Categories
مجتمع

الخبرة والخبراء والبحث والباحثون

الخبرة والخبراء والبحث والباحثون

 

الألقاب التى تطلق على بعض الناس , من المفروض ان يكون لها مدلول ومعنى, وإلا لكانت تضييعا للوقت والجهد وعندما يبدأ التعريف بالشخص بوضع لقبه قبل إسمه, فهذا يعنى فى حد ذاته إلقاء الضوء على خلفية وعلى خبرة وعلى وظيفة وعلى مقدرة ذلك المعرف به. فمثلا عندما يقدم احدهم نفسه او يقدمه اخر بلقب دكتور فلان, فذلك معناه انك تواجه فلان الذى هو دكتور, وينبغى ان تراعى وأن تأخذ فى الإعتبار ان ذلك الفلان دكتور. للأسف لقد إختلطت معانى ذلك اللقب بحيث أصبح من الصعب التعرف على ذلك الدكتور من ذلك اللقب, فالطبيب يعرف بأنه دكتور, والحاصل على درجة الدكتوراه أيضا يعرف على انه دكتور, وقد يختلط الأمر فيعتقد البعض انه طبيب او يعتقد البعض الأخر انه حاصل على دكتوراة ما فى شيئ ما لا علاقة له بالطب. ولقب دكتور هو من أكثر الألقاب التى يختلط فيها الأمر على الناس.

وليس ذلك الإختلاط فى فهم ذلك اللقب قاصرا على من يستخدم اللغة العربية فقط ولكن حتى فى أمريكا هنا, يحدث نفس الإختلاط, حتى يتم توضيح اللقب وإن كان دكتور طبيب , ام دكتور فلسفة ام دكتور إقتصاد………..الخ الخ.

فى مصر بالذات تعطى الألقاب يمينا وشمالا, وبدون أى تحفظ او حد أعلى, فالعسكرى عادة ما ينادونه بالشاويش والشاويش بحضرة الضابط, والضابط بسعادة البية وكلما زادت الرتبة كلما زاد اللقب إلى باشا ثم إلى كبيــــــــــــــر , او يا برنس أو برنسيسة ولا أعرف إلى أين وصلت الألقاب الأن, الميكانيكى يصبح باشمهندس والمهندس أعتقد ينادونه بهندسة, ولا اعرف على وجه التحديد ماذا تعنى – هندسة دى – وهل ينادون خريح الصيدلة بصيدلة, والتجارة بنفس الشيئ, وهلم جرا ………….فعلا مصر بلد المضحكات المبكيات.

أسمع بين الحين والأخر عن شخصيات معروفة يلطق عليه لقب دكتور, ثم يتضح بعد ذلك أنه لم يحصل على الثانوية او الإعدادية, ونسمع كذلك عن عيادات لأطباء يتضح بعد مزاولتهم المهنه لشهور او سنوات أنهم ليسوا أطباء ولم يتخظوا أعتاب كلية الطب, بل ربما يكونوا من الأفاقين ممن لا يحملون أى شهادة على الإطلاق, سوى شهادة الميلاد , هذا إن كانوا يحملونها. وأتعجب , كيف يستطيع مثل هؤلاء ان يخدعوا الناس من حولهم ويوهموهم بأنهم أطباء بل ومتخصصون, وكيف يستطيعون أن يفتتحوا عيادة ويكتبون روشيتات لأدوية يتم صرفها من الصيدليات. لم أسمع عن مثل ذلك فى أمريكا طوال اكثر من أربعة وأربعين عاما, بل من المستحيل ان يمارس طبيب مهنته فى ولاية لم يحصل منها على رخصة الممارسة مهما كانت خبرته او ترخيصه بالعمل فى ولايات أخرى. هل الشعب المصرى بهذا العبط وتلك السذاجة, بحيث يدخل الرجل او المرأة إلى عيادة ويتظاهر المحتال بأنه طبيب ويصدقه!!!, وإين الرقابة من وزارة الصحة على تلك العيادات, وكيف يحصلون على تراخيص بفتح عيادة , أم ان الحكومة فى واد والشعب فى واد أخر..!!

أما على النيت, وفى المواقع الإجتماعية, فحدث ولا حرج, فهناك يعطى الكثيرون أنفسهم ألقابا ما أنزل الله بها من سلطان, فهناك الدكتور, ولا يعرف أحد اى نوع من (الدكاتير) هو, والمستشار والمهندس والخبير ……..ولا يتورعون من إضفاء الألقاب على أنفسهم خاصة , لقب باحث, وما أكثر الباحثين الإسلاميين, او المفكر والمفكرين فى الدين والعقيدة, والخبير, والخبراء فى ما يخطر وما لايخطر على بالك. ولو كانت الألقاب يتم التحقق منها ويعاقب الذى يتقمص أحد تلك الألقاب بالحرمان من موقع التواصل الإجتماعى, فأنا متأكد ان على الأقل نصف الألقاب التى يضفيها هؤلاء على أنفسهم , ستختفى وتزول.

هناك الكثيرون من المؤهلين وحاملى الألقاب خاصة لقب دكتور, ممن يشاركون ويساهمون ويتحاورون على النيت دون ذكر ألقابهم, وهم فى الحقيقة جديرون بالإحترام لأنهم يتركون أفكارهم وأراءهم ومقالاتهم وتعليقاتهم …..تتحدث عنهم, ولا يمكن لأى إنسان لدية ذرة من العقل والذكاء ان يخطئ فى تقدير تلك الفئة من الكتاب والمعلقين, ولا يمكن لأى إنسان لدية ذرة من العقل والذكاء ان لا يحترمهم ويقدرهم حتى عند الإختلاف معهم, فالإحترام ليس لمن يتفق معك ومع وجهات نظرك او فكرك, ولكن الإحترام لأسلوب التعامل وأسلوب الحديث ومادة الحديث ومحتوى الحديث وكيفية التصرف خاصة عند الإختلاف, الإحترام شيئ يكتسب ولا يفرض بحكم الثقافة او اللقب او السن او غيرة.

