشتغل صبيًا في دكان عطار .. الحسن بن سليمان ، و كنت جميل الصورة ، حلوًا ، وجذابًا و كانت أمي قد جعلت من بيتها مباءة للعشاق و الفساق ، فهجرت البيت و أقمت مع الحسن في بيته ، فعاملني معاملة الوالد لابنه ، و كان حنونًا رحيمًا ، كان حبه لي حبًا عفيفًا ، و في يوم من الأيام جاءه رسول من ” أبي بجير الأسدي ” حاكم الأهواز و دعاه إلى العمل في داره فأخذني معه ، و هناك التقينا بوالبة بن الحباب و هو ابن عم الحاكم ، و كان قد جاء من الكوفة ليزوره و يطلب رفده ، فلما رأني أحبني ، و أدناني منه و قد كنت أميل إلى الشعر ، و أسمع أسم والبة يتردد على الأفواه ، و أحفظ كثيرًا من شعره ، و لم أكن أعرف شخصه فلما عرفته أقبلت عليه بكل جوارحي ، و قد اتفق معي على أن أصحبه إلى الكوفة في غفلة من الحسن العطار .
– كيف أغراك بالذهاب إلى الكوفة ؟
– قال لي ” إني أرى فيك مخايل فلاح .. و أرى لك ألا تضيعها ، و ستقول الشعر و تعلو فيه فاصحبني ”
و كنت حتى هذه اللحظة لا أعرف من هو فسألته من أنت ؟
فقال : والبة ! فصرخت من الفرح و قلت له : ” أنا و الله – جعلت فداك – في طلبك ، و قد أردت الخروج إلى الكوفة و إلى بغداد من أجلك ”
فسره ذلك و سألني : لماذا تطلبني ؟
فقلت : شهوة للقائك ، و لأبيات سمعتها لك
فقال : و ما هي هذه الأبيات ؟
فأنشدتها و هي التي تقول فيها :
و لها – ولا ذنب لها – ………. حب كأطراف الرماح
جرحت فؤادك بالهوى …….. فلاقلب مجروح النواحي !
– هل كان والبة يحب جمالك أو كان يحب شعرك ؟
– جمالي و شعري ! … ألا تعرف قصته مع شعري ؟
– أريد ان أعرفها
– كنا في الكوفة في منزل محمد بن سيار بن يعقوب و كان عنده قيان يفنين ، و مجلس شراب ، استمر حتى الصباح
و أعجبتني أحدى العازفات فقلت لها هذه الأبيات :
حامل الهوى تعبُ ………. يستخفه الطربُ
إن بكى يحق له ………. ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ………. و المحب ينتحب
تعجبين من سقمي ………. صحتي هي العجب
و في اليوم التالي اجتمع عند والبة جمع كبير من الشعراء فقال لهم ” كنت نائمًا أمس و أبو نواس إلى جانبي إذ أتاني آت في منامي و قال : أتدري من هذا النائم إلى جانبك ؟
قلت : لا
فقال : هذا أشعر منك و أشعر من الجن و الانس ، و أما و الله لأفتنن بشعره المشرق و المغرب ، فعلمت أنه أبليس فقلت له : فما عندك ؟
قال : عصيت ربي في سجدة فأهلكني ، ولو أمرني أن أسجد لهذا ألف سجدة لسجدت ! ”
– هذه قصة والبة مع شعرك .. فما قصة غرامه معك ؟
– دع هذا الآن …
-هل أحرجتك بهذا السؤال ؟
– لا شيء يحرجني
– ربما يضايقك أن تتكلم في هذا الموضوع بصراحة ؟
فابتسم و قال : كيف و أنا القائل :
أطيب اللذات ما كان جهارا
– و لماذا إذن لا تريد أن تتكلم عن غرام والبة بك ؟
– لقد تعبت اليوم من الكلام .. فأمهلني إلى الغد .
– ستتكلم غذًا عن والبة ؟
– نعم .. عن غرامه بي .. و عن شعره و زندقته و أستاذيته لي في الشعر و الزندقة .

( أريد أن أنسى )

قال أبو نواس أريد أن أنسى هذا الوعد ّ
– لماذا تريد أن تنساه ؟
– بعدما تركتني أمس ، فكرت طويلا و هداني تفكيري إلى أنه ليس من الصواب أن أفضح سري ، و سر رجل آخر كل ذنبه أنه أحبني
– ولكن هذا السر مفضوح فعلا .. و قد ظل حديث الناس على مدى القرون
– مادام الناس قد عرفوه فلا حاجة بهم إلى أن يعرفوه مرة أخرى
– و لكنهم لم يعرفوه على حقيقته ، فقد سلط الرواة خيالهم على كل ما يتعلق بك فضاعت الحقيقة .
– من الخير لي أن تضيع هذه الحقيقة !
– و لكن البحث عن الحقيقة واجب
– إنه واجب بالنسبة إلى الفلاسفة .. و لست فيلسوفًا !
– و لكنك شاعر و فيلسوف
– أنا شاعر فقط .. و لم أبحث عن الحقيقة في شيء ، و لم أجدها في شيء !!
– و إذا وجدتها ألا تعترف بها ؟
– إذا وجدتها أهرب منها ، فلا شيء يفسد الخيال مثل الحقيقة !! و أنا حريص على أن يظل خيالي صحيحًا
– لقد وعدتني .. و وعد الحر دين عليه
– كيف يكون حرًا من يمزق شرفه بحد لسانه ؟
– يكون حر الفكر
– هل هذا أمر مستساغ عندكم ؟
– ليس مستساغًا ، ولكنه موجود
– هل يوجد من اعترف بفضائحه
– كثيرون اعترفوا بعضهم قال كل الحقيقة و بعضهم قال نصفها و بعضهم قال غير الحقيقة و قد صاروا مثلك .. حديث الناس
– و ماذا تريد مني الآن ؟
– أريد ان تحدثني عن حياتك مع والبة في الكوفة حياة الليل و حياة النهار ، حياة الجد و حياة العبث ، حياة الصحو و حياة السكر و العربدة .
– كنت و أنا في البصرة أسمع عن والبة بن الحباب فقد كان الناس يتحدثون عن شعره و مجونه ، و كنت طفلاً عندما قدم إلى البصرة مع الحاكم محمد بن أبي العباس كان هذا سنة 147 .
– لقد كان حاكم البصرة آنذاك محمد العلوي فيما أظن ؟
– بعدما قتل محمد العلوي تولى الحكم بعده محمد ابن أبي العباس بظامر الخليفة أبي جعفر المنصور
– الذي أعرفه أن السفاح هو الذي تولى الحكم بعد محمد العلوي
– لقد كان محمد بن أبي العباس سفاحًا حقًا ، فهل جعل التاريخ صفته أسما له ، و علما عليه فأصبحتم لا تعرفونه إلا بأسم السفاح ؟
و استطرد أبو نواس يقول :
– جاء الحاكم الجديد و معه جماعة من الشعراء بينهم حماد عجرد ، والبة بن الحباب ، و كان الناس يتحدثون عن نزوات الأمير ، و إفراطه في الشراب و مجالسه التي تغنى فيها القيان ، و ترقص الجواري ، و ينشد الشعراء ما ينظمونه في مدح الأمير ، و وصف الخمر ، و التشبيب بالغانيات ، و كنا نسمع عما يجري في هذه المجالس من زندقة و مجون و فسق ، و كيف أن الأمير كان يعطي الشعراء و المغنين و الراقصات بلا وعي ولا حساب ، كان يحب زينب بنت سليمان ، و كان يريد أن يعبر عن حبه لها بالشعر و لكنهليس بشاعر ، فكان يعقد مجلس الأنس و الشراب كل ليلة و أمامه زينب و حولها الجواري يرقصن ، و القبات يغنين ، و الشعراء يجهدون قراءحهم للتعبير عن عواطف الأمير ، فإذا نظم أحدهم أبياتًا أعطاها لمغني الأمير .
– من هو مغني الأمير ؟
– أسمه ” حكم ” أليس معروفًا في أيامكم ؟
– معروف في الكتب
– ألم أقل لك لا تقاطعني حتى أستطيع مواصلة الحديث ؟
– أنا لا اقاطع و لكني أستوضح
– لقد نسيت ما كنا نتحدث فيه
– كنت تتحدث عن مجلس السفاح و حبه لزينب .. و غناء حكم
– نعم .. كان حكم يغني للأمير ما ينظمه حماد أو والبة و بعدما تدور الكؤوس و تدور الرءوس .. يفق الأمير فيهتز ذات اليمين و ذات الشمال و يضرب الأرض برجليه و يصيح في حكم غني فإن أطربتني أعطيتك كل الهدايا التي تلقيتها اليوم
و كان دائما يغرق حكمًا و حمادًا ، و والبة بالهدايا و العطايا .
و في هذه الأيام عشقت والبة بالسماع و تمنيت لو رأيته بعيني و لكن والبة لم يمكث في البصرة طويلا و عاد إلى الكوفة دون أن أراه .

( وأسأله مرة أخرى )

– هل أستطيع أن أسألك كيف استهل السفاح حكمه بهذه الخلاعة و قد جاء عقب مقتل العلوي ؟ و كيف سكت الخليفة أبو جعفر على ذلك ، و المفروض أنه عينه على البصرة ليمثل هيبة الخلافة و وقارها ؟ !
– إن محمد بن أبي العباس أو السفاح كما سماه التاريخ كان في مجالس لهوه حمامة وديعة ، و كان في مقعد حكمه أسدًا ضاريًا
– و لكن سوء السمعة يقلم أظفار الأسد !
– إن السفاح ابن أخي الخليفة المنصور و قد أغضى عن مباذله ليتمادى فيها و يجعل الناس يقارنون بينه و بين المهدي ابن الخليفة فيرتفع المهدي في أعينهم
ثم نظر إلي أبو نواس في غضب و قال :
– و لكن ما علاقة هذا بالكلام عن والبة ؟
لا تعترضني بمثل هذه الأسئلة العجيبة ، و أعلم أن ذاكراتي ليست كتابًا حتى تعي كل ما حدث في عصري .
– فلنعد إلى والبة .
– لقد عرفت كيف التقيت به في الأهواز ، و أخذني إلى الكوفة و قد وجدتها بلدة جميلة ، جوها أرق من جو البصرة و إن كانت تقل عنها في فخامة الأبنية
– أين أقمت في الكوفة ؟
– أقمت مع والبة في بيت واحد ، و كان بيته مؤلفًا من ثلاث غرف ، خصص لي إحداها ، و كانت تخدمه سيدة عجوز ، و كان يعاملني كما لو كنت أخاه ، و قد دامت صلة الأخوة سبعة أيام فقط !
– ثم ماذا حدث ؟
– حدث ما قاله الناس عنا
– و كيف حدث ذلك ؟
– كان والبة حريصًا على ألا يعرف أصدقاؤه شيئًا عن علاقتي به ، و قد بقيت ثلاثة أيام لا أظهر معه ، و كان أهل الكوفة يتساءلون كلما رأوني : من هذا الشاب الغريب ؟
و كثيرًا ما سئلت : من أي بلد أنا ، و لماذا أنا هنا ، فكنت أزعم أني ابن أحد تجار البصرة ، و جئت الكوفة لشئون تتعلق بتجارة والدي .
و في أحد الأيام طرق بابنا الشاعر حماد و بصحبته مطيع بن إياس و يحيى بن زياد الحارثي ، و فتحت لهم الباب فلما رأوني استغرقوا في الضحك ، و نادوا بأعلى أصواتهم :
– أخرج لنا يا أبا أسامة .. !
– و من أبو أسامة هذا ؟
– إنه و البة هذه كنيته ألا تعرفون أن للرجل اسمًا و كنية ؟
ألم أقل لك لا تقاطعني ؟
و استمر في حديثه يقول :
– و خرج والبة إلى ضيوفه فلما رآهم تبادل معهم الضحك ، و فهمت من حديثهم أن والبة أفهمهم ليلة أمس أنه سيعتكف في البيت اليوم لشعوره بدوار في رأسه ، فلما جاءوا ليعودوه أدركوا أنه تخلص منهم ليكون لي وحدي و أكون له وحده !
و قد قال حماد : لقد عرفنا الآن أنه ليس عندك دوار ، و لكن عندك هذا ، و مد سبابته نحوي ! و قد غضبت من هذه المداعبة ، و تركتهم و لزمت غرفتي فجاءوني و معهم والبة و قالوا إن غضبي عزيز عليهم ، و لم يزالوا بي حتى رضيت نفسي و زال غضبي .
و في اليوم التالي سهروا في بيت والبة ، و قد أحضروا قنينات الخمر ، و النبيذ و مختلف الأطعمة و بعض المغنين و الجواري و الغلمان ، و أخذوا يشربون ، ويرقصون ، و يغنون حتى الصباح ، و لم أشترك معهم في الشراب ، و كانوا يرمقونني بنظرات غريبة .. لم أفهمها وقتها !
و مضى يقول :
– بعد يومين ذهبت مع والبة إلى منزل محمد ابن السيار بن يعقوب ، و قد أعد مجلسًا اشترك فيه القيان و الجواري و المغنون و أصحاب والبة من الشعراء و الزنادقة و كان بين الحاضرين ابن صاحب المنزل ، فاسترعاني جماله و نظمت فيه أبياتًا أنشدتها في الحال أذكر منها :
خلقت في الحسن فردا ………. فما لحسنك ثاني
كأنما أنت شيء ………. حوى جميع المعاني
و أخذ الجميع ينشدون هذه الأشعار ، و يغنونها و كان صاحب البيت و ابنه مبتهجين بأشعاري ، و بعد هذه الليلة ذاع اسمي في الكوفة .
و قد خرجت وحدي في الطريق ، و اختلطت بالناس فلاحظت أنهم يتهامسون و يتغامزون ، و سألني أحدهم :
– كيف حال الحبيب ؟
– من هو الحبيب ؟
– أبو أسامة
فهممت بلطمه على وجهه ، و حال الناس بيني و بينه ، و قال لي شيخ كبير وقور :
– يا بني من وضع نفسه موضع الشبهة فلا يلومن إلا نفسه و والبة شيخ الزنادقة و الفساق و قد عشت معه في بيت واحد فاعذر الناس إذا ظنوا بك الظنون !
و حتى هذه اللحظة لم يكن بيني و بين و والبة ما يجرح العفة ..
و طلب مني – والبة – أن أصحبه في رحلة صغيرة تستغرق يومين ، فذهبنا إلى بلدة ” طيرناباذ ” و هي تقع بين الكوفة و القادسية و دخلنا بيتًا يدار للشراب صاحبته رومية عجوز شمطاء ، و قد رحبت بنا ، و مدت لنا بساطًا حوى الشراب و الطعام و خصتنا بمكان بعيد عن بقية النزلاء و كان يقوم على خدمتنا فتاة صغيرة تلبس ملابس الغلمان ، و قد أخفت شعرها تحت قلنسوة من القطيفة ، فبدت كما لو كانت غلامًا حقًا ، حاولت أن أداعبها فنهاني والبة و قال :
– و ماذا أصنع هنا إذن ؟
– هل تريدها
– بل أريدك أنت !
و لما لاحظ دهشتي و خوفي قال إنني أمزح معك لا تخف ! أفعل بالفتاة ما شئت ، و لكنك لن تستطيع شيئًا إلا إذا شربت كما أشرب ، و كان قد شرب كوزين و شربت كوزًا واحدًا .
و كان والبة قد أتفق مع الفتاة على أن تضاعف لي كمية الخمر فكانت تغافلني و تملأ كوزي كلما نقص ، و قبل أن تلعب الخمر برأسي لعبت الخمر برأس والبة فقال :
– لا تضيع وقتنا ..
فنهرته بشدة فما كان منه إلا أن استل سكينًا من بين ثيابه و قال لي :
– إما هذا و إما هذا ..
– اذبحني !
فقام من مكانه و قبلني في جبيني و بكى و حاول أن يسترضيني .
قلت له :
– الناس إذن معذورون فيما يقولونه عنا
– و ماذا يقولون ؟
فرويت له ما يهمسون به و ما حدث لي مع الشيخ الوقور الذي حذرني من صحبة والبة فقال :
– مساكين سيذهبون إلى النار بآثامهم ، هل حدث بيننا شيء مما همسوا به ؟
– لم يحدث شيء بعد
– مساكين ، سيذهبون إلى النار لأنهم كذبوا … لماذا لا ندخلهم الجنة بأن نجعل كذبهم صدقًا ؟
ثم أنشد هذين البيتين :
قم بنا يا نور عيني ………. نجعل الشك يقينا
فإلى كم يا حبيبي ………. يأثم القائل فينا
و أطرق أبو نواس ، و أغمض عينه كمن يتذكر شيئًا أو يبدي ندمًا و قال :
– منذ هذه الليلة … أصبح الشك يقينًا !
و ذهبنا إلى الكوفة و قد أضمرت في نفسي أمرًا ..
– و ماذا أضمرت ؟
– ألا ترحم شيخوختي ؟ اتركني اليوم و غدا أقول لك كل شيء .

( عصر الزندقة و المجون .. )

ذكرت أبي نواس كيف أنتهى حديثنا بالأمس ، فأطرق رأسه إلى الأرض و أغمض جفنيه و أخذ يقول :
– عدنا إلى الكوفة ، و قد أضمرت في نفسي أن أهرب من والبة ، و أعود أدراجي إلى البصرة ، فقد تحول إعجابي بوالبة إلى حد شعور بالمقت و الخزي و الإنكسار ، فكيف أعيش معه في الكوفة ؟ كيف أظهر بين الناس ؟ ماذا أقول لهم إذا غمزوني في شرفي و عفتي ؟ لقد كان يخجلني كذبهم فكيف أواجه صدقهم ؟
لم أكد أستأنف حياتي في الكوفة حتى هدأت نفسي ، فلم يقع شيء مما خفت أن يقع ، لا غمز ، ولا لمز ، ولا أحد تحرش بي ، و قد تعود أهل الكوفة أن يروني بينهم فكفوا عن مطاردتهم لي بالظن السيئ أو الظن الحسن .. لقد تركوني و شأني ، و لا أخفي عنك أني دهشت من ذلك .. وكثيرًا ما كنت أسائل نفسي .. مابال الألسنة التي تصايحت بتجريحي عندما كنت إنسانًا بريئًا مظلومًا قد أصابها الخرس بعدما لم أعد ذلك الإنسان البرئ المظلوم !
– لعل أهل الكوفة لم يعرفوا شيئًا مما حدث بينك و بين والبة في طيرناباذ ؟
– عرفوا كل شيء !
– و لماذا سكتوا عنك إذن ؟
– لأني أصبحت مثلهم .
– ماذا تقول .. ؟ أهل الكوفة مثلك ؟ !
– عصري كله مثلي
– كيف تقول ذلك و في عصرك عاش أقطاب العلم و الدين ؟
و هنا قاطعني أبو نواس قائلاً :
– لست أعني بأهل عصري أتقياءه و دهماءه و لكني أعني شعراءه و أهل الفكر فيه .. لقد كانوا جميعًا مثلي فسوقًا ، و زندقة ، و إغراقًا في اللهو و المجون .. أأنا وحدي الذي وصلت إليكم فضائحه ؟ يالظلم التاريخ !
– إننا نعلم أن عصرك كان حافلاً بالكفر و الفسوق و كفر العقول و فسوق الآراء والأفكار ، أما كفرك و فسوقك فلك يقفا عند حد العقل و الفكر بل تجاوزوا هذا الحد إلى أشياء يندى لها الجبين ! من أجل هذا خصك التاريخ بعنايته .
– بل خصني بلعنته ، و لو كان التاريخ عادلاً لوزع لعنته على شعراء عصري جميعًا
فقد كانوا كلهم فساقًا فجارًا ، و قد عرفتهم واحدًا واحدًا ، و شاركتهم في أثمهم و فجورهم و صراحتهم و ريائهم … كنا نقضي الليل في الحانات و بيوت اللهو ، نشرب الخمر و تشربنا الخمر ، نغتصب اللذة و نعطيها ، و قد اجتمع في ليلة واحدة عشرون شاعرًا و عالمًا و لغويًا ، فأخذنا نغني و نرقص و نخمش الجواري و الغلمان و القيان و لقد ظلننا في غيبوبة حتى اليوم التالي .
– أين كنتم ؟
– في البصرة ، في بيت عبدالله بن رامين .
– هل هو أمير ؟
– أمير اللذات
– ماذا تعني ؟
– إلا تعرف بيت عبدالله بن رامين ؟ لعلك لا تعرف أيضًا بيت الشيخ زريق ؟
– ماهذا ؟
– إن ابن رامين و الشيخ زريق كان يتنافسان على تهيئة أسباب اللذة لأشراف الكوفة و كان لكل منهما بيت يجمع الجواري و الغانيات و الحاذقين في الغناء و الشعر و الحسن و الجمال .. و كان ابن رامين يمتاز بجواريه الحسان من أمثال سلامة الزرقاء و ربيحة و سعدة
– هل كان ابن رامين و الشيخ زريق من هواة اللذة ؟
– كانا يحترفان اللذة
– و كان لهما أجر على ذلك ؟
– أجر فاحش !
– كيف كان جمال النساء في أيامكم ؟
– الجمال لا يتغير
– لكن النظرة إليه قد تتغير
– ما هو جمال المرأة في أيامكم أنتم ؟
– رقة ، و جاذبية ، و انسجام في القسمات و الأعضاء
– و لقد كان كذلك في أيامنا
– ألا تزال تذكر أوصاف ربيحة ، و سعدة و سلامة ؟
– أذكر من ربيحة شعرها المجدول ، و سعدة كانت بيضاء ناعمة ، و سلامة أذكر ثيابها الزاهية التي كانت تلتصق بها فتعبر عن مفاتن جسمها و تنفرج عن صدرها فتبوح بأسرار فتنتها .
– و ماذا كنتم تصنعون يا معشر الشعراء في هذه الليالي مه هؤلاء الغواني ؟
– كنا نشرب و ننظم الشعر للأمراء و الأشراف و نأخذ الجوائز و العطايا
– و كن الجواري يأخذن جوائز و عطايا مثلكم ؟
– كن يأخذن الألوف من الدنانير في الليلة الواحدة
– هذه مبالغة !
– بل حقيقة …
في هذه الليلة التي أمضيناها في بيت ابن رامين كان معنا ( معن بن زائدة ) و ( روح ) و كلاهما ثري فغنت سلامة الزرقاء فبعث إليها معن كيسًا مملوءًا بالذهب و أفرغ الكيس بين يديها ، و بعث إليها روح كيسًا آخر مملوءًا بالذهب ، و كان مع أحد الأشراف لؤلؤتان اشتراهما بأربعين ألف فعرضهما عليها ، و اشترط لذلك أن تأخذهما بشفتيها من شفتيه !
و لم يكن عند ابن المقفع ذهب فكتب صكا تنازل فيه عن ضيعته و أعطاها لسلامة !
– عبدالله بن المقفع يفعل هذا ؟ !
– نعم
– صاحب الأدب الصغير ؟ !
– و الأدب الكبير
– ناقل كليلة و دمنة عن بيدبا فيلسوف الهند ؟ !
– هو … هو …
– هل كان ذلك قبل إسلامه .. أم بعد إسلامه
– لم يكن ابن المقفع مسلمًا
– كان مجوسيًا و أسلم
– لم يكن يؤمن بشيء .. و قد أراد أن يكون ذا حظوة في الدولة ، فذهب إلى الخليفة و قال له أريد أن أشهر إسلامي ، ففرح الخليفة ، و قال هذا نصر عظيم للإسلام و دعا الناس إلى قصره في الصبح حتى يشهدوا إسلامه ، و استبقى ابن المقفع ليتناول معه طعام العشاء و لما حضر الطعام لاحظ الخليفة أن ابن المقفع يتلو صلاة المجوس قبل أن يمد يده إلى الصحاف ، فقال له :
– ألم تشهر إسلامك ؟
فقال ابن المقفع :
– لقد أمرتني أن أرجي ذلك إلى الصباح .
فقال الخليفة :
– و لماذا تصلي صلاة المجوس ؟
فقال :
– لقد كرهت أن أبيت ليلتي من غير دين !
و الحقيقة أن ابن المقفع عاش عمره كله بلا دين .

( مباراة في المجون )

راح أبو نواس فيما يشبه الغيبوبة ، ثم رفع رأسه و قال :
– فيم كنا نتحدث ؟
– كنت تتحدث عن الشعراء و الأدباء و كيف أنهم كانوا زنادقة مثلك … !
– ألم أحدثك عن والبة ؟
– حدثني .
– ألا تعرف أنه كان أرق الشعراء ؟
– لا اعرف
– ألم تعرف راي عمارة بن حمزة في والبة ؟
– من يكون عمارة بن حمزة ؟
– حاكم الأهواز في عام 158
– و ما هو رأيه في والبة ؟
– لقد طلب إلى الخليفة المهدي أن يسمح لوالبة بأن يكون من جلسائه ، فقال له المهدي
– و لماذا يكون من جلسائي ؟
فقال عمارة :
– إنه أرق الناس شعرًا
– أسمعنا شيئًا من شعره
فأسمعه أبياتًا قال فيها والبة إن من عادته أن يدب إلى جلسائه و يثب عليهم إذا غلبهم النوم !
فضحك المهدي و قال :
– أو تريد أن نكون من جلسائه على هذا الشرط
و استطرد يقول – أبو نواس –
– ألم تسمعوا بداوود بن رزين ، و الحسين الضحاك الأشقر الخليع ، و الفضل الرقاشي و الحسين الخياط ، و عنان جارية النطاف ، و إسماعيل القراطيسي ، و رزين الكاتب ؟
هؤلاء جميعًا هبطوا في المجون و اللهو و الزندقة إلى أسفل درك ..
أردنا يومًا أن نجتمع في بيت واحد منا لنتقرب من الشيطان … و اتفقنا على أن من يجيد توجيه الدعوة شعرًا نجتمع عنده .
فقلت :
ألا قوموا إلى الكرخ ………. إلى منزل خمار
و بستان له نهر ………. لدي نخل و أشجار
فإن أحببتموا لهوًا ………. أتيناكم بمزمار
و إن أحببتموا ……………………………..
و لعلك تذكر بقية الأبيات
– أذكر إنك أحلتهم في النهاية على ربة الدار !
و مضى أبو نواس فقال :
– أما داود فأنشد :
قوموا لمنزل لهو ………. و ظل بيت كنين
و قينة ذات دل ………. و ذات عقل رصين
تشدو بكل ظريف ………. من محكم ابن رزين !
– هذا رجل مؤدب !
– لم يعجبني أدبه فقلت أرد عليه :
قوموا إلىّ ثقاتي ………. قوموا بنا .. وحياتي !
قوموا نلذ جميعًا ………. بقول هاك و هاتي !
فإن أردتم فتاة ………. أتيتكم بفتاة
و إن أردتم …………………………………..
و لعلك تعرف الباقي !
– أعرف أنك أحلت الإخوان في النهاية على شخصك الكريم !!
_ أما الحسين بن الضحاك الخليع فقال :
إلى الخليع فقوموا ………. إلى شراب الخليع
إلى شراب لذيذ ………. و أكل جدي رضيع
………………………….. مثال كل رقيع !
– ياللخليع من رقيع !
و مضى أبو نواس يقول :
– أما الرقاشي فقال :
لله در عقار ………. حلت ببيت الرقاشي
و قال عمرو الوراق :
عوجوا إلى بيت عمرو ………. إلى سماع و خمر
و قال الحسين الخياط :
قضت عنان علينا ………. بأن تزور حسينا
و قالت عنان :
مهلاً أفديك مهلاً ………. عنان أحرى و أولى
بان ينال لديها ………. أشهى النعيم و أحلى
فإن عندي حرامًا ………. من الشراب و حلا
و قال على بن الخليل :
ألا قوموا جماعات ……….. أخلائي فجيئوني
إلى صهباء كالمسك ………. و أبكار من العين
و إن أحببتموا …..
– خيبة الله عليه ! …
– و قال إسماعيل القراطيسي :
ألا قوموا جماعات ………. إلى بيت القراطيسي
فقد جاء لنا عمرو ………. بظبي أمرد طوسى
و قينات من الحور ………. كأمثال الطواويس !
و قال رزين الكاتب :
ألا قوموا جماعات ………. لعندي لا إلى غيري
فعندي من إذا غنى ……….. تهم الأرض بالسير!
و لما ذكر لنا رزين كل ما عنده من أسباب اللذات على اختلافها قلنا : اليوم يومك فقم بنا و صرنا إليه
و هنا سألت أبا نواس :
– و بعد ان صرتم إليه ماذا حدث ؟
– حدث لهم جميعًا ما رواه التاريخ عني وحدي !
– هل كان هذا المجون و التهتك و الفجور و الإبتذال في الكوفة وحدها ؟
– كان في كل مكان !
– لقد تشعب الحديث بنا .. كنت ستحدثني عن هربك من الكوفة إلى البصرة .. و ها نحن لا نزال في الكوفة .
– لقد تركت الكوفة و نحن الآن في البصرة !
– و لكنك لم تقل لي كيف تركت الكوفة ؟
– بعد أن أمضيت ثلاثة أعوام في الكوفة شعرت بأن شخصيتي تلاشت في شخصية والبة ، و كرهت أن أظل تبيعًا له ، فاعتزمت العودة إلى البصرة لأستأنف فيها حياة جديدة .
و خشيت أن أفاتح والبة بما اعتزمته فيحتجزني معه ، فاستاذنته في السفر إلى البادية مع وفد من بني أسد فأذن لي ، و قد أقمت في البادية سنة تعلمت فيها كثيرًا من غريب اللغة ثم عدت إلى البصرة
و هناك عرفت خلفًا الأحمر و كان عالمًا عظيمًا ، و جلست منه مجلس التلميذ من أستاذه .
– هل كان خلف الأحمر مثل والبة ؟
– كان شيئًا آخر .
________________________________________

عندما عدت إلى البصرة كنت قد عقد العزم على أن أبدأ حياتي من جديد ، فلا لهو ، ولا مجون و لكن توبة عن المعاصي ، و تفرغ تام للعلم و الجد ، و قد أفادتني رحلتي إلى البادية كثيرًا و كنت خلال هذه الرحلة مثال الاستقامة ، كنت في حالة ندم على ما فرط مني ، و في حالة تصميم على أن أنأى بنفسي عن مظان العبث و الشبهات ، و أن أعود إلى البصرة رجلاً فوق مستوى الظنون .. فلم أكد أضع قدمي فوق أرض البصرة حتى قصدت إلى أبي الحسن العطار الذي كنت أعمل صبيًا في دكانه ، و كان مني بمثابة الوالد البار ، و كنت ابنًا عاقًا .. فقد تركته و هربت مع والبة ، و كان ما كان .

