Categories
دين

حد السرقة بين القطع والبتر

حد السرقة بين القطع والبتر

 
 
 
قطع يد السارق وبترها :

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة 38-39).

 يؤمن البعض بأن عقوبة السارق هي بتر يده بألة حادة، وحسب الرؤية والفهم التراثي يجب فصل وبتر يد واحدة للسارق بدون تحديد موضع البتر، وهذا مخالف لنص الآية التي تقول {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وليس كما تراها العين التراثية (ابتروا يديهما)، فكلمة “اقطعوا” ليست هي “ابتروا” وكلمة “أيديهما” تعني كلتا اليدين وليس يد واحدة.
فهل يجب بتر كلتا يدي السارق ؟ أم قطع يدي السارق لا تعني بترهما ؟.

إن القرآن حجة بصيغته اللسانية بذاته واستنادا للقاعدة التي تقول (إذا اختلف المبنى، اختلف المعنى) فإن كلمة “قطع” غير كلمة “قطّع” وغير كلمة “بتر” ولو كان القطع يعني البتر في آية سورة المائدة فعلينا أن نبتر أربع أيادي – كما ذكرنا سابقا – ﻷن الآية تقول {فاقطعوا أيديهما} لذلك فالقطع ليس هو البتر، القطع يعني قطع الأيدي عن المجتمع لمنع السرقة (كالسجن أو النفي …) والسارق والسارقة تعني أن مهنتهما السرقة لذلك جاءت على وزن فاعل ليدل على تكرار الفعل وامتهانه، والسرقة جاءت مغايرة للقتل لقوله تعالى {ومن يقتل} أي يكفي أن يقتل لمرة واحدة كي يقام عليه الحد.
ومن الممكن أن تكون السرقة دراهم معدودة وقد تصل إلى سرقة ملايين الدراهم، ولا يمكن أن تكون عقوبة الاثنان متساوية، وبالتالي ففي حالة الدراهم القليلة يمكن أن يعفى عن الذي سرق، أما الذي نهب الكثير والكثير فيجب سجنه وقد تصل عقوبته للمؤبد، وفي الآية {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إن مجال تخفيض العقوبة موجود بنص الآية، ولو كان القطع هو البتر كما يدعي البعض، فما علاقة التوبة بعد بتر اليد وبماذا تفيد، فإذا بترت يد الشخص فلا تقدم توبته شيئا ولا تؤخر ولا يصبح لها معنى ولا فائدة.

ولتوضيح معنى الفعلين والفرق بينهما :

قَطَعَ    يَقْطَعُ    اقْطَع    قاطِع    مَقْطوع .
قَطَّعَ    يُقَطِّعُ    قَطِّع    مُقَطِّع     مُقَطَّع .

 إن استخدام فعل “قَطَعَ” في القرآن جاء دائما بمعنى المنع وعدم الوصل، ولم يأتي هذا الفعل أبدا بمعنى البتر. ولنأخذ الآيات التي تذكر فعل “قَطَعَ” لا “قَطَّعَ” :

{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

{قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ}.

{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ}.

{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ}.

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}.

{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.

{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

وقبلها بآيات قليلة جاء ضد كلمة {وَيَقْطَعُونَ} وهي {يَصِلُونَ} في قوله عز وجل :

{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}.

إن فعل “قَطَعَ” ومشتقاته لم يأتي ولا مرة واحدة – في القرآن – بمعنى قطع حسي أو عمل فزيائي يعني البتر أو الفصل أو التقطيع، بل جاء كصفة منع ونهي ولا وجود لآلة حادة إطلاقا في هذا الفعل.

لقد تم استعمال فعل “قطّع” بتشديد الطاء للمبالغة، وهذا ما نجده في الآيات :

{وآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}.

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}.

{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ}.

{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

{هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}.

{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}.

{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.

{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.

{فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}.

استخدام فعل “قطّع” في الآيات الأخيرة – فرعون والمؤمنون – يعني ضرب المسامير في اﻷيدي واﻷرجل للصلب، ولو كان التقطيع هنا يعني البتر فكيف يكون الصلب بعد ذلك ؟ ومن أي أعضاء سيصلب؟.

إن فعل “قَطَّعَ” ومشتقاته يدل على عمل فزيائي (لكن “قَطَّعَ” لا تعني دائما استخدام آلة حادة) وقطع حسي بآلة حادة ينتج عنه جرح أو تمزيق أو بتر أو فصل.

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة 38-39).

إن عقوبة السارق هي قطع يديه ومنعها – أو نهيها – عن السرقة سواء بالسجن أو النفي أو العزل … وهذه العقوبة تجعل الفاعل – السارق – يراجع أموره ويتوب ويصلح ما يمكن إصلاحه (اعتزال السرقة، إرجاع المسروقات …) {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، أما إذا بترت يداه فما الدافع لتوبته وإصلاحه وهو مبتور الأيدي.