أكثر ما يثير حفيظتى على النيت او الفيس بوك, هو الجهل المخزى بأبسط قواعد اللغة العربية والهجاء , فهناك ما لا يحصى ولا يعد من الكتاب الذين يفتقرون تماما إلى قواعد النحو والإملاء والهجاء للغة التى يكتبون بها , ولكن بصفة خاصة هؤلاء الذين يتصدون وبضراوة وبوجهات نظرهم عن القرآن وعن تفسيره او شرح معانيه, وليس لدى مانع مطلقا ان يكون لكل إنسان مفهومه الخاص لآيات القرآن , طالما انه مقتنع به تماما ومقتنع بأنه الطريق إلى الهداية كما أمر الله, ولكن عندما يحاول من لا يستطيع ان يفرق بين الذال والزين فى كتاباته او الضاد والدال ..أو أين يضع الهمزة فى الكلمة التى تحتوى همزة………..الخ , وبين من يرفع المنصوب وينصب المرفوع فى كتاباته, ثم يصر على رأيه رغم ما يقدم إليه من أراء أخرى تبين له خطأه , فهذا ما يثير حفيظتى, والاكثر من ذلك أن يعطى لنفسه لقب , باحث إسلامى او باحث قرآنى, والمثل العربى يقول, إذا بليتم فاستتروا, يعنى إن كنت جاهلا أصلا بقواعد وأصول اللغة, فلا تضع جهلك تحت المنظار او تحت الضوء لكى يراه الجميع, والأهم من ذلك, فإنهم عندما يختلفون , لا يتركون لأنفسهم بابا خلفيا للخروج منه عند اللزوم مثلا بالقول, قد اكون مخطئا, او هذا رأيي الذى يحتمل الصواب او الخطأ او شيئا من هذا القبيل ولكنهم لا يصرون فقط على أرائهم بل ويوجهون النقد او السباب لمن لا يتفق مع شططهم وشذوذهم .

لذلك أنصح الجميع من تعظيم الألقاب او تعظيم هؤلاء الذين يتخفون خلفها او الذين يسلطون الضوء عليها فى الإعلان عن أنفسهم , او الذين يحيطون أنفسهم بجوقة من المطبلين والمزمرين الذين لا يتوانون عن كلمات التكبير والمدح والتعظيم لكل ما يخرج من فم زعيمهم وهم بذلك لا يساهمون فقط فى نشر أفكار شاذة او سيئة على أقل تقدير, ولكنهم يساهمون فى صنع فرعون جديد, يصدق من حوله كما صدق فرعون من قال له أنه إله. بينما يعتقدون فى أنفسهم انهم قد أصبحوا من بطانة ومن أصدقاء رجل أو سيدة عظيمة, وبذلك فهم أيضا وبطريق مباشر او غير مباشر, يعتقدون بأهميتهم او بأنهم قد أصبحوا من أصحاب الرأى المقدس.

 

 

 

 

 

 

 

Categories
سياسة

الحوار مع د. سيد غنيم

الحوار مع د. سيد غنيم

 

كنت أعتقد ان حوارى مع د. سيد غنيم على صفحات الفيس بوك قد إنتهى , وكان بشأن الحديث المنسوب إلى الرسول عن الجيش المصرى بأنه خير أجناد الأرض, ولكن اليوم فوجئت به ينشر منشورا عن مقال له فى جريدة الأخبار, بدأه بنشر جزء من أسئلتى التى توجهت بها إليه فى ذلك الحوار, مع التصرف من حيث انه لم ينقلها بالحرف, على الرابط التالى فى يوم 17 يوليو: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=347834802016670&set=a.190251804441638.46381.100003704590759&type=1&theater&notif_t=photo_reply

وكنت فى ذلك النقاش قد وعدت بكتابة مقالة عن صحة الحديث وعن صحة محتواه , وقد فعلت ذلك على الرابط التالى بعنوان هل جنود مصر هم خير أجناد الأرض حقا:

http://www.alquran-forall.com/index.php/ar/2010-04-15-20-26-47-44785/5781-2015-07-14-04-32-44

وفى منشورة اليوم على الفيس بوك وقبل أن أقرا المقالة فى جريدة الأخبار دار حوار بينى وبينه وكذلك مع عدد أخر من أصدقاؤه وجميعهم فيما يبدو من العاملين بالقوات المسلحة او المتقاعدين منها مثله, والحوار أيضا على الرابط التالى لمن يود ان يراه :

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=698519253614م888&set=a.190251804441638.46381.100003704590759&type=1&theater&notif_t=photo_reply

بعد ذلك أتيحت لى قراءة المقالة فى جريدة الأخبار وهى على الرابط التالى:

http://www.dar.akhbarelyom.com/issuse/detailze.asp?mag=&akhbarelyom=&field=news&id=181917

فالواقع اننى لم أجد بها جديدا او إختلافا عن ما قاله فى النقاش, سوى بعض الجمل التى إستفزتنى لكتابة هذه المقالة للرد عليه. فكان مما قال فى نهاية المقال (إذا كان التشكيك بحق في صحة حديث شريف فلماذا الآن بالذات وبواسطة فصيل مُعين بعينه؟ الحقيقة أن التشكيك المقصود يستهدف إرادة مصر والمصريين شعباً وجيشاً والسعي لإشعال الفتنة بينهما، وبصرف النظر عن المشككين في الحديث الشريف صحيحاً أو غير صحيح في وصف جنودنا أنهم «خير أجناد الأرض» فيكفيني ما لمسته بيدي بين جنودي خدمتي بالقوات المسلحة وكثيرون غيري يشعرون ويتفهمون جيداً ما اقوله).

وقد رأيت فيه إتهام غير عادل وغير صحيح لى شخصيا, لأنى لم اشكك فى هذا الحديث سوى بعد ان نشره هو فى الرابط الأول وإعتبره حقيقة مباركة بقول الرسول, وكان لابد على ان أرد على ذلك, مبينا ان هناك أقوال وأوهام وأكاذيب يعيشها نسبة كبيرة من المصريين, ولابد من التصدى لها ولو على نطاق صغير وهو النطاق المتاح على الإنترنيت.

هذا الإتهام بذكرنى بما يحدث فى الولايات المتحدة, فكل من ينتقد إسرائيل , يصبح معاد للسامية بطريقة اتوماتيكية , وكل من ينتقد الحكومة الأمريكية يصبح معاديا لأمريكا وليس لديه حبا لأمريكا………الخ الخ. وتلك الإتهامات تأتى إما من المؤيدين وحلفاء إسرائيل او تأتى من اليمين المتطرف فى أمريكا, وهذا ما يحدث فى مصر الان تماما, إنتقاد السيسى او الحكومة او الجيش يضعك بصفة أتوماتيكية فى مصاف الإخوان والأعداء والعملاء والخونه …………الخ من تلك الصفات المعلبة للإستخدام فى الوقت المناسب, والذى ينتقد الإخوان يصبح كافرا ومرتدا ويستحل قتله, يعنى كما يقال فى مصر , ما انيل من ستى إلا سيدى.

أنا اكتب عن مصر منذ سنوات طوال على الإنترنيت, ربما خمسة عشر سنه او اكثر, قبل ان يعرف الإنترنيت فى مصر, وأكتب من موضع أكثر رؤية لما يحدث, لانى خارج الصورة وأعيش فى مجتمع مختلف, وأمارس الحرية والديموقراطية كما لم يمارسها أحد ممن عاش فى مصر ولم يخرج منها أيا كانت وظيفته او مرتبته او رتبته او خلفيته الإجتماعية او العائلية…….أرى مصر من الخارج فأراها دون ان تؤثر فى الضوضاء الصادرة من وسائل إعلامها او من الحكومة او من الناس من حولى, أراها على ضوء من المعلومات الكثيرة ومن مصادر مختلفة وليست من مصدر واحد فقط هو الحكومة ووسائل إعلامها الفاشلة, ولازالت عائلتى وأقاربى يعيشون فيها ويقاسون فى المجتمع كما يقاسى الجميع.

الحقائق عن مصر وعن إقتصادها وعن حكامها وعن قوانينها التى هى مجرد حبر على ورق وعن إنتاجها وإستهلاكها وعن الوعى المفقود فى الشعب المصرى , وأكرر ان الشعب المصرى فى أغلبيته فاقد الوعى تماما, وليس له إرادة تنبع من داخلة, والثورتين اللذان حدثا فى 2011 و2013, لا يمثلا تغيرا كبيرا فى وعى او إرادة الشعب, فالاولى حدثت نتيجة للضغوط الإقتصادية على الشعب ونتيجة لفشل الحكومة فى حل مشاكله سواء البطالة او الإسكان او الصحة او التعليم …………ألخ, وقد كان هناك تخطيطا خارجيا كما يعترف الجميع الآن بإشعال تلك الثورة, أى أنها لم تكن عفوية دون أى تخطيط, وعندما لم تنجح الحكومة المنتخبة لأسباب كثيرة , منها عدم الخبرة فى إدارة الدولة من أى ناحية خاصة الإقتصادية, ثم التحيز والإصرار على إدخال الدين على الطريقة الإخوانية, وبالطبع لا يمكن أن ننسى ان الجيش لم يكن راضيا عن التخلى عن الحكم بعد اكثر من ستين سنه فى الحكم, ولم يرضى خاصة عند بداية الحديث عن ميزانيته وعن الكشف عنها والمحاسبة التى كان الإخوان يتحدثون عنها بين الحين والأخر , كل ذلك كان سببا فى التخلص من النظام عن طريق الجيش, وتحليل الدكتور سيد فى مقالته عن ان الجيش كان يحمى الشعب خلال الثورتين تحليلا ليس دقيقا, ففى الأولى لم يتدخل لصالح النظام وفى الثانية تدخل بطريقة مباشرة وإستولى على السلطة, وهذه هى الحقيقة التى لا يمكن إنكارها او مناقشتها. الحقيقة الأخرى التى ينبغى الإشارة إليها, هى ان حرية التعبير طوال فترة حكم مرسى كانت خيرا منها الان بمرات عديدة, لم يقبض على أحد بتهمة إثارة او مظاهرة او نقد للحكومة او نقد للرئيس , اين باسم يوسف؟ وغيره من رجال الإعلام.

إلى أين إنتهت ثورة 2011 ضد مبارك, جميع رجاله وأولاده فى بيوتهم أحرار, مبارك نفسه قضت المحاكم ببراءته من جميع التهم الموجهه إليه بإستثناء تهمة واحده وهى قتل الثوار وكان قد حكم عليه بالبراءة فيها وسوف تعاد محاكمته وليس هناك إنسان واحد يعتقد انه سوف يدان فى هذه المحاكمة, اما مرسى وأخوانه المسلمين, وهناك الألاف منهم المتهمين بالإرهاب, والألاف الأخرى الذين تقول الجرائد المصرية انهم تمت تصفيتهم , فهم فى محاكم القضاء المصرى , وما أدراك ما القضاء المصرى!!!!

والأن فى النهاية لننظر إلى مصر نظرة واقعية خالية من الأوهام والاحلام والمبالغات والعواطف, أين تقع مصر بالنسبة للعالم بمقاييس عالمية.

نمو الناتج المحلى ( GDP) ترتيبها 150 بين دول العالم

إدخار الناتج المحلى ( GNS ) 125 بين دول العالم

نمو الإنتاج الإقتصادى (IPGR) 138 بين دول العالم

نسبة البطالة, 131 بين دول العالم , تخيل

نسبة السكان تحت خط الفقر ( إحصائية 2008 ) 22% ما يقرب من ربع السكان تحت خط الفقر والنسبة الأن لابد ان تكون أكبر من ذلك بكثير

الضرائب والدخل القومى الحكومى, 177 بين دول العالم

نسبة العجز بين الدخل القومى والإنفاق الحكومى, 213 بين دول العالم

هناك معلومات أخرى كثيرة جدا ولا داعى لنقلها ولكن يمكن لمن يريد ان يستفيد ان يراها على الرابط التالى http://www.theodora.com/wfbcurrent/egypt/egypt_economy.html

وجميعها لا تسر عدو ولا صديق.