و لقد تلقاني أبو الحسن بالترحيب و لما سألته أن يعفو عني قال إن عفوي دائمًا يسبق ذنبك ! و دعاني إلى استئناف عملي في دكانه فأخبرته بما اعتزمته من مواصلة الدرس ، فسره ذلك ، و شجعني على أن اخصص كل وقتي للعلم و رأي أن أتتلمذ على يد خلف الأحمر لغزارة علمه ، و تبحره في الشعر و اللغة ، و الإلمام بأنساب العرب .. فأخذت برأيه ، و قصدت إلى خلف الأحمر في مسجد البصرة و قد أبدى إعجابه بذكائي ، و سرعة بديهتي ، و لم أعرض عليه شيئًا من الشعر الذي نظمته و أنا بصحبة والبة ، فقد كان خلف يحب جزالة اللفظ ، و كان شعري في ذلك الوقت سهلاً ، و رقيقًا و كان كله عبثا و مجونًا ، و بعد أن لازمت خلفًا حوالي العام استاذنته في نظم الشعر فقال لي :

لا آذن لك إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ، ما بن أرجوزة و قصيدة و مقطوعة .

فغبت عنه فترة طويلة ، و جئته لأنشده ما حفظته ، فسألني :

كم حفظت ؟

ألف مقطوع

أنشدها

فأنشدتها في عدة أيام ، و سألته أن يأذن لي في نظم الشعر فقال :

لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الأشعار كلها .

هذا أمر يكاد يكون مستحيلاً ، فقد أتقنت حفظها

لا آذن لك حنى تنساها !

فذهبت إلى بعض الأديرة و خلوت بنفسي ، بضعة شهور و استغرقت خلالها في تأملاتي و نسيت كل شيء … نسيت الشكل و الصورة و اللفظ ، و لم يبق في خاطري إلا الجوهر و المعنى ، و جئت إلى خلف الأحمر و أخبرته أني نسيت الألف مقطوع فسألني :

هل نسيتها كلها ؟

نسيتها حتى كأني لم أكن أحفظها قط .

الآن .. أنظم الشعر

فسألت أبو نواس – الكاتب طبعاً

كيف كنت تنظم الشعر ؟

كنت أشرع في نظم القصيدة و أتركها أيامًا ، ثم أراجعها فأمحو كثيرًا منها ، ولا أبقى إلا على ما يروقني

لكن ما تنظمه هو خواطر نفسك فكيف تمحو هذه الخواطر ؟

إن الخواطر تخطئ و تصيب و قد كنت أمحو ما أراه خطأ و أثبت ما أراه صوابًا

هل كنت سريعًا في النظم ؟

لم أكن سريعًا ولا بطيئًا ، كنت بين السرعة و البطء .. كنت وسطًا

هل كنت تعني بشعرك في الخمر ؟

كل العناية

و شعرك في المجون ؟

بعض العناية

و شعرك في المدح ؟

كنت أنظمه بلا عناية

و استطرد أبو نواس يقول :

لقد سئلت في ذلك مرة فقلت إذا أردت أن أجد قلت مثل قولي :

لا أذود الطير عن شجر …….. قد بلوت المر من ثمره

و إذا أردت العبث قلت مثل قولي :

طاب الهوى لعميده

أما الذي أفنى فيه وحدي و كله جد إذا وصفت الخمر

و لكن قصيدتك التي تقول فيها لا أذود الطر عن شجر … هي قصيدة كلها مدح ، و كنت قد ذكرت لي أنك تنظم المدح بلا عناية !

لقد قصدت المدح الذي لا يتجاوز طرف اللسان إلى القلب أو العقل .. أما أن تمدح رجلً تحبه ، أو تؤمن به فليس هذا مدحًا و لكنه شعر يرقى إلى شعر الخمريات و المجون و الحب و الزندقة .

هل حفظت أشعارًا أخرى غير ما أوصاك خلف الأحمر أن تحفظه ؟

حفظت سبعمائة أرجوزة من أراجيز الشعراء

و ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب ، بينهن الخنساء و ليلى الأخيلية ، و ليلى العامرية .. فما ظنك بالرجال ؟

كيف كان رأي معاصريك في شعرك ؟

كان بعضهم يحسدني على مكانتي و ذيوع اسمي ، و إقبال جمهرة الناس على ترديد شعري ، و كان بعضهم الآخر يراني أشعر الشعراء على الإطلاق ، و غيرهم اعترفوا بسمو مكانتي في الشعر و لكنهم جنبوا عن الرواية عني !

هل تذكر أحدًا من حاسديك ؟

ولا أحد يذكرهم !!

و المعجبون بك هل تذكرهم ؟

ألم يرو التاريخ أسماءهم ؟

روى التاريخ أن ابن عائشة سئل عن أشعر المحدثين فقال الذي يقول :

كأن ثيابه أطلعن ………. من أزراره قمرا

يزيدك وجهه حسنًا ………. إذا ما زدته نظرا

و أنت صاحب هذه الأبيات ، فأنت أشعر المحدثين حسب رأي أبن عائشة .

و كان الأصمعي يعجب بشعري و يسميني الشاطر و هل سمعتم عن شاعر اسمه كلثوم بن عمرو ؟

أنا شحصيًا لم أسمع عنه .

كان يلقب بالعتابي !

نعم سمعت عنه … و كان شاعرًا متحيزًا للبرامكة أليس كذلك ؟

كان كذلك في أول الأمر ثم ساءت الحاله بينه و بين البرامكة .

كان شاعرًا مطبوعًا رقيقًا و كان يسميني الخبيث ، و يقول :

لو أدرك الخبيث الجاهلية لما تفوق عليه أحد !

إن التاريخ حدثنا عن إعجاب أبي عبيد بشعرك كما حدثنا عن أبا عمر الشيباني العالم النحوي كان يقول :

أشعر الناس في وصف الخمر ثلاثة : الأعشى ، و الأخطل ، و أبو نواس .

و ضحك أبو نواس و قال :

أعرف أبا عمر الشيباني هذا و كنت لا استحسن آراءه … فقد كان يعجب بالشكل ، و أنا لا أحب الشكل إلا في الوجه و البدن ، أما الأدب فإني يعجبني فيه الشكل و الجوهر معًا !

و لكنه لم يخطئ في حقك

بل أخطأ إذ جعلني في الخمريات واحدًا من ثلاثة !

ما مكانك في شعر الخمريات إذن ؟

واحد فقط ، وقد سبق أن سألني سليمان ابن أبي سهل : مالذي أستجيده من شعري ، فقلت له : أشعاري في الخمر لم يقل أحد مثلها ، و أشعاري في الغزل فوق الناس و هما أجود شعري !

ألا تعرف الثوري ؟

و لما بدا له أني لا اعرفه مضى فقال :

كان من الأئمة الأعلام في الحديث و أراد بعض الحاقدين أن ينالوا مني في مجلسه فقال الثوري : كيف تنالون من رجل يقول مادحًا :

يخافه الناس و يرجونه ………. كأنه الجنة و النار!

و يقول مادحًا أيضًا :

فما فاته جود ولا حل دونه ………. و لكن يسير الجود حيث يسير

و يقول في الخمر :

فتمست في مفاصلهم ………. كتمشي البرء في السقم !

و كان يقول : و الله إن أبا نواس لحق من كانوا قبله و فات من جاءوا بعده .

لقد نقل التاريخ إلينا أن ابن الأعرابي انتحن جلساءه في أشعر الناس فاستشهد كل منهم ببيت من شعرك .

فقال ضاحكًا :

يظهر أن ابن الأعرابي كان لا يجالس إلا من يفهمون ، و سألني هل تذكر شيئًا مما استجادوه من شعري ؟

أذكر هذا البيت في وصف كأس الخمر و قد تصاعد حبها من خلاله :

كأن كبرى و صغرى من فقاقعها ………. حصباء در على أرض من الذهب

ألم يحدثكم التاريخ عن رأي أبي العتاهية في شعري ؟ لقد سئل من أشعر الناس ؟ فقال جاهليها ؟ أو إسلاميها ؟ أو مولدها ؟ فقيل له : نريد أشعرهم جميعًا فقال أشعرهم من يقول :

إذا نحن أثنينا عليك بصالح ………. فأنت كما نثني و فوق الذي نثني

و إن جرت الألفاظ يومًا بمدحه ………. لغيرك إنسانًا .. فأنت الذي نعني

و الذي يقول في الزهد

و ما الناس إلا هالك و ابن هالك ………. وذو نسب في الهالكين عريق

و أنا صاحب هذا الشعر كما تعلم ، أم تراك لا تعلم ؟

قلت : أعلم .

 

 

 

 

 

 

( أبو نواس يتزوج )

 

رويت له ما ذكره الجاحظ من أنه سمع ابن النظام ينشد لأبي نواس شعرًا في الخمر و يقول : كأن هذا الفتى تجمع له الكلام فاختار أحسنه !

فقال أبو نواس :

هذا صحيح

أيهما الصحيح رواية الجاحظ أم رأي ابن نظام ؟

كلاهما صحيح

و لقد قال بعض النقاد أن المعاني حبست عليك و حدك فأخذت منها حاجتك و فرقت الياقي على الناس !

و هنا غمر البشر وجهه و بدا كما لو كان شبابه قد عاد إليه و قال :

نسيت أن أذكر لك أن أبا العتاهية كان يقول :

سبقني أبو نواس إلى أبيات وددت أني سبقته إليها بكل ما قلته فإنه أشعر الناس فيها … و من هذه الأبيات قولي :

يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر

و قولي :

و ماالناس إلا هالك و ابن هالك ………. و ذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ………. له عن عدو في ثياب صديق

كيف عرفت أبا العتاهية ؟

عرفته و كنا في سن الكهولة ، اجتمعنا يومًا عند إسحاق بن إبراهيم بن ميمون و كلانا لا يعرف الآخر فلما عرفني أنتقل إلى مكاني و صافحني و جلس بجواري ، و استنشدني الشعر ، فأخذت أنشد أشعارًا لي سخيفة هازلو ، فأنشدني شعرًا له و قلت له : هذا قول ممتع ، فقال : هو خير مما أنشدتني اليوم .. و عجب من أن أحفظ شعري السخيف ولا أذكر شيئًا من شعري الجيد ، ثم سألني عن قصيدتي في الفضل بن الربيع التى قلتها مستشفعًا به للخروج من السجن ، فأنشدتها له و فيها أقول :

قد كنت خفتك ثم أمنني ……….. من أن أخافك خوفك الله

فقال أبو العتاهية : ما عليك ألا تقول بعد هذا شيئًا .. قد كنت و الله أحب أن أسبقك إليه .

أولم يكن لك في البصرة غرام طبيعي أو شاذ ؟

دعنا من هذا الحديث

لقد علمنا أنك أحببت عنان

بل جننت بها ، و لكني لا أريد أن أتكلم عنها ، ألا يهمك أن تعرف كيف ذهبت إلى بغداد و كيف عرفت هارون الرشيد ؟ و كيف جذبتني دار السلام إليها بأضوائها ، و خمرها ، و غلمانها و قيانها و علمائها و شعرائها بملحديها و مؤمنيها ؟

إن هذا يهمني و اريد أن تحدثني عنه و لكن هناك شيئًا هامًا يجب أن نزيح الستار عنه ، و هو حبك لعنان الجارية الشاعرة الساحرة !

إن غرامي في الصرة ليس له أول ولا آخر و أخشى إذا تحدثنا عن الغرام أن تضطرني للحديث عن الزواج !

هل تزوجت ؟

عندما عدت إلى البصرة ، تجمع أهلي حولي ، و أسدوا لي النصيحة أن أحتشم و أصطنع الوقار ، و قلت لهم أن هذا ما صممت عليه فقالوا إن الزواج سيساعدك على تنفيذ عزمك و سألوني : ماذا لو تزوجت امرأة من أهل بيتك حتى تقلع عن بعض ما أنت فيه فعارضت في الزواج و لكنهم مازالوا بي حتى زوجوني جارية من أهل بيتي و هم يعتقدون أنها جميلة و ربما كانت كذلك

و لكني لم أكد أدخل بها ليلة الزواج حتى أعرضت عنها و فررت من البيت و اجتمعت بأصدقائي … و أرسلت لها أبياتًا أعلنت فيها طلاقي منها قلت :

………………………….. تحملي طالقة و أذهبي

مرى مثلك من حرة ………. رائعة لم تك من مذهبي

لا أدخل الجحر يدي طائعًا ………. أخشى من الحية و العقرب

و لم أرها بعد ذلك أبدًا

ألم تتزوج مرة أخرى ؟

كلا

و لكنك أشرت في شعرك إلى أن لك أولادًا !

لا أظن !

ألم تقل :

ألا إن بنتي بنت من لم ير ابنة ………. ولا ابنًا سواها قد تبر وتؤنس

هذا حديث يطول شرحه .. و كنت أود أن نتقل فورًا إلى بغداد

سننتقل إليها حتمًا و لكن بعد أن نعرف من هم أولادك ، و كيف كان حبك لعنان و مجونها معك و هجوها لك !

 

( أبناؤه .. نساؤه .. و بنات أفكاره ؟ )

 

قلت لأبي نواس : ستحدثني اليوم عن أبنائك .. فقاطعني قائلاً :

أي أبناء ؟

ألم تنجب أبناء ؟

لقد تزوجت مرة واحدة ، و طلقت زوجتي ليلة الزواج ، طلقتها قبل أن أدخل بها ، فلم أنجب منها بنات ولا بنين .

ألم تعرف نساء عن غير طريق الزواج ؟

عرف كثيرات

لعلك أنجبت منهن أولادًا

لا أظن

و لكنك ذكرت في شعرك أسماء أولادك

و ما هو هذا الشعر ؟

ألم تقل و أنت في ضيافة الخصيب بمصر :

لباب ” تكبري فوق الجواري ………. فإن أباك أعتبه الزمان

و في ديوان شعرك رثاء لولدك الذي مات :

على حين حانت كبرة و مشيب

و في ديوانك أيضًا أبيات عن ابنتك ” بر ” أو ” برة ” و قد طلبت إليها أن تبرك حيًا و ميتًا

و عندما أطلق الأمين سراحك من السجن الذي أودعك فيه هارون الرشيد قلت :

لولا أبو العباس ما نظرت عيني إلى ولد .. !

فمن هي ابنتك ” لباب ” و ” برة ” و من هو ولدك الذي مات بعدما بلغت المشيب .. و من هو ولدك الذي نظرت إليه بعدما تفتحت لك أبواب السجن ؟

أخشى أن أفجعك إذا قلت الحقيقة !

افجعني .. وقل الحقيقة

الحقيقة أني لم أنجب أبناء .. و ما ذكرته ربما كان ذلك خيالاً .. أو تشبيهًا .. أو محاكاة !

و بناتك ؟ … أيضًا من بنات أفكارك ؟

هل أفجعك مرة أخرى ، صدقني إذا قلت لك إني لم أسلك طريقًا يؤدي إلى أن أنجب أولادًا .. !

تعني أنك لم تسلك طريق الحلال ؟

ولا طريق الحرام !

و النساء اللاتي عرفتهن ؟

لقد عاملتهن كما لو كن غير نساء !

ماذا تعني ؟

إن التلميح كثيرًا ما يغني عن التصريح ، و التلميح في هذا الموطن بالذات يغني ولا شك عن التصريح !

لماذا إذن أكثرت من الإشارة في شعرك إلى أن لك بنات و بنين ؟ !

بعض هذه الإشارات من قبيل المباهاة أو استدرار العطف ، مثل إشارتي في قصيدتي التي قلتها بعدما أطلق الأمين سراحي من السجن الذي أودعني فيه أبوه هارون الرشيد فقد قلت :

إني أتيتكمو من القبر ………. و الناس مجتمعون للحشر

لولا أبو العباس ما نظرت ………. عيني إلى ولد ولا وقر

فقد تشفعت بالفضل بن الربيع لدى الأمين كي يخرجني من السجن .. و أردت أن يشعر الأمين بأنه أطلق سراح رجل له أولاد يحن إليهم و يحنون إليه ، و كان هذا شيئًا مألوفًا عندنا ، مثل التفاخر بالآباء و الأجداد ، و ما أكثر الذين تباهوا بآبائهم و هم أنفسهم لا يعلمون شيئًا عن هؤلاء الأباء !

و ماذا عنيت بالأبيات التي تمثلت فيها أن بينك و بين الدهر ثارًا لوفاة ابنك ؟

هذه أبيات رثيت فيها صديقًا يصغرني سنًا ، فهو في منزلة ولدي لو أن اي ولدًا .

و أبياتك في برة ؟

لقد نسيت المناسبة التي قلت فيها هذه الأبيات ، و لعلها قيلت على لسان أحد من أصدقائي فقد كنا نقول الشعر على ألسنة غيرنا .

ومن لباب التي تكلمت عنها في مصر ؟

هل تريد أن أفجعك مرة أخرى ، تعلم أني زرت مصر قاصدًا أميرها الخصيب ، و أنشدت بين يديه قصائدي ، تجمع الشعراء حولي ، بعضهم أبدى إعجابه بي و بعضهم أعلن تبرمه بي و بعضهم أخفى كراهيته لي و لكنهم جميعًا يتوددون إلى خاصة بعد أن اشترطت على الأمير أن يمنحهم الجوائز على نالم يسمعه من أشعارهم .

أردت أن أنقل إلى مصر جو بغداد و البصرة و الكوفة ، أردت أن أجعل من مصر مسرحًا للفسوق ، و المجون ، و الزندقة ، و خيل لي أنه من اليسير على مثلي أن يحظى بما يشاء من لهو برئ و غير برئ … فأنفقت المال على من حولي من الشعراء و الأدباء أنفقته بسخاء و جنون ، و طلبت الخمر فوجدتها وجدتها معتقة و طازجة و جدتها عصير بلح و نبيذًا .. طلبت النساء فوجدتهن .. ثم تجرأت و بحثت عن الغلمان … و ذهبت مع جماعة من أهل مصر إلى مكان ناء على شاطي النيل ، بالقرب من الفسطاط آملا أن أجد هناك بغيتي وإذا ثلة من الشباب الحلو الرقيق البض ، قد أعدوا لنا بساط الشراب .. على حافة الماء بين مروج النخيل و الشجر في ضوء القمر ، و قبل أن تلعب بي الخمر كنت قد لعبت بها و هممت بمعانقة أحد الشبان و إذا هم جميعًا يمسكون بتلابيبي و يطرحونني أرضًا و ينهالون على جسمي ضربًا بالسياط و العصي ، و يتركونني ملقى في الطريق بين الحياة و الموت … و بحثت عمن كانوا معي فإذا هم قد تفرقوا جميعًا ، و لما أصبح الصباح ، أخذت أجمع شتات نفسي ، و شتات جسدي ، و سرت على قدمي ، حتى وجدت مركبًا عدت فيه إلى منية الخصيب ، و هناك أقمت في رحاب الخصيب بقية أيام الزيارة ، و لم أكاشفه بما حدث لي ، و لما تركت مصر ، أخذت بعض حقدي عليها ، و على أهلها ، فزعمت أني أحببت فيها و عاشرت نساءها ، و أنجبت منهن بنات كثيرات و جعلت ” لباب ” هذه التي وردت في بعض أشعاري .

 

 

 

( عنان التي أحبها أبو نواس )

 

قلت لأبي نواس حدثنا عن عنان

و هل يعنيك أن أحدثك عن عنان !

يعنيني ذلك و يسرني … ولا شك أن الحديث عن عنان يعيد إليك الشباب .

لعنة الله عليها

أتلعنها بعدما أحببتها !

لاني أحببتها ألعنها

ألم تكن تحبك ؟

كانت بذئية ، هجاءة ، و سليطة اللسان ، و قد عرفتها و هي جارية من جواري ” الناطفي ” و نمت المودة بيننا ، وفقد كانت ذكية ، رشيقة ، جذابة ، و كانت تقول الشعر ، و تروي كثيرًا من أشعار القدامى و المحدثين ، و بقدر ما أشادت بي ، و هتفت بذكري قبل أن نلتقي .. هاجمتني و هجتني ، و أصبحت سوط عذاب يلهب سمعتي ، و يمزق عرضي ، و قد ظلت العلاقة قائمة بيننا فترة طويلة ، و الحق أني لم أضيق بسفاهتها إلا عندما تناولت أمي بلسانها الوقح البذئ .

حدث ذلك يوم أن سلطت سفهاء الكرخ و العيارين أن يمشوا إلي في جمع كبير و ينشدوا أبياتًا سخيفة .

من هم العيارون هؤلاء ؟

العيارون غلمان لا عمل لهم إلا السب و الشتم و قد أفهمتهم أن أمي كانت تجمع أولاد الزنى في بيتها و تربيهم لغرض في نفسها ! وشاعت هذه القصة ، و تعقبتني حتى بغداد .

أيتهما التي تعقبتك إلى بغداد .. القصة أم عنان ؟

كلتاهما .. فإن عنان أيضًا قد جاءت بغداد ، و لما عرف الفضل بن الربيع أنها أشاعت عني ما أشاعت ، قال لي : إذا أخجلتها أمامنا فلك عندي ما تريد ، و اجتمعنا في مجلس و حاولت أن اخجلها بذكر أشياء يندى لها الجبين ، و لكنها امرأة وقاحًا فقد أخجلت الرجال و لم تخجل .. !