في عصرنا الحالي تطورت السرقة بدرجة كبيرة، فالإنسان اليوم يستطيع أن يسرق – حتى ولو كان مبتورا – بدون استخدام يديه، فالسرقة التكنولوجية قد تتم بالعين (بصمة العين) أو باللسان … فهل هؤلاء سنقطّع ألسنتهم ونفقأ أعينهم ؟! وإذا كان السارق أبتر، فماذا سنبتر منه ؟!.

وإذا ما بحثنا عن قصص السرقة في التنزيل الحكيم فإننا نجد قصة يوسف عليه الصلاة والسلام وإخوته، إذ يقول رب العالمين {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.

{قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}.

 {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.

كانت عقوبة من وجد في رحله – أخ يوسف – الحجز ومنعه من المغادرة مع إخوته، ولو كانت العقوبة هي بتر اليد لبتروها وذهب مع إخوته، لكن العقوبة منذ القدم هي السجن والحجز.

أما من يقول أن البتر قد طبق قديما فهذا كلام لا صحة له ولا دليل متواتر عليه، فالمرويات التاريخية متناقضة مع بعضها البعض ومتناقضة مع الآية الكريمة في سورة المائدة، فالآية تقول الأيدي أما الروايات فإنها تقول – ببتر – اليد الواحدة فقط، ولو طبق البتر لما كان هناك اختلاف في موضع البتر.

أما فقهيا فإنه يصعب البتر إلى درجة الاستحالة إلا إذا توفر 16 شرطا يصعب تطبيقهم على أرض الواقع إلا ما ندر، وهناك اختلاف بينهم هل القطع بمعنى البتر الكلي أم بمعنى الجرح فقط، لأن هناك روايات تقول بتقطيع اليد وتعليقها في عنق السارق مما يدل على انه جرح وليس بتر …

وبعيدا عن كل هذه التناقضات التاريخية، فإن دليلنا وحجتنا هو التنزيل الحكيم لأنه حجة بذاته.

أسامة فاخوري

باحث إسلامي

One reply on “حد السرقة بين القطع والبتر”

القطع وليس السجن
لماذا لم يعبر الله بالسجن عن القطع ولماذا استعمل أيديهما ولم يستعمل نفسيهما حتى يعبر تعبيرا صريحا عن السجن؟
إنك وأمثالك ممن يفسرون القطع وهو فصل شىء عن شىء بأنه غير بتر الأكف لا تدرون انكم تضيعون الناس
جريمة السرقة هى أخذ أى مال سرا أو علنا وهذه الجريمة يترتب عليها ما هو أفظع من قطع الأيدى فعندما تحرم فقيرا من ماله الذى يطعم به أسرته ويموت من الجوع أو تركبه الديون بسبب ذلك ألا يكون ذلك أفظع من قطع الأيدى
عندما تفسد المجتمع بازدياد ثروات المجرمين وفقر المسروقين وانا اتحدث عن اقطاع الأرض للمسئولين الكبار وحرمان بقية الشعب فهى سرقة أتحدث عن توزيع الرواتب على حسب الهوى فموظفين أغنياء وموظفين فقراء أتحدث عمن يأخذ القصور لنفسه …………… كل هذه جرائم سرقة تستوجب قطع الأيدى حتى يظل العدل موجودا واما السرقات التافهة حاليا كسرقة مبلغ قليل أو سرقة جهاز كهربى فهذه ليست سرقات فى ظل عدم العدل أولا اعط كل ذى حق حقه بالعدل وبعد هذا اقطع الأيدى حتى لو كان فلس واحد لأن سرقة هذا الفلس الواحد تخرب ميزان العدل بأكمله
السجن ليس عقولة وإنما مكافأة إذا كنت موظفا فى دولتك فمن المؤكد ان راتبك لا يكفيك إلا إذا كنت موظفا فى أحد الوزارات التى تقبض رواتب هائلة أو لديك مال من مصدر غير الراتب الموظف التعبان الذى يظل متعبا طول حياته لأنه لا يقدر على توفير كل ضروريات اسرته يعانى العذاب فى حياته واما السارق فى دولتك فالدولة تكفل له الطعام والشراب والسكن مجانا وتوفر له حتى الترفيه مجانا وحتى أسرته يعطى لها معاش فأيهما المعاقب المسجون أم ذلك الموظف
اعقلوها جريمة السرقة هى أول طريق خراب الدولة العادلة لأن المال الزائد يستخدم فيما بعد فى ارتكاب جرائم هادمة للدولة الزنى وتجارة الخمور والاستيلاء على السلطة ولذا فعقوبتها لابد ان تكون شديدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *