Categories
سياسة

ما معنى تجديد الخطاب الدينى

ما معنى تجديد الخطاب الدينى

 

منذ ان دعا السيسى الأزهر إلى – تجديد الخطاب الدينى – فى مصر, وقد ترددت تلك العبارة فى أفواه عدد هائل من الناس والكتاب والمعلقون ومقدمى البرامج التليفزيونية, وتكرر ترديدها حتى تكاد تسمعها فى معظم المناقشات والحوارات الدائرة فى المجتمع المصرى, بل وفى بعض المجتمعات الأخرى من الدول العربية. لكن الحقيقة المجردة ان السيسى لم يوضح ما يقصده بتلك العبارة, وكان من المفروض عليه لأنه صاحب الدعوة إلى ذلك العمل او تلك المهمة ان يوضح بطريقة بسيطة سهلة لكى يفهمها الجميع من الناس الذى إستمعوا إلى خطابة, ما هو المقصود على وجه التحديد بتجديد الخطاب الدينى, ولو فعل ذلك , لربما كانت مهمة هؤلاء الذين كلفهم بتلك المهمة, سهلة ومحددة , ولكان الشعب الذى إستمع إلى الخطاب أيضا قد فهم ما هو المتوقع بتجديد الخطاب الدينى.

تجديد الخطاب الدينى, ثلاثة كلمات تكون جملة مفيدة, فهل هى مفيدة حقا؟. كلمة تجديد تعنى فى معناها المباشر تغيير حالة قديمة إلى حالة جديدة, فمثلا, عملية تجديد المنزل, تعنى تحويل كل ما هو قديم به إلى جديد, ولكن هل المنزل نفسه , اى البناء يتغير؟, ليست هناك إجابة محددة على هذا السؤال, لأنه يعتمد على حالة المنزل قبل التجديد والغرض من تجديده, فإن كانت المساحة مقبوله, والتصميم من حيث عدد الغرف ومساحة الغرف ومكان الغرف مقبول, فلا يحدث تغيير فى هيكل المنزل نفسه, ولكن يتم طلاؤه بلون جديد ويتم تأثيثة بأثاث جديد, وربما يتم تغيير الإضاءة وتغيير ادوات المطبخ ……….الخ. ولكن فى حالات أخرى, ربما يتم تغيير اماكن الغرف وحجمها ربما بدمج غرفتين فى غرفة واحدة او تقسيم غرفة كبيرة إلى اكثر من غرفة…………الخ, كل ذلك يقع تحت مسمى التجديد. إذن مسمى التجديد فى حد ذاته يحتاج إلى توضيح كامل, ما هو الغرض من ذلك التجديد, وعندما يعرف الغرض , تصبح عملية التجديد سهلة او ربما ليست بالغموض الذى تكون عليه إذا لم يعرف الغرض من عملية التجديد.

الكلمة الثانية هى الخطاب, وهى تعنى الحديث , او المعلومات المتبادلة حتى وإن كانت من طرف واحد, وتلك المعلومات او الحديث ليس فى شؤون سياسية او علمية …….الخ ولكن تحديدا فى امور دينية, وبالتحديد فى امور الدين الإسلامى إذ ليس من المعتقد ان السيسى كان يقصد بكلمة الدينى شيئا اخر سوى الدين الإسلامى.

من هذا التحليل البسيط والمبسط جدا, نفهم ان جملة تجديد الخطاب الدينى , تحتاج إلى تفسير وتحديد للغرض الذى من أجله قيلت وطلبت. ولكن الطالب لهذا اى السيسى لم يحدد بأى شكل من الأشكال الغرض الأساسى لمطلبه.

ربما يقول البعض انه قد حدد ذلك, عندما ضرب بعض الأمثله عن العلاقة بين الأرهاب والدين, او عن العمليات التى تقوم بها بعض المنظمات التى تتخفى خلف الدين وترتكب بإسمه مجازرا وسفكا لدماء الإبرياء…………..الخ. ومن ثم يكون الطلب بتجديد الخطاب الدينى محددا لمواجهة هؤلاء الذين يرتكبون تلك الجرائم ويقومون بتلك العمليات الإرهابية. فإن كان ذلك هو الغرض فقط ولاشيئ غير ذلك, فحسنا, وكما ضربنا أعلاه مثالا فى عملية تجديد المنزل وتحديد الغرض من ذلك التجديد, يصبح من السهل معرفة هؤلاء الذين نحتاج إليهم فى تلك العملية, سواء من نجارين او كهربائيين او سباكين………الخ, وبالتالى بصبح من المنطقى ان بتحديد الغرض من طلب تجديد الخطاب الدينى, من الممكن معرفة هؤلاء الذين ينبغى أن نسند لهم تلك المهمة. ولكنه أسند ذلك للأزهر.

وخلال ما يقرب من عشرة أشهر أو أقل قليلا منذ ان طلب من الأزهر ان يقوم بهذا العمل, لم يحدث شيئا على الإطلاق ولم يقدم الأزهر مفهومة لتنفيذ ذلك المطلب, ولم يقم بأى خطوة على الإطلاق تفيد انه أى الأزهر جاد فى تنفيذ ذلك المطلب, او حتى غير جاد ويتظاهر بأنه هو الجهة المؤهلة للقيام بذلك.

ونتساءل بكل جدية, هل الأزهر هو الجهة التى يمكن لها ان تقوم بتلك المهمة؟ مهمة مواجهة الإرهابيين الذين يتخفون خلف الدين الإسلامى فى عملياتهم الإرهابية. الإجابة على هذا السؤال هى بالنفى القطعى, ليس فقط لأنه لم يقدم حتى الآن ومنذ توجيه الدعوة له أى شيئ على الإطلاق ولو حتى بالتظاهر بأنه جاد ولديه خطة لتحقيق ذلك المطلب, ولكن لأن جميع الدراسات والتعليقات أفادت بأن مواد الدراسة فى الأزهر تحمل بذور الإرهاب الذى نطالبه بالتصدى له, وأن القائمين على ذلك الكيان المسمى بالأزهر, بأكملهم وحتى اليوم, لم يصدر عن اى منهم أى تصريح او خطاب او تعليق يفيد بإقتناعه بذلك المطلب, ويصبح الطلب من الأزهر بالقيام بهذه المهمة كمن يطلب من الثعلب حراسة بيت الدجاج.

هل كان السيسى جادا فى هذا الطلب, هل يعتقد حقا انه من الممكن أن يتم تجديد الخطاب الدينى, هل يؤمن حقا بأن هناك فرصة لتحقيق هذا المطلب ام أنه فعل ذلك لكى يشغل الشعب بهذا الموضوع ويوهم الشعب بأنه له رؤية مستقبلية فى تحسين الممارسة الدينية والتصدى للإرهاب الذى يعلم الجميع أنه قد إختطف الدين الإسلامى ليرتكب كل تلك الجرائم والمذابح والإرهاب متعللا بأن ذلك هو الإسلام الصحيح والإسلام الحق.

هناك من المسلمين عددا وإن لم يكن كبيرا جدا, ونسبة منهم ربما لا تتعدى 1% ممن يؤمنون تماما بأن الممارسات الدينية والمعتقدات الدينية الإسلامية بين الأغلبية العظمى من المسلمين فى العالم على إختلاف خلفياتهم ومذاهبهم, تختلف بل وتعارض الإٍسلام كما يفهمونه حقا ومن مصدرة الأوحد ألأ وهو القرآن, ولقد أطلق عليهم إسم القرآنيون, ورغم ان الإسم الذى يطلق عليهم إسم واحد, ولكنهم للأسف مختلفون فى ما بينهم فى امور كثيرة, رغم أنهم يدعون ان مصدرهم الأوحد هو القرآن. لماذا الإختلاف إذا, الإختلاف بينهم يأتى من إختلاف مفهوم او تفسير بعض الآيات القرآنية, وبعض الإختلافات بينهم بسيطة جدا, بل ليس لها تأثيرا على مفاهيمهم العامة بشأن الإسلام, ولكن هناك أيضا بعض الإختلافات لا يمكن تجاهلها, كما أنه أيضا للأسف , فقد إنضم عدد كبير ممن إدعوا أنهم لا يعتمدون فى ممارستهم للإسلام سوى على القرآن, وهم فى الحقيقة قد جاءوا بتفاسير لبعض آيات القرآن وكلماته وحتى حروفه بما لا يمكن لإنسان عاقل او سوى ان يقتنع بها او يؤمن بها. ولست بصدد ان اعرض ما بينهم من إختلافات هنا فقد تصديت لذلك فى مقالات أخرى من قبل.