أقول لها أريدك يا عنان

تقول لي : و أين ذهبت أمك .. إنها بك أولى !

هذه المناوشات جرت بينك و بينها أمام الفضل بن الربيع ؟ !

و أمام الرشيد أيضًا

هارون الرشيد الخليفة ؟ !

نعم

لو تركتني من حديث عنان لذهبنا معًا إلى بغداد و عشنا في قصر الخليفة و قصور البرامكة ، و شهدنا المعركة الكبرى بين حزب العرب و حزب الفرس ، و نكبة البرامكة ، و أحاديث الهوى ، و العشق و الغرام ، و لكنك تأبى إلا أن نتحدث عن عنان !

دعنا من عنان و لنذهب الآن إلى بغداد

الآن لا أستطيع … غدًا نذهب إلى بغداد .

 

 

 

( المدينة التي لا يموت فيها خليفة ! )

 

قال أبو نواس :

إن بغداد هي دار السلام هكذا سماها من بناها .

و من الذي بناها ؟

الخليفة أبو جعفر المنصور ، في سنة 145 أو نحو ذلك

كأنك أكبر منها سنًا !

هي أقدم مني مولدًا .

و لماذا سماها المنصور مدينة السلام ، و قد كان عهد خلافته ، محفوفًا بالغدر و سفك الدماء ؟

لقد سموها الفرس بغداد ، و قيل في تعليل ذلك أن أمير المشرق أهدى كسرى ملك الفرس عبيدًا و خصيانًا ، فأقطعه كسرى أرضًا و سماها بغداد و معناها ( عطية الصنم ) أي هدية كسرى المعبود ، إذ أن ( بغ ) بالفارسية صنم و ( داد ) عطية ، و من أجل هذا كان الفقهاء يكرهون أسم بغداد فينطقونها بغدان أو بغذاذ .. إلى أن جاء أبو جعفر المنصور و أنشأ فيها حاضرة الخلافة فسماها مدينة السلام ، و قد أحضر لها المهندسين و أهل المعرفة بالبناء و توزيع المساحات و تقسيم الأرض ، و صور لهم المدينة التي في نفسه ، لينقلوها على الطبيعة ، ثم أحضر الصناع و النجارين ، و الحفارين ، و الحدادين ، و الفعلة ، و أجرى عليهم الأرزاق ، و كتب إلى كل بلد أن يرسل إليه من يفهمون في أمور البناء ، و لم يبدأ العمل في إنشاء المدينة حتى تكامل عند الخليفة من أهل المهن و الصناعات ألوف كثيرة ثم اختط المدينة ، و جعلها مدورة ، و يقال إنه لا يوجد في أقطار الدنيا كلها مدينة مدورة سواها .

و هل كان في بلاد الخلافة في ذلك العهد أهل معرفة بالبناء ؟

إن الخلافة في ذلك العهد كانت مملكة يمتد سلطانها إلى مصر و الشام غربًا و إلى الهند و الصين شرقًا ، و كان يخضع لنفوذها بلاد لا حصر لها في الشمال و الجنوب ، و من هذه البلاد جميعًا ، أي من الدنيا كلها ، جاء أهل المعرفة بالبناء فكأنما اشترك في بناء بغداد كل أصحاب المعرفة و الحذق و المهارة ، و لهذا كانت بغداد للناس جميعًا ، فيها العرب و الترك و الفرس و الهنود ، فيها أبناء موسى و عيسى و محمد ، ومن على دين المجوس ، و من ليس لهم دين ، فيها سلالة زرادشت و بوذا و كونفوشيوس ، فيها حضارات مصر و الهند و الصين ، فيها صراع مستعر بين العقيدة و الفكر ، بين الفلسفة و التصوف ، بين الاستبداد و الحرية ، بين الفوضى و القانون ، بين القيود و الأيدي ، بين السياط و الظهور ، بين الشعراء و العلماء ، بين المتماسكين و المنحلين ، بين المؤمنين بالله و المؤمنين بالشيطان ، و الكافرين بالله و الشيطان معًا .

و قال أبو نواس كذلك :

هل تعلم لماذا بنى أبو جعفر هذه المدينة ؟

لقد خشي على حياته من الهاشميين ، فأراد أن يجعل لخلافته مقرًا لا يصل إليه العدو ، و قد استشار المنجمين فاختار له أحدهم مكان بغداد و كان أسم هذا المنجم ( نوبخت ) ، و قد جعل للمدينة أربعة أبواب فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة ، و إذا جاء أحد من المغرب دخل من باب الشام ، و إذا جاء أحد من الأهواز و البصرة و واسطة اليمامة و البحرين دخل من باب البصرة ، و إذا جاء أحد من المشرق دخل من باب خراسان ، و كان على جميع أبواب المدينة عسكر كثير ، و حراس شداد ، و أحيطت المدينة كلها بالأسوار ، و شقت فيها الخنادق و كان باب قصر الخليفة مقابلا لباب خراسان و قد بنيت على كل باب من أبواب المدينة قبة عالية ، و بين كل بابين ثمانية و عشرون برجًا .

و من أين جاءته فكرة أقامة أبواب للمدينة ، هل جاءته من المهندسين أم من المنجمين ؟

أعتقد أن الفكرة جاءته من المنجمين ، فقد كان أبو جعفر يؤمن بالتنجيم و الخرافات ، و الأساطير و الأحلام ، كان يروى عن أمه أنها لما ولدته أحست أن أسدًا خرج منها و هو يزأر !! و كان يروى أيضًا أن النبي محمدًا عليه الصلاة و السلام كان قد قال لأمه إنك حامل بغلام ، فإذا وضعته فأتيني به ، فلما وضعته أتت به رسول الله فأذن في أذنه اليمنى و همس في أذنه اليسرى ، ثم قال لها : أذهبي بأبي الخلفاء ، فلما علم العباس أبو جعفر بذلك أتى رسول الله فأجلسه الرسول عن يمينه و قال : ( هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه ) ثم قال للعباس إن الخلافة لك و لولدك منهم السفاح و منهم المنصور و منهم المهدي .

و هل صدقت هذه الروايات ؟

ليست هذه كل روايات أبي جعفر عن نفسه ، فقد كان يروي أنه رأى النبي ( ص ) في المنام و أنه أوصاه بأمته و قال له : ( خذها إليك يا أبا الخلفاء إلى يوم القيامة ) و قد أمر بكتابة هذه الرؤيا في ألواح الذهب ، و علقت في أعناق الصبيان .

و هل كان يعتقد أنه سيظل خليفة إلى يوم القيامة ؟

نعم

و هل كانت رعيته تعتقد ذلك ؟

صدق الناس ذلك عندما كانوا أطفالا ، ثم أصبحوا عقلاء ، لقد كان أبو جعفر يؤمن بأنه سيشهد بنفسه يوم القيامة ، و لما انتهى من بناء مدينة السلام دعا إليه بعض المنجمين و قال لأحدهم خذ الطالع ، فنظر المنجم في طالع الخليفة و قال له :

أن النجوم يا أمير المؤمنين تدل على طول زمان المدينة و كثرة عمارتها و، و اصباب الدنيا إليها و فقر الناس إلى ما فيها .

ثم توقف المنجم عن الكلام و صوب عينيه في أمير المؤمنين و قال له :

أبشرك بعلامة أخرى من علامات النجوم و هي أنه لا يموت في هذه المدينة خليفة أبدًا !

فأبتسم الخليفة للمنجم و قال :

الحمد لله ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .

و أين مات أبو جعفر ؟

لم يمت في بغداد خليفة منذ بنيت إلا الخليفة الأمين ، أما أبو جعفر فقد مات و هو في الحج ، بعدما دخل الحرم ، و المهدي مات في بلدة اسمها ( ماسيذان ) ، و الهادي في بلدة ( عيساباذ ) ، و هارون الرشيد في بلدة ( طوس ) .

إذن صدق المنجمون ؟

بل كذب المنجمون ولو صدقوا كما قال محمد عليه الصلاة و السلام ، فما حدث ليس إلا مصادفات ، و من يدري لعل كثيرين من الخلفاء ممن عاشوا بعدي قد ماتوا في بغداد .

لقد حدثنا الخطيب الغدادي مثل هذا الحديث و قال إن الخليفة المأمون مات بعيدًا عن بغداد ، و إن المعتصم مات في بلدة ( سر من رأى ) ، و كل من ولي الخلافة عقبه ماتوا بعيدًا عن بغداد ما عدا المعتمد و المعتضد و المكتفي فإنهم ماتوا في قصور بغداد .

إن من يتأمل في الطريقة التي بنى بها أبو جعفر مدينة بغداديعتقد أنه أراد أن يحصن نفسه من أعدائه ، بل من الموت نفسه ، فقد جعل لها من الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب أبوابًا ، لكل باب منها بابان ، باب دونه باب ، و بين البابين دهليز متين و رحبة و اسعة ، جاء بهذه الأبواب من بلدة واسط و قيل لنا إنها أبواب الحجاج و إن الحجاج كان قد وجدها على مدينة بناها النبي سليمان بن داوود و كانت تعرف باسم ( زندورد ) ، أما باب خراسان فجئ به من الشام و هو من صنع الفراعنة ، و باب الكوفة من الكوفة نفسها .

 

 

 

( أولى ليالي أبو نواس في بغداد )

 

سألت أبو نواس :

كيف كان قصر الخليفة في دار السلام ؟

كان فخمًا ضخمًا فسيح الأرجاء شامخ البناء ، و كان وسط القصر إيوان طوله ثلاثون ذراعًا ، و عرضه عشرون ذراعًا و فوقه قبة على رأسها تمثال فرس يمتطيه فارس في يده رمح ، و كان ارتفاع القبة ثمانين ذراعًا ، فكان الناس يرونها من جميع أطراف بغداد ، و كان هذا التمثال يتحرك ، و كلما وقع حادث في جهة من الجهات فيعلم الخليفة أن حادثًا وقع قبل أن تأتيه التفصيلات !

و كان مجلس المنصور ينعقد على القباب المنصورية فوق أبواب المدينة ، و كل قية منها مزخرفة عالية ذاهبة في السماء .

و أين كان موقع القصر ؟

كان بالقرب من نهر دجلة ، و قد سماه قصر الخلد ، تشبيهًا له بجنة الخلد ، و قد فرشه بالديباج و الحرير و صنعت أرضه و جدرانه من العاج و المرمر و الرخام و الأخشاب الغالية ، و كانت حماماته آية في الفخامة و الرواء ، و قد زينت مداخل القصر ، و أبهاؤه بالتماثيل و التهاويل و فرشت بالسجاد المجلوب من فارس.

و حدث أن زارت بغداد وفود من ملوك الروم ، و نزلوا ضيوفًا على الخليفة في قصره ، و أبدوا إعجابهم بما رأوا من مظاهر العظمة و الفخامة ، و لكن أحدهم قال للخليفة : إنك بنيت بناء لم يبنه أحد من قبلك ، غير أن فيه ثلاثة عيوب ، بعده عن الماء و لابد للناس من ماء لشفاههم ، و ليس فيه بستان و العين تشتاق إلى الخضرة ، و وجود رعيتك معك في بناء واحد بسبب هذه الأسواق الداخلة فيه و إذا كانت الرعية مع الملك فقد فشت أسراره !

فقال الخليفة : أما العيب الأول فحسبنا من الماء ما بل شفاهنا ، و أما العيب الثاني فإناا لم نخلق للهو و اللعب ، و أما العيب الثالث فليس عيبًا لأنه لا يوجد سر دون رعيتي .

لقد كان خليفة شعبيًا إذن !

كلا … ولقد قال هذا الكلام من باب المكابرة ، فلم تكد الوفود تبارح بغداد حتى أمر بمد قناتين من دجلة إلى القصر ، و نقل الأسواق إلى بلدة الكرخ و غرس البساتين حول قصره .. ، هذا القصر العظيم .. لم أره في عهد المنصور بطبيعة الحال ، و كل ما قلته لك ليس إلا حكايات سمعتها من الرواة ، و قد ظل قصر المنصور في بغداد معقلا للخلافة ، وجدت بعده قصور أكثر عظمة و فخامة ، كانت كلها لهارون الرشيد و البرامكة … و في عهد هارون الرشيد ذهبت إلى بغداد ، و كانت تموج بالدسائس و الفتن السياسية ، كان فيها حزبان : حزب العرب و يتزعمه الفضل بن الربيع و تسنده داخل القصر زبيدة زوجة هارون الرشيد ، و حزب البرامكة ،و كانوا حاكمين بأمرهم ، كانوا يحكمون الرعية و يحكمون الخليفة ، كانوا أقوياء ، رأسهم الكبير شيخ حنكته التجارب و العلوم و هو يحيى بن البرمكي ، و ولداه جعفر و خالد تقاسما الهيل و الهيلمان و القوة و السطوة و كانوا يعاملون هارون الرشيد كما لو كان طفلاً .. و في الحق أنه كان طفلاً له شارب و لحية و عمامة و سيف كانوا هم و حزب العرب بزعامة ابن الربيع و زبيدة يتقاذفونه بالأقدام .. !

كان همه ان يشرب ليلهو .. و يلهو ليشرب .. و يجمع الشعراء و الفساق حووله ليعرف الدنيا .. و يجمع الفقهاء و العلماء ليدخلوه الجنة !

و لما وصلت إلى بغداد كانت الفتنة قائمة على قدم و ساق ، و لكني كنت أريد أن أصل إلى الخليفة ، أريد جوائزه و عطاياه ، أريد ذهبه لأنفقه على لذتي و متعتي ، و كان أمامي طريقان ، طريق الفضل بن الربيع و لكنه طريق شائك و طريق البرامكة و هو طريق مزدحم بالرائحين و الغادين و الواقفين و المنتظرين ، وهدتني الفطنة إلى أن أبعد عن البيئة السياسية حتى أتبين الأمور ، فلم أكد أصل إلى بغداد حتى التقيت بأصدقائي من الشعراء و المجان و الشبان و كنت قد عرفت بعضهم في البصرة و عرفت بعضهم الآخر في الكوفة ، و كانت جواري الخليفة يهربن من قصره و يختلطن بصديقاتهن من جواري السراة و الأشراف و الأمراء ، و قد استطعت منذ الليلة الأولى أن أندمج في هذا الجو العابق بأنفاس اللذة و المجون و الشراب ، و الدخان ..

و قد أمضيت أول ليلة في حانة ضمت عنان لعنة الله عليها … و مطيع بن إياس و حمادًا و كثيرين من شباب بغداد بينهم النصراني و المسلم و اليهودي و المجوسي ، و كانت هذه الحانة على شاطئ دجلة ، و قد فرشت مداخلها بأغصان الورود و الريحان و ألياف النخيل و أعواد الكروم ..

و وقفت أواني الخمر الضخمة الكبيرة على أبوابها كما لو كانت حراسًا ، و تدلت منها و حولها عناقيد العنب .. و النهر من جانب و البستان من جانب فعن اليمين جداول منسوقة و عن الشمال حدائق و كروم .

و قد خصتنا صاحبة الحانة بمكان جميل هادئ ، و أخذنا نشرب و نلهو نتبادل السمر و الدعابة و الشعر المرتجل … إلى أن عقدت الخمر ألسنتنا فكنا نتفاهم بالإشارة نتفاهم على طلب المزيد من الخمر … كل منا سكران و كل منا يريد أن يشرب :

فكل كف رآها ظنها قدحًا ………. و كل شخص رآه ظنه الساقي !

و قد كنت أكثرهم نهمًا و ظمأ .. لم أكن أشرب كوزًا بل كنت أشرب دنّا .. كنت أستل ما في الدن و أدعه فارغًا جسدًا بلا روح !

مازلت أستل روح الدن في لطف ………. و أستقي دمه من جوف مجروح

حتى انثنيت ولي روحان في جسد ………. و الدن منطرح جسما بلا روح

و قد اكتشفنا في آخر الليل أننا جئنا الحانة و ليس مع أحد منا دينار ولا درهم … و ارتابت صاحبة الحانة في أمرنا فطالبتنا بالأجر فكاشفتاها بالحقيقة و طلبنا إليها أن تطلق سراحنا على أن نعود إليها في الغداة و معنا أجر الخمر و الطعام … و لكنها أبت إلا أن تستبقي واحدًا منا رهنًا فقبلنا ، و قالت إنها ستتولى بنفسها اختيار الرهن و خشيت أن تختارني .. فقد كانت عجوزًا ، رومية قبيحة و وقع ما خشيت ، و أطلقت سراحهم جميعًا و استبقتني عندها و قد قلت في ذلك شعرًا .

 

 

 

( أبو نواس في حانات بغداد )

 

و استطرد أبو نواس يقول :

ذهبنا إلى الحانة ، كان البرد شديدًا و الطريق موحشًا :

و لليل جلباب علينا و حولنا ………. فما إن نرى إنسًا لديه ولا جنًا

إلى أن طرقنا بابها بعد هجعة فقالت من الطارق ، فقلنا لها :

إنا شباب تعارفنا ببابك ………. فقالت لنا : أهلا و سهلا و مرحبا

فقلت لها : ما الأسم ؟ ما السعر ؟ بيني ……….. لنا سعرها كيما نزورك ما عشنا

فقالت لنا : ( حنون ) اسمي … و سعرها ………. ثلاث بتسع … هكذا غيركم بعنا

فقلت لها : جئنا و في المآل قلة ………. فهل لك في أن تقبلي بعضنا رهنا ؟

فقالت لنا : أنت الرهينة عندنا ………. متى لم تفوا بالمال خلدتك السجنا !!

و هل صرت رهينتها فعلاً ؟

نعم

و هل ذهبت بك إلى السجن ؟

كان السجن أحب إلى مما دعتني إليه !

و كم بقيت عندها ؟

ثلاث ليال !!

وحدك ؟

وحدنا … هي و أنا !

و كيف أطلقت سراحك ؟

بعدما أخذت الثمن … لم تأخذ مالاً و لكن أخذت أعصابي

على أي حال لم أعطها مالاً ، و لم أذهب إلى السجن ، و لقد علمني هذا الحادث ألا أطرق باب حانة إلا إذا كان معي من الدنانير ما يكفي لشراء الحانة ، حتى لا تتكرر مأساة حنون .

و هل كانت هذه الحانة أجمل حانات بغداد ؟

كانت أول حانة دخلتها في مدينة السلام ، الحانات في بغداد متفرقة فيها ، متناثرة حولها ، و قد اختار لها أصحابها أماكن جميلة يحيط بها الزهر و النخيل و الشجر و يحف بها ماء النهر بعضها في متناول العين و القدم ، و هذه هي الحانات في جوف بغداد ، و بعضها فوق متناول العيون و الأقدام ، و هذه هي الحانات القائمة في الضواحي القريبة من بغداد .

و أي هذه الحانات كان أحب إليك ؟

حانات الضواحي و الدساكر ، و كنت أحب أن أغشاها ليلاً ، أطرق أبوابها وكأني أهاجمها ، أدخلها وكأني أطو عليها ، وكان يسرني اضطراب أصحابها وما أثيره فيهم من الذعر أول الأمر ، ثم لا يلبث هذا الذعر أن ينقلب إلى دهشة و ترحيب .

إن أصحاب الحانات يخافون زوار الليل من اللصوص و قطاع الطريق ، لهذا كانوا يغلقون أبوابهم ليلاً و يتركون في الباب ثقبًا يسع دخول الكوز و خروجه .. فإذا سمع صاحب الحانة طرقًا أطل من الثقب و سأل : من الطارق ؟ إن كان من رواد الحانة أدخله و إن كان عابر طريق تحدث إليه طويلاً حتى يعرف حقيقته ، و إن كان شرطيًا أعطاه كوزًا من الخمر حتى يتستر عليه ، و إن كان قاطع طريق لا يفتح له الباب أبدًا .

و كنت أوهم صاحب الحانة بأني من قطاع الطريق فأطرق الباب بشدة ، و أثير ضجة أنا ومن يكون معي من الخلان ، و يطل صاحب الحانة من الثقب فنختبئ عن أنظاره ولا يسمع إلا أصواتنا فيعود إلى داخل الحانة خائفًا ، ثم لا يلبث أن يسمع أصوات ضحكاتنا فيجئ ، و قد هدأ روعه :

و بادر نحو الباب سعيًا ملبيًا ………. له طرب بالزائرين عجيب

و قال أدخلوا : حييتمو من عصابة ……….. فمنزلكم سهل لدى رحيب

و جاء بمصباح له فأناره ……….. و كل الذي يبغى لديه قريب

فقلنا : أرحنا هات أن كنت بائعًا ………. فإن الدجى عن ملكه قريب

فأبدى لنا صهباء تم شبابها ………. لها مرح في كأسها و وثوب

كيف تجد المال الذي تنفقه على الخمر كل ليلة ؟

عندما ذهبت إلى بغداد كان معي مال قليل ، و قد أنفقته على نفسي و على أصدقائي من المغنين و الشعراء ، و هؤلاء تولوا الإنفاق بعد ذلك ، إلى أن اتصلت بالخليفة فكنت أملأ كفي من عطاياه ، و أفرغها في بيوت الخمارين !