هذه هى مصر, ام الدنيا ومنها خير أجناد الأرض, ومن ينتقدها بصراحة يصبح خائنا ولا يستحق ان يعيش, من ينتقدها إبتغاء مرضاة الله وإبتغاء ان يتنبه من بيده الأمر إلى حقيقة الأوضاع وليس إلى الأوهام والأحلام والتغييب والكذب …………..ألخ حتى يمكن أن تبدأ عمليات الإصلاح فهو………..البقية معروفة.

 

 

Categories
سياسة

هل جنود مصر هم خير اجناد الأرض حقا

هل جنود مصر هم خير اجناد الأرض حقا

 

تكررت فى السنوات الأخيرة عبارات منسوبة إلى الرسول بأنه قال فى حديث له ما يلى:

الحديث جزء من خطبة طويلة لعمرو بن العاص رضي الله عنه ، خطبها في أهل مصر ، فكان مما قال لهم : حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض . فقال له أبو بكر : ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال : لأنهم في رباط إلى يوم القيامة ). وفى قول أخر ( إنهم وازواجهم فى رباط إلى يوم القيامة).

لدى مقالات كثيرة أتعرض فيها إلى الأحديث المنسوبة إلى الرسول, وكتب الصحاح والتراث الإسلامى بصفة عامة, بإختصار , لا أصدق ما جاء فى كتب الصحاح او ما بها من أحاديث منسوبه إلى رسول الله, كذلك كتب التاريخ الإسلامى نفسه مملوءة بالخرافات والكذب, ومن الممكن لمن يريد ان يراجع تلك المقالات على موقع القرآن للجميع أن يراجع سلسلة مقالات ( وقفة أخيرة مع البخارى – أربعة مقالات ) كذلك مقالات ( التاريخ والتأريخ – أربعة أجزاء ) , وفى تلك المقالات توضيحا وتفسيرا عن وجهة نظرى كما قلت فى كتب الصحاح والتراث والتاريخ العربى الإسلامى .

ولكن فى هذه المقالة أتعرض لهذا الحديث بصفة خاصة, وأقول مقدما, من المستحيل ان يكون الرسول قد قال ذلك.

قبل ان أدخل فى تفاصيل تشريح هذا الحديث, اود ان اٌقول اننى أدرك جيدا ان كل إنسان لديه نوع من التعصب لوطنه, نابعا من حبه وتعلقه به وهو شيئ طبيعى جدا وليس قاصرا على مصر فحسب, فكل مواطن ينتمى إلى وطنه يتربى معه بطريقة طبيعية وعفوية وفطرية حبه لبلده وتسمى ( وطنية – patriotism) , كما ان هناك حب أخر على نطاق أوسع يسمى ( قومية – nationalism ), مثل القومية العربية او القومية اللاتينية……….الخ, غير ان الوطنية تسبق القومية وتعد أقوى منها بكثير.

مع ذلك الحب والتعصب والغيرة على الوطن, تغلب المشاعر على الواقعية, مثل مشاعر الأم, التى تحس بأن إبنها او إبنتها أجمل او أذكى ولد او بنت فى العالم, وهذا بالطبع غير حقيقى ولكن مشاعر الأمر تغطى تماما على مقاييسها المنطقية الحقيقية………..ولذلك فإن المصرى يعتبر ان بلاده خير بلاد العالم وأن جيشها أعظم جيوش العالم وأن شعبها خير شعوب العالم, ………..الخ وكل ذلك بدافع من المشاعر الوطنية التى تطغى على بقية أجهزة التحكم العقلية وتدفعه ليس إلى قول ذلك ولكن أيضا إلى تصديق ذلك بكل حواسه. وعندما يقارن شعبه بشعب أخر فى المنطقة فهو دائما وأبدا يسخر من الشعوب الأخرى لصالح شعبه, وليس فى المنطقه فحسب , بل ربما بين شعوب العالم بأكملها. مثال على ذلك, فإنه عندما يسافر إلى بلد أخر, مهما كان ذلك البلد , فهو دائما وأبدا يحن إلى وطنه ويفكر فيه ويعد الأيام الباقية لعودته إلى وطنه.

بالطبع لكل قاعدة شواذ, وما قلته أعلاه لا ينطبق على 100% من الناس, ولكن ينطبق على الأغلبية العظمى منهم, وأيضا من الطبيعى ان يكون الأغلبية العظمى منهم صفات وأسماء على من يشذ عنهم او يختلف معهم, فيطلقون عليه صفات واسماء كثيرة منها خائن ومنها غير وطنى ومنها عميل, ومنها جاحد لفضل الوطن………الخ الخ من الأسماء والصفات المعروفة.

نرجع إلى الحديث المذكور أعلاه.

الرسول لم يسافر إلى مصر, وليس هناك فى التاريخ خبر عن لقائه بأى وفد مصرى , ولم يعرف عن مصر أكثر مما يعرفه اى من صحابته هذا إن كانوا يعرفون شيئا عن مصر سوى ما ذكر عنها فى القرآن, وما ذكر عنها فى القرآن ليس من بينه مطلقا اى وصف لجيش مصر سواء فى قصة يوسف, او فى القصص او الأجزاء المتعلقة بموسى وفرعون, بل إن جيش مصر فى القرآن وهم جنود فرعون او آل فرعون كما وصفهم القرآن لم يكونوا على أى قدر من الشجاعة او المقدرة الحربية بل غرقوا مع فرعونهم. إذا يكون السؤال, ما هى الأسباب التى دفعت الرسول لكى يقول مثل ذلك القول.

الحديث يقول (لأنهم في رباط إلى يوم القيامة ) أو ( لإنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة), كيف عرف الرسول ذلك, هل كان يعلم الغيب, بالطبع لم يكن يعلم الغيب كما ورد فى القرآن فى آيات كثيرة, وحتى لو كان له بعض العلم بالغيب, فهل جنود مصر بمجرد إرتدائهم لزيهم العسكرى تتغير حالاتهم النفسية والشخصية والمستقبلية ………..الخ بمجرد إرتداء الزى العسكرى, فيصبحوا فى رباط مع بعضهم البعض إلى يوم القيامة, اليس ذلك هراء فى حد ذاته, فليس هناك على وجه الأرض او فى تاريخها مجموعة من الناس يمكن أن يوصفوا بمثل ذلك الوصف إطلاقا, بل وأتحدى أن يأتى أحد بمجموعة من الناس فى التاريخ البشرى ليست بعدد الجيش المصرى ولا بنصفة ولا حتى بواحد فى المئة من تعداده, وكانت فى رباط بعضها مع البعض طوال فترة خدمتها وليس إلى يوم القيامة. وكيف يكونوا فى رباط إلى يوم القيامة, هل هناك من يود أن يشرح معنى ذلك, ماذا يعنى أنهم فى رباط إلى يوم القيامة؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ثم لو إعتبرنا القول الأخر( إنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة ) , فما علاقة ازواجهم بأنهم خير أجناد الأرض, وهل من الممكن ان ننظر إلى الحديث من ناحية أزواجهم, حتى لو لم يكن هناك علاقة بين خير أجناد الأرض وبين ازواجهم, ولو نسينا انهم خير أجناد الأرض, وأخذنا الحديث بالقول الأخر انهم وازواجهم فى رباط إلى يوم القيامة , فماذا يعنى تلك الجملة, هل ليس منهم من إنفصل عن زوجته مطلقا, هل ليس منهم من لم يتزوج, هل ليس منهم من كانت زوجته سيئة الطبع او خائنة او غير متمسكة بدينها او او او او ……….اليس ذلك هراء بكل ما تحويه الكلمة من معنى!!!!!

اما الجزء الاول من الحديث الذى يقول انهم خير أجناد الأرض. كلمة الأرض ليس لها سوى معنى واحد نعرفه جميعا, وكلمة أجناد هى جمع جند والتى هى جمع جندى, وليس هناك إختلاف فى ذلك, اما كلمة خير, فماذا تعنى, خير أجناد الأرض, ما هو المعنى المقصود او المتفق عليه؟ المعنى أنهم أحسن او أنجح, او أشجع او أذكى ……….الخ الخ الخ, وماذا تعنى كل تلك الأوصاف, تعنى بالطبع فى القيام بدورهم كجنود او كجند, وما هو دور الجنود او الجند , هو الدفاع عن الوطن والأهل, هو التصدى للعدو وهزيمته, وكلمة هزيمته مهمة جدا لأنهم لا يمكن أن يكونوا خير من جنود اخرون لا يستطيعون هزيمتهم فى حرب او معركه. يعنى من المستحيل ان نصف المهزوم بأنه خير من المنتصر, ليس ذلك واقعيا او منطقيا او حقا.

والأن نتطرق إلى مصر, ليس هناك أى شك فى ذهن أى بنى أدم على سطح الأرض ان مصر كانت من اقدم الحضارات على وجه الأرض, بل إن هناك ما يشير إلى ان بداية عملية المعيشة على أرضها قد يعود إلى حوالى 44 الف سنه قبل الميلاد, وهذا فى حد ذاته يدل على قدم الحضارة المصرية. ولكن الحضارة المصرية والتى تركت أثارا عليها يمكن الرجوع إليها فهى حوالى خمسة الاف سنة قبل الميلاد اى حوالى سبعة ألأف سنه من زمننا هذا, وقد مر عليها خلال تلك الرحلة الزمنية تغيرات من الصعب حصرها جميعا حتى مع وجود الأثار القديمة, بل إن الأثار القديمة التى علمنا من ما هو محفور عليها من كتابات, لم نعلمها بطريقة مؤكده سوى بعد إكتشاف حجر رشيد والذى اكتشف فى مدينة رشيد بواسطة الحملة الفرنسية او الإحتلال الفرنسى بمعنى أصح, وكما يعلم الجميع او الأغلبية ان حجر رشيد كان هو المفتاح الذى فتح امام العالم التاريخ المصرى القديم, فقد كان به وثيقة كتبت عام 196 قبل الميلاد بواسطة الكهنة المصريين بمنشور يخص الحاكم الجديد بطليموس الخامس, وكتبت بثلاث لغات, الهيروغريفية والقبطية المصرية واليونانية, وهم اللغات التى كانت سائدة فى هذا العصر, وقد إستطاع شامبليون الفرنسى فك شفرته ذلك الحجر, وفتح نافذة للعالم على التاريخ والحضارة المصرية القديمة.

التاريخ المصرى يوضح التغيرات الكثيرة التى حدثت فى مصر ولمصر, وحكامها سواء من أبنائها او من المحتلين الأجانب, ويمكن القول بإختصار, بأن مصر وقعت تحت الإحتلال الأجنبى منذ أكثر من الفين وثلاثمئة عام, حتى قيام الثورة فى عام 1952 , وطوال تلك القرون , ثلاثة وعشرون قرنا, لم يذكر التاريخ حروبا مصرية تحت حكام مصريين إنتصر فيها الجيش المصرى إنتصارا حاسما لا خلاف فيه.

لو بحثنا عن اعظم القادة العسكريين فى تاريخ العالم, لوجدنا إختلافا كبيرا بين القوائم التى وضعت, وبين الترتيب لهؤلاء القادة, فأحمس طارد الهكسوس, جاء إسمه بين تلك الأسماء, ورمسيس الثالث جاء إسمه بين تلك الأسماء , ولكن غير ذلك , لم يأتى إسم قائد مصرى تم إختياره ليكون بين عباقرة القيادات العسكرية , ولم كما لم يأتى ذكر معركة عسكرية فى هذا القرن إنتصرفيها الجيش المصرى إنتصارا محققا بإعتراف الجميع. إذا, مرة أخرى, كيف يمكن أن يقول الرسول ان بمصر خير أجناد الأرض!!!

بوضع الحديث نفسه تحت المجهر, وبمقاييس أرباب الحديث وخبراء الحديث, نجد ان ليس هناك واحدا ممن قال أنه حديث صحيح او جيد او متفق عليه, ولكن هناك الكثير من النقد عن سند الحديث وعن الأسماء المذكورة فى ذلك السند من ضعف او شبهه أو ما إلى ذلك.

الرسول الكريم, من المستحيل ان يقول ذلك الحديث, فالقرآن لم يدعو إلى فتح او عزو اى بلد أخر, ولم يعرف طوال حياة الرسول ان المسلمين قاموا بفتح او غزو اى بلد, ومن ثم فكيف يمكن له أن يقول ما معناه فتح مصر بإسم نشر الإسلام, والقرآن يقول, إدع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وجادلهم بالتى هى أحسن. اى ان الدعوة إلى الإسلام لم تكن ولم يأمر الله بها المسلمون ان تكون بالسيف او القوة, هكذا ما قاله القرآن, بعكس ما قالته كتب الصحاح, من مثل, أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى رواه البخاري ومسلم . فإن كان ذلك ما جاء به البخارى ومسلم, فلا عجب ان يأتوا يمثل هذا الحديث.

بإختصار, كل الادلة تفيد ان هذا الحديث كما شرحنا أعلاه لا أساس له من الصحة ومن المستحيل ان يكون الرسول قد قاله, بل إن الشواهد التاريخية لا تثبت او تؤيد حقيقة ان الجيش المصرى هو خير أجناد الأرض على الإطلاق.

 

Categories
سياسة

الإقتصاد المصرى بكل وضوح

الإقتصاد المصرى بكل وضوح

 

الإقتصاد علم من العلوم التطبيقية , له جذورة وله أسسه وله ثوابتة التى لا تختلف بإختلاف المكان او اللغة او الزمن, فما يدرس فى علم الإقتصاد فى الولايات المتحدة , يدرس بنفس المفهوم فى الصين او روسيا او اليابان, قد تكون هناك إختلافات بسيطة فى المنهج او طريقة الدراسة او بعض التعبيرات والإصطلاحات, ولكن فى النهاية , عندما يجتمع هؤلاء الذين يطلق عليهم علماء الإقتصاد, فهم يتحدثون بلغة واحدة يفهمها الجميع بإختلاف خلفياتهم وفلسفاتهم ومراجعهم.

فى القرآن جاءت كلمة مقتصد, بمعنى المتوسط (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير) فاطر-32. وفى مصر يطلق إسم مقتصد على الشخص الغير مبذر ولكنه ليس بالبخيل, يعنى متوسط فى إنفاقه لنقوده.

فى حالة الدول, يطلق معنى او إسم الإقتصاد على أشياء كثيرة ما يؤثر على الحالة المالية للدولة, فالصناعة جزء من الإقتصاد, والإنتاج والإستهلاك أيضا هما جزء من المؤشرات الإقتصادية, البطالة والأسعار, تقع تحت غطاء الإقتصاد, تكاليف المعيشة والمقدرة على الإنفاق, جزء من أجزاء الإقتصاد, متوسط الدخل فى الدولة والمقدرة الشرائية تخضع جميعها لبند الإقتصاد, الإستيراد والتصدير والمقارنة بينها سواء من زيادة او عجز, هى من مؤشرات الإقتصاد القومى, الميزانية والضرائب والموازنه العامة بينهما أيضا من أسس الإقتصاد…..الخ

ليس من الضرورى ان تكون تلك المؤشرات إيجابية لكى يكون الإقتصاد فى دولة ما قويا ولكن إن كانت معظم تلك المؤشرات سلبية , فالإقتصاد فى تلك الدولة يعانى من مشاكل تتراوح بين مشكلة ومأساة.

عندما تكون هناك مشكلة من مشاكل الإقتصاد فى دولة ما, اى دولة, وعندما يجتمع خبراء او علماء الإقتصاد باحثين عن حل لها, فمن النادر أن يتفق الجميع على حل او على إتجاه ينبغى على الحكومة ان تتخذه, بل دائما يختلفون , وكل يقدم ما يعتقد انه الحل الأمثل لتلك المشكلة, والإختلاف بينهم ليس من الضرورى ان يكون إختلافا عكسيا بمعنى ان يقول أحدهم كحل ينبغى على الدولة ان تتجه يمينا, ويقول الأخر لا, بل ينبغى ان تتجه يسارا, فهذا ما لا يحدث, ولكن ما يحدث دائما, ان يختلف الخبراء على ما هى الطريقة المضمونه والسهلة لحل المشكلة, فمنهم مثلا من يركز على ما تجمعه الحكومة من الضرائب, ويطالب بزيادتها لحل المشكلة, ومنهم بالطبع من يركز على كمية الإنفاق ويطالب بتخفيضها لحل المشكلة والتى هى دائما او فى معظم الأحيان , عجز فى الميزانية او مطالب وإستحقاقات للشعب لا تستطيع الحكومة ان تستمر فى تنفيذها ………الخ.

وبالطبع هناك من هؤلاء الخبراء من يقترح ان يوفق بين الإنثين, بمعنى زيادة الضرائب وخفص فى الإنفاق فى نفس الوقت ولكن كلاهما بنسب تقل عن أى من الإقتراحين السابقين. وفى النهاية , تختار الحكومة طبقا لفلسفتها فى إدارة الدولة ايا من تلك الحلول. اما النتائج فليست دائما كما يخطط لها صاحب الإقتراح , إما لأن عملية تشخيص المشكلة لم تكن دقيقة او عملية تطبيق الحل لم تسير وفقا للخطة وبالطبع هناك دائما عواملا خارجية لم تؤخذ فى الإعتبار, ومنها على سبيل المثال, حدوث حرب غير متوقعة او غير مخطط لها, او تغير كبير فى السوق العالمية سواء لمواد التصدير او الإستيراد وأثمانها, او كوارث طبيعية ………..الخ الخ الخ.

أردت بهذه المقدمة أن أوضح مفهومى الخاص بمعنى الإقتصاد, وبمفهومة العام والخاص, وضربت أيضا أمثلة على ان إقتصاد اى دولة مرتبطا ليس بالدولة فقط ولكن بالعالم , وبالإقتصاد العالمى ككل. فما يحدث فى دولة ما , له تأثير على بقية دول العالم, أحيانا يكون تأثيرة بسيط, وأحيانا يكون كارثة للعالم بأكملة, والتكنولوجيا الحديثة قربت بين الدول وإختصرت المسافات والزمن فما يحدث فى اليابان الأن, يصل إلى أنحاء العالم فى الدقائق التالية بالتفصيل وبالصوت الصورة. فلم يعد العالم يحتاج إلى قراءة الخبر فى صباح اليوم التالى فى الجرائد او حتى مشاهدة الخبر على التليفزيون بعد ساعات من حدوثه, فكما قلت , لقد قضت التكنولوجيا الحديثة على المسافات وعلى عامل الزمن.

نعود إلى الإقتصاد موضوع المقالة, قد يختلف العلماء فى تشخيص المشاكل الإقتصادية وفى تقديم الحلول لتلك المشاكل……………الخ, ولكن هناك إتفاق عام لا إختلاف عليه, يقاس الإقتصاد لأى دولة بقوة عملتها بالمقارنة بالعملات الأخرى للدول الأخرى. قوة الدولة تتناسب تناسبا طرديا مع قوة عملتها. لاحظ هنا ان قوة العملة ليس لها علاقة بقيمتها بالمقارنة بالعملات الأخرى, قوة العملة تعتمد على قبولها من الدول الأخرى, وتعتمد على ما يساندها من إنتاج الدولة خاصة فى مجال التصدير ثم على قوتها الشرائية, لنأخذ الدولار كمثال, الدولار يقبل التعامل به فى كافة دول العالم, بل هو العملة المتداولة بين معظم دول العالم حتى ولو لم يكن هو العملة المحلية لأى من الدول المتعاملة فى عملية الشراء والبيع, قيمة الدولار ليست ثابتة وبسعر ثابت يوميا, ولكنها تتغير إلى أعلى وإلى أسفل تغيرات طفيفة.

بالطبع كانت هناك مناقسة قوية بين الدولار والعملات الأوربية المختلفة, وحاولت أوروبا ان توحد عملتها إلى عملة جديدة , اليورو, وأنضمت معظم دول اوروبا إلى تلك العملة الموحدة, وكان ذلك لمنافسة الدولار من ناحية ومن ناحية أخرى لدعم الإقتصاد الأوروبى والنهوض بمستوى المعيشة والدخل وتخفيض البطالة ……….ألخ من المعدلات التى يقاس بها الإقتصاد, وحتى الأن فإن التجربة لم يقدر لها النجاح التام او الفشل التام, وهى لازالت تحت أنظار العالم, والمشكلة فى أوروبا ان الدول الأوربية ليست متساوية فى قواتها الإقتصادية , فبينما ألمانيا تعد من أقوى الدول إقتصاديا, اليونان تعد من أقلها قوة إقتصاديا, وقد أُثر ذلك على اليونان من حيث ان الشعب اليونانى أقل الشعوب الأوربية إنتاجا, وربما أكثرا تمتعا بمميزات تمنحها الدولة له, والنتيجة كما ترى هى عجز هذا الشعب عن القيام بتسديد ديونه, بل إن الإستفتاء الأخير لربط الحزام والتقشف, رفضه الشعب بأكثرية ساحقة, والنتائج على ذلك سوف يكون لها صدى عالميا وليس فى اليونان فقط او فى أوروبا, وسوف تتضح النتائج خلال الأيام القادمة, فإما ان تعيد الدول صاحبة الدين جدولة زمن الدفع او التقليل من قيمة الدين او القسط او حتى ضخ بعض الأموال لكى تستطيع اليونان النهوض بإعباء ومسؤولية الدين, او قد تخرج اليونان من دائرة العملة الموحدة , اليورو, وتعود إلى عملتها الأصلية الدراخمة, مع إشهار الإفلاس او ربما يكون هناك حلول أخرى فعملية التفاوض مع اليونان لازالت قائمة.

هناك دول فى الماضى كانت لا تسمح بتداول عملتها على المستوى العالمى, وتتعامل مع البنوك العالمية بسعر محدد للعملة المحلية, وبطبيعة الحال, رغم ذلك فإن الأسواق العالمية كانت تجبر البنك المركزى لتلك الدولة من تعديل السعر , وبعد ان يخسر البنك ما لا يستطيع ان يتحمله, فإنه يقوم بتعديل السعر, اما معظم دول العالم فالعملة فيها عائمة اى تتغير يوميا طبقا للأسواق العالمية والعرض والطلب, وهما من العوامل التى تتحكم تحكما تاما فى سعر او قيمة العملة, فالدول التى تصدر اكثر مما تستورد تكون عملتها أقوى من الأخرى التى تستورد اكثر مما تصدر, بالطبع هناك عوامل أخرى مثل مديونات الدولة للدول الأخرى وحجم تلك الديون وشروطها …الخ , وكما ذكرنا أعلاه مثالا على ذلك ما يحدث فى اليونان, فإن اليونان مديونه لدول أخرى بدين كبير جدا, وقد حان ميعاد تسديد القسط وليس فى بنكها المركزى المبلغ المطلوب, وهى تتحاور مع الدول المدينة وأكبرها ألمانيا, وتحاول أن تغير من شروط الدين وقيمة القسط, وهذا فى حد ذاته ما أدى إلى هبوط الأسواق العالمية وليس سوق العملات فقط ولكن بقية الأسواق الأخرى حول العالم.

نعود مرة أخرى إلى موضوع المقالة, الإقتصاد, الإقتصاد المصرى بكل وضوح, وكما ذكرنا اعلاه أن إقتصاد الدولة يتناسب طرديا مع قوةعملتها وهذا ما يتفق عليه جميع خبراء الإقتصاد فى العالم, فما هى قوة العملة المصرية , الجنية المصرى؟

 

قبل ان نتحدث عن ذلك ينبغى ان نذكر عملية الغلاء, وهى عملية تحدث فى جميع أنحاء العالم, ومن النادر ان تحدث العملية العكسية وهى إنخفاض الأسعار, وإن حدثت فهو حدث مؤقت , يتغير سريعا مع مرور الوقت. نسبة الغلاء فى اى دولة تعتمد أساسا على قوة الإقتصاد وعلى قوة العملة وعلى نسبة ما تستورده إلى ما تصدره. فعندما تستورد الدولة أكثر مما تصدر, أى ان هناك عجز فى تلك النسبة, وفى نفس الوقت لا يقبل التعامل معها بعملتها المحلية وتصبح مجبرة على دفع قيمة المستورد بالعملة ( الصعبة ) اى الدولار او الجنية الإسترلينى او اليورو……تزداد الأسعار اتوماتيكيا, لأن تكلفة المستورد تصبح أغلى مما كانت عليه من قبل, والغلاء فى أى دولة يؤثر على التعامل البنكى مع المواطنين, فيصعب الإقتراض لإرتفاع نسبة الأرباح التى يفرضها البنك على العملاء, ومن ذلك تقل نسبة إنشاء شركات جديدة فتنقص عدد الوظائف المتاحة للمواطن وتزيد نسبة البطاله, وتقل كمية الضرائب التى تجمعها الدولة لكى تنفق على المشروعات الوطنية ………….الخ الخ.

أعتقد ان الصورة قد وضحت إلى حد ما للقارئ عن العوامل التى تؤثر على إقتصاد الدولة.

العملة الصعبة هى العملات التى تكدسها وتجمعها الدول من غير عملتها, وتستخدمها فى شراء ما تحتاجة وما تستورده, والجنية المصرى ليس من العملات الصعبة, وليس هناك اى دولة فى العالم تقوم بجمعه او تكديسة, فمصر لا تبيع صادراتها بالجنية المصرى ولكن بالدولار بصفة أولية, او باليورو او الجنية الإسترلينى, وهى تكدس تلك العملات الصعبة لما تحتاجة, فتستورد القمح مثلا بالعملة الصعبة , وتستورد السلاح بالعملة الصعبة وتستورد اللحوم والمواد الغذائية من حيث انها لا تنتج ما يكفى الشعب المصرى من الطعام او حتى الأسماك بينما هى محاطة بالمياة فى ثلاثة من حدودها. كانت مصر تصدر الغاز وفضيحة تصدير الغاز لإسرائيل ليست بعيده, والأن تسعى لإستيراد الغاز من إسرائيل او غيرها, حتى الفول المدمس والذى كانت تنتجه ويكفى الشعب المصرى, لم يعد كافيا وتستورده أيضا بالعملة الصعبة. فماذا حدث خلال الأعوام القليلة الماضية بحيث أصبح العجز ما بين الإستيراد والتصدير اكبر مما كان عليه فى اى عام من الأعوام السابقة, وأصبحت البطاله فى مصر على أعلى نسبة من أى عام مضى, وتضاعفت أثمان السلع أضعافا ولم تتضاعف معها الأجور او الدخول فى مصر خاصة فى الطبقة الفقيرة وهى الأغلبية العظمى من الشعب, وتسمى الطبقة المتوسطة تضليلا للشعب, فليس هناك طبقة متوسطة فى مصر, سوى نسبة محدودة جدا ينطبق عليها ذلك الإسم بالقياس بالمجتعات المتقدمة او حتى الغير متقدمة.

فى عام 1971 عندما تركت مصر فى طريقى لأمريكا, قمت بإستبدال الدولار من البنك بالسعر الرسمى, وكان فى ذلك الوقت, حوالى 31 قرشا, اى ان الجنيه المصرى كان يعادل حوالى 3.2 دولار, اليوم وبعد أقل من نصف قرن, 44 سنة تحديدا, أصبح السعر الرسمى للدولار يقترب من ثمانية جنيهات, وأعتقد ان ذلك المثال يظهر حقيقة تطور الإقتصاد المصرى خلال النصف قرن الماضى. بالطبع خلال تلك الفترة كان عدد سكان مصر عام 1971 حوالى 32 مليون, وخلال 44 سنه إزداد العدد إلى ما يقرب من 90 مليون, زيادة تقرب من ثلاثة أضعاف, اى ان العدد فى مصر يتضاعف كل 25 سنه تقريبا, وبهذه النسبة فإن عدد السكان فى مصر فى عام 2040 سوف يصل إلى 180 مليون !!!!!

خلال أٌقل من نصف قرن تضاعف العدد ثلاثة أضعاف, بينما لم تتضاعف المساحة السكانية ولا حتى ضعفا واحد, ولم تتضاعف المساكن او الأرض الزراعية او المصانع او الطرقات او المستشفيات او الجامعات او المدارس او أى من الخدمات الإجتماعية, لماذا, لأن مصر لا تعرف شيئا إسمه التخطيط, او التخطيط للمستقبل, وأظن أن هذه الآفة ليست فى مصر فقط بل ربما فى جميع البلاد العربية.

ما الذى يمكن أن نستنتجه من ما قيل أعلاه , هل من الممكن أن نستنتج ان الإقتصاد المصرى فى حالة رائعة, فى حالة جيدة, فى حالة مقبوله, فى حالة غير مقبوله ام فى حالة يرثى لها؟

أترك الإجابة على هذا السؤال لذكاء القارئ ومقدرته على الإستنتاج والتحليل.

بالمناسبة, لقد قام البنك المركزى المصرى برفع قيمة الدولار خلال الأسابيع القليلة الماضية بعشرين قرشا, والسؤال هو , لماذا ؟ هل كان ذلك لتخفيض سعر وقيمة الصادرات المصرية بحيث يمكن الدول الأخرى من شراء المنتجات المصرية بسعر أرخص؟, وبالتالى يرفع سعر المنتجات المستوردة لمصر وهو شيئ لا يهم مطلقا لأن مصر لا تستورد الكثير من الخارج, ولأن لدى مصر من الإحنياطى النقدى من الدولارات والعملة الصعبة اكثر مما يجب, أم ان ذلك قرارا غريبا يدل على إمتداد وإستمرار التخبط فى السياسة النقدية بصفة خاصة والإقتصادية بصفة عامة , او أن اليمين لا تدرى ما تصنع الشمال فى ام الدنيا.