 

 

 

 

( الأمين يبحث عن نديمه شهرًا ليشرب معه ! )

 

قال أبو نواس :

لقد اتفقنا على أن نذهب معًا إلى بغداد لأحدثك كيف اتصلت بهارون الرشيد و كيف حبسني و كيف أطلق الخليفة الأمين سراحي ثم حبسني ثم عفا عني ، و إني أرى الحديث عن حانات بغداد سيحدث اضطرابًا في تسلسل الحوادث التاريخية فدعنا من هذا الحديث الآن !

حدثنا عن حانات بغداد قبل اتصالك بهارون الرشيد و بعد اتصالك به ، و بالأمين بعده فإذا انتهينا من ذلك انتقلنا إلى تاريخك مع الخلفاء و الحاكمين و أهل السلطان .

إن حياتي في الحانت متشابهه ، سكر و عربدة و مجون و سهر طول الليل و طول النهار ! و لقد سبق أن ذكرت لك أسماء اصحابي في ارتياد الحانات كل المغنين و كل الشعراء ما عدا أبا العتاهية .

كيف كان أصحاب الحانات ؟

كانزا رجالاً و كانوا نساء ، و كانوا جميعًا ينشدون الكسب الفاحش .

سألني بعضهم من أنت ؟

و قلت إني نحوت الخمر أخطبها ………. قال الدراهم هل للمهر إبطاء

هل كانوا يهودًا ؟

كانوا من اليهود ، و المجوس ، و النصارى ، و المسلمين .

فبعض الحانات :

( أتيح لها مجوسي رقيق )

و بعضها صاحبها ( كريم المحيا ، ظاهر الشرك ، كافر .. له دين قسيس ، و تدبير كاتب ، و إطراق جبار ، و ألفاظ شاعر )

و بعض الحانات كان صاحبها مجوسيًا ، و مازلت حتى هذه اللحظة أحن إلى واحد منهم هو ( سابا شمرا ) ، كان أحور العينين جميلاً

فلما قرعنا بابه هب خائفًا ………. و بادر نحو الباب ممتلئًا ذعرا

و قال : من الطراق ليلا فناءنا ؟ ………. فقلت له : أفتح .. فتية طلبوا خمرا

فأطلق عن أبوابه غير هائب ………. و أطلع من أزراره قمرا بدرا

فقلت له : م الأسم حييت ؟ قال ………. دعاني بي ( سابا ) و لقبني ( شمرا )

فكدنا جميعًا من حلاوة لفظه ………. نجن ، و لم نسطع لمنطقه صبرا

و قد ذهبنا إلى حانة ، و حسبنا صاحبها نصرانيًا ، فقد كان يشد على وسطه حزتمًا ، كعادة النصارى ، فلما كاشفناه بظننا ، ثار و غضب ، و قال : كيف تظنون بي ذلك ؟

فسألناه : أمسلم أنت ؟

فقال : لا

فأعرض مزْوَرًّا و قال لنا هجرا ..

فقد كان يهوديًا و اسمه السموءل ، لقد غضب لسمعته .. فقد كان اليهود أبرع الخمارين على الإطلاق

و جاء بها زيتية ذهبية ………. فلم نستطع دون السجود لها صبرا

أتينا على أن المقام ثلاثة ………. فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا

و كيف كان موقف الخليفة منك ؟

كان الخليفة الأمين لا يطيق بعدي عنه ، كان ينهاني عن الشراب إلا معه ، و قد هددني بقطع رأسي إذا أنا ذهبت إلى الحانات ، و لكني برغم تهديده ظللت أعاقر الخمر سرًا

و قد حدث أن رحلت من بغداد إلى الكوفة ، و ذهبت إلى حانة جابر ، و هي تقع في الحيرة ، و كان جابر هذا لطيف الخلقة ، نظيف الثياب ، يهتم بأدوات الشراب ، و قد التقيت عنده بصديقي ابن الصلصال ، و كان يعرف شدة شغفي بالخمر ، و الاستماع إلى الغناء و قلت له :

ألم تعلم بما حدث لي ؟ .. لقد نهاني أمير المؤمنين عن الشراب و توعدني عليه ..

و أكتفيت بسماع الأغاني ، و شم رائحة الخمر و قلت قصيدتي

أيها الرائحان ياللوم لوما ………. لا أذوق المدام إلا شمما

و لكني لم أطق صبرًا على ذلك فما هي إلا ساعة ، حتى وجدتني أشرب الخمر ، و كنت أصيح من فرط النشوة و الغيظ … هاتها هاتها و لعنت الأمين و أم الأمين !

و لما عدت إلى بغداد ، و قابلت الأمين سألني أين كنت ؟

فأخبرته بأني كنت عند صديقي ابن الصلصال و رويت له ما حدث من امتناعي عن الشراب أول الأمر فقال لي و ماذا صنعت آخر الأمر ؟

فقلت : شربت و الله يا أمير المؤمنين … فطلب مني أن آتي بصديقي إلى أمير المؤمنين ، و قد أدناه منه و أحب فيه قدرته على الشراب و ظل معه إلى أن لقي الأمين مصرعه .

يبدو أن الأمين كان مولعًا بالخمر ؟

لا اعرف أحدًا هام بالخمر كما هام بها الأمين .- أمير المؤمنين .. و يشرب الخمر ؟ !

ليس هذا هو العجب !! و لكن العجب أن يشربها و يقيم الحد على من يشربها !

و لكن الأمين صديقك !

و هل الصداقة تمنع من ذكر حقيقة الصديق ؟ ، لقد أحببته ، و كان لا يصبر عني عندما ينشط للشراب ، و كان يطلبني بعض الأحيان فلا يكاد يجدني ، فبغضب غضبًا شديدًا و كان بعض ندمائه يحسدني على موضعي منه ، فانتهز فرصة غيابي عن الأمين .. و غضب الأمين من هذه الغيبة .. و سبني أمامه و قال له : يا أمير المؤمنين هذا شخص ينادم السفلة و السوقه ، و يغشى الحانات و يرتكب الفواحش ، و إن في منادمته لك تجريحًا كبيرا .. فأسكته الأمين و قال له : ألغ هذا الكلام .. فوالله ما ينبغي أن يكون نديم خليفة إلا مثله في أدبه و ظرفه و علمه ، و كمال خصاله ، و ما غضبت عليه إلا تأسفًا على أن يفوتني منه !

مثل هذا الإنسان أحبه و لكني لا أستطيع أن اتستر على حقيقته .. و هذه الحقيقة هي أنه أولع بالخمر .. و لم يولع بشيء سواها .

و استطرد يقول

و قد حدث أن غبت عن الأمير شهرًا ، فبعث رسله ليبحثوا عني و جاءوا إليه و أخبروه أني كنت أقيم في حانة أحد اليهود ، منذ شهر لا أفيق من السكر ، أنا و اصحابي .. فغضب الأمين ، و أحضرني بين يديه و قال لي :

لقد هممت أن أضرب عنقط ، و حلف إذا شربت في حانة مع الناس فإنه سيقتلني ، و وضع لي العيون و الجواسيس ثم قال لي أخرج من عندي .. فخرجت و قد صح عزمي على ترك منادمة الناس و الشراب في الحانات خوفًا على نفسي .

و جفاني الأمين و بعد أيام بينما كان الأمين في مجلس شرابه طابت نفسه لرؤيتي ، فدعاني إليه ، فلما التقيت به شكوت إليه ما نالني من غضبه ، و سالته الصفح فأقعدني إلى جواره و قال لي :

تظل شهرًا في منزل يهودي منتن .. متكئًا على دن و أنا أطلبك في كل مكان ولا أقدر عليك ؟

فقلت له يا أمير المؤمنين :

من تمام العفو ألا تذكر الذنب

فضحك و سأل ماذا قلت في هذا الشهر من الشعر ؟

فأنشدته قصيدتي الرائية و فيها أقول :

إذا ما أتى وقت الصلاة تراهمو ………. يحثونها … حتى تفوتهمو سكرا

فاستحسن الأمين ذلك و قال لغلامه : اسق القوم ولا تسق أبا نواس ، فقلت له لمَ ؟ ، فقال : لأنك تصف الساقي إذا ناولك الكأس بأنه قد سقالك كأسين .. كأسًا بعينه و كأسًا بيده .. فماذا تقول الآن إذا لم يسقك شيئًا .

فأنشدته قصيدتي البائيه و فيها أقول :

سقاني و منّاني بعينيه منية ………. فكانت إلى قلبي ألذ و أطيبا

فقال الأمين : و يحك .. لم ينج منك الساقي على أي حال .. اسقه يا غلام .

وشكرا لكم

 

 

 

 

 

 

Categories
كتاب يستحق القراءة

إستحالة وجود عذاب القبر

مؤلف هذا الكتاب الرائع هو الأستاذ الكبير/ إيهاب حسن عبده  

والكاتب كان مُتعمقا فى الفكر والفقه السنى حتى أنار الله بصيرته وفطن إلى التضارب الكبير بين كتب الأحاديث والقرآن الكريم، فاقتنع بأن الحق فى القرآن الكريم وحده، وصار من أئمة الداعين إلى اتباع القرآن وحده

وللأستاذ/ إيهاب نظرات ثاقبة فى تفسير معانى كلمات القرآن التى أساء المُفسرين تفسيرها، ومن وحى فهمه كتبت مقالى عن غمرات الموت فى موقع أهل القرآن، وسوف أُعيد نشره هنا إن شاء الله  

الكتاب يبدأ بنقد الأحاديث عامة، ثم ينقد أحاديث عذاب القبر، وقد ساعدته خلفيته السنية فى الوصول إلى أعماق فكرهم وأساليبهم فى خلط الأمور ، ثم يتعرض للآيات التى توركوا عليها لتأييد فكرهم فى عذاب القبر، وأثبت سوء فهمهم للآيات، وفسر الآيات تفسيرها الحق  

وهذا الكتاب موجود فى موقع الذكر الحكيم

http://alzekr.wordpress.com

 وأنصح بقراءة طريقة انزال الكتاب جيدا حتى لا تُصادف مشاكل

أرجو أن تتمتعوا بقراءة هذا الكتاب كما تمتعت به أنا واستفدت منه علما

وفى نفس الموقع هناك كتب أخرى رائعة للمؤلف مثل:

استحالة وجود النسخ فى القرآن

واستحالة شفاعة البشر للبشر

مع أطيب الأمنيات

عزالدين