بعد كل تلك المقدمة, كيف إذا يمكن أن نتوقع ان يتم تجديد الخطاب الدينى؟ جملة من ثلاثة كلمات ذات معنى, ولكنها قد لا تختلف مطلقا عن إحلال السلام فى العالم, او القضاء على الجهل, او القضاء على الفقر, إنهاء الحروب قاطبة…………..الخ

هل تجديد الخطاب الدينى مطلوب فقط فى مصر, ام فى دول الشرق الأوسط او فى جميع الدول الإسلامية, لم يحدد السيسى بوضوح كما حدد مثلا ان مصر حتبقى أد الدينا………وربما فى كلا الحالتين كان يمارس حلما من احلام اليقظة.

الأزهر كما قلنا من قبل هو السبب فى تفريخ وزرع تلك الخزعبلات فى رؤوس كل من ينتمى إلى جماعة إرهابية, ورغم نفى القائمين عليه والإدعاء بأن الأزهر هو رمز الإسلام الوسطى, ولا أعرف ماذا يعنى هؤلاء بكلمة الإسلام الوسطى, ولكن مواد الدراسة لديهم مملوءة بجميع ما يقولونه فى دعاياتهم, من اعمال القتل والذبح والحرق والتدمير والإرهاب……….الخ, وليس هناك قولا من أقوالهم لن تجده فى مواد التدريس فى الأزهر, وليس ذلك فقط, فالأسوأ من ذلك أن القائمين على تلك المؤسسة يؤمنون تماما بتلك المواد التى يدرسونها فى جامعاتهم ومدارسهم فى مراحلها المختلفة. ليس من المعقول او من المنطقى ان يعتقد اى بنى أدم لديه ذرة واحدة من الذكاء او المنطق بأن الأزهر والقائمون عليه , هم من سوف يجددون الخطاب الدينى كما يتصوراو يفهم أى إنسان قرأ او سمع تلك الجملة.

بعد أن نستثنى الأزهر من تلك المهمة, وبالطبع قبل ذلك لابد من ان يقتنع السيسى بذلك وأن يعلن ذلك على الملأ , ونفترض انه سوف يفعل ذلك رغم انه ذلك قد يكون أقرب إلى المستحيل, ولكن لنفترض جدلا, انه أعلن ان المهمة التى كلف بها الأزهر, لم تنجح أو لم تتم بالطريقة التى أعلنها او طلبها منهم, ماذا تكون خطوته التالية, من الذى سوف يقوم بتكليفة بتلك المهمة. هل سوف يعلن عن تكوين مؤسسة أخرى يكون لها المقدرة والكفاءة على القيام بمثل ذلك العمل ؟, هل هناك من يتصور ان تكون هناك مؤسسة أخرى تنافس الأزهر وفى وجود الأزهر لتقوم بتلك المهمة؟. أعتقد ان الإجابة هى مستحيل, أولا لأن الأزهر لن يسمح بذلك وحتى إن لم يعلن ذلك على الملأ, ثانيا, لأننى لا أتخيل أن هناك من يمكن لهم أن يؤدوا ذلك الدور ويقبلهم الشعب او المجتمع. ربما هناك بعض الإصلاحيون, فى مصر او خارج مصر, وربما لديهم الأفكار والطرق لإصلاح او تجديد الخطاب الدينى, من المنظور المحدود الذى طلبه السيسى وهو مواجهة الإرهاب كما فهمنا من مطلبه, ولكن هل سوف يكون فيما يقترحونه تقبلا من الأزهر خاصة ومن الشعب بصفة عامة, أشك فى ذلك كثيرا.

طالما ان الأزهر موجودا بشكله الحالى, وتركيبته الحالية وأفكاره ومواده وكتبه وأولها الصحاح وبنفوذه القائم , فإنه من المستحيل ان يتحرك ما يسمى بتجديد الخطاب الدينى قيد أنمله. إذا, هل يمكن أن يحل الأزهر؟, هذا هو سؤال المليار دولار, هل هناك فى مصر من لدية السلطة والقوة والنفوذ والسيطرة على الرأى العام بحيث يمكن له أن يغلق الأزهر بالضبة والمفتاح وان يسرح مشايخه ؟؟ الإجابة وبكل ثقة هى لا يوجد ذلك الإنسان.

الخلاصة, عملية إصلاح أو تجديد الخطاب الدينى هى مجرد حلم من الأحلام او وهم من الأوهام ولن تحدث لا بالطريقة التى يتخيلها الجميع ولا بأى طريقة اخرى ينتج عنها تجديد الخطاب الدينى, وكما يقول العامة فى مصر, إبقى قابلنى.

 

 

 

 

Categories
دين

ما هو الإختلاف الذى حذرنا الله منه؟

ما هو الإختلاف الذى حذرنا الله منه؟

فى حوارى الأخير مع الأستاذ أحمد شعبان, ورغم طول الحوار سألنى فى النهاية , ما هو الإختلاف الذى حذرنا الله منه, وقد وعدته أن أكتب مقالة كاملة عن ذلك. الحوار على الرابط التالى

https://www.facebook.com/ahmed.s.mohamed.31508/posts/10152938863558865?comment_id=10152942485428865&notif_t=feed_comment_reply

تحاورت عشرات المرات وربما أكثر من ذلك , مع الأستاذ شعبان خلال الأعوام التسعة او العشرة الأخيرة فى هذا الموضوع وعددا أخر من المواضيع الأخرى, ولم أستطيع أن أقنعه كما لم أقتنع بالطبع بما يريد ان يقدمه, هناك أيتين فى القرآن الكريم يذكرهما فى كل مناسبة لكى يدعم وجهة نظره , وهى بإختصار شديد, ان الإختلاف بين المسلمين اليوم , وليس اليوم فقط ولكن منذ بداية الإسلام, هو السبب فى كل ما يعانية العالم الإسلامى اليوم من تخلف ومن إنهزام ومن هبوط فى أحواله الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ………..الخ الخ.

والأيتين هما الآية رقم 64   من سورة النحل, والآية رقم 105 من آل عمران. ونصهما كما يلى:

وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون , النحل 64

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم . آل عمران 105.

الأستاذ شعبان يقول مستندا إلى الآية الأولى, ان السبب الوحيد والأوحد الذى نزل القرآن من أجله هو لكى يبين لهم الذى إختلفوا فيه, ويتغاضى عن بقية الآية بأن السبب أيضا هو هدى ورحمة لقوم يؤمنون. لا أعرف لماذا يتغاضى عن ذلك الجزء من الآية رغم أنه واضح تماما, كجزء أساسى من اسباب التنزيل.

أما فى الآية الثانية, فهى أيضا ما يقدمه كدليل على أن الإختلاف سوف يؤدى إلى عذاب عظيم. لقد تبنى الأستاذ شعبان تلك القضية طوال أعوام طويلة, أعتقد أنه يقول انها حوالى 35 عاما او شيئا من هذا القبيل, ودعوته لعلاج تلك القضية هى ان يكون هناك منهاجا واحدا لتفسير القرآن , كما أعتقد إن لم تخنى الذاكرة ان برنامجه يعتمد على ان الكلمة الواحدة فى القرآن لا يختلف معناها بصرف النظر عن موقعها من الآية, ويقول أنه بحث فى ذلك وله أبحاث كثيرة فى معانى بعض الكلمات القرآنية والتى توصل فى النهاية إلى ان المعنى كما ذكرت واحد مهما كان موقعها من الآية…………….الخ من ذلك.

الأستاذ شعبان يدعى اننا لو إستطعنا ان نضع منهاجا موحدا للتعامل او لتوضيح معانى كل كلمات القرآن, ولو أننا جميعا تمسكنا بهذا المعنى …….الخ, فسوف تنتهى جميع مشاكلنا المعروفة منها والغير معروفه, وسوف نتقدم ونصبح فى مصاف الدول العظمى, ونكون بذلك قد حققنا ما جاء فى القرآن الكريم – طبقا لمفهومه – عن الأيات المذكورة.

تعالوا جميعا لكى ننظرونجتهد ونفكر ونحاول أن نفهم ما جاء فى تلك الآيات.

الآية الأولى رقم 64 من سورة النحل, وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. من والواضح ان الآية تتحدث عن سبب من أسباب تنزيل الكتاب,وليس السبب الوحيد كما يعتقد, وهو لكى يبين لهم ما إختلفوا فيه, الآية لم توضح من هم وما هو الإختلاف الذى حدث بينهم, لو نظرنا إلى السورة من البداية , نجد ان الله يتحدث عن آياته وعن ما خلقه ليكون من نعمه على الإنسان, ثم يسألهم (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ , وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) , ثم يتحدث عن المشركين الذين لا يؤمنون بأن الله واحد لا شريك له, والذين لا يؤمنون بالأخرة وبالبعث….الخ. حتى يأتى إلى الآية التى تتحدث عما إختلفوا فيه, ومن السهل أن نستنتج ان الخلاف الذى كان بينهم كان على وحدانية الله وعلى انه الخالق لكل ما سخرة للإنسان وعلى انه لا شريك له وعلى ان هناك بعث بعد الموت. هذا ما نستنتجه بمنتهى البساطة من أيات السورة السابقة لهذه الآية, بمعنى إن الإختلاف بينهم لم يكن على أشياء بسيطه او على تفسير لكلمة ما او لمعنى ما , ولكن على أشياء جوهرية فى الدين وفى الخلق والبعث ووحدانية الخالق.

والأن لننظر إلى الآية الثانية من سورة آل عمران, ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم) . نحاول أن نعرف من هم هؤلاء الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات, نحاول أن نفهم أيضا ما هو الإختلاف الذى حدث والذى تكون عقوبته عذاب عظيم, فإن عقوبة العذاب العظيم قد وعد الله بها البعض فى القرآن الكريم, وبالبحث ونجد فى نفس السورة آل عمران الآية رقم 176 (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر انهم لن يضروا الله شيئا يريد الله الا يجعل لهم حظا في الاخرة ولهم عذاب عظيم ) وهم الذين يسارعون فى الكفر, ونجدها فى سورة المائدة رقم 33 (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة وبهم عذاب عظيم ) وهم الذين يحاربون الله ورسوله, ومن هم الذين حاربوا الله ورسوله سوى الكفار والمشركين, ثم فى سورة النحل 106 (من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) وهنا أيضا يتوعد الله الكفار بعذاب عظيم, ثم فى سورة المائدة رقم 5 (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا امنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم اخرين لم ياتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم ) هنا أيضا يتوعد الذين يسارعون فى الكفر.

هناك أيضا أمثلة أخرى على من توعدهم الله بالعذاب العظيم فى أيات أخرى البقرة رقم 7 توعد الكفار , ثم فى البقرة 114 توعد الذين يمنعون ان يذكر إسم الله فى المساجد ويسعون إلى خرابها, فى الانفال 86 توعد الذين يريدون عرض الحياة الدنيا بمحاولة أخذ أسرى قبل ان يمكن الله للنبى , ثم فى سورة التوبة 101 توعد الله المنافقين بعذاب عظيم, ثم عدة أمثلة أخرى ولكن الغالب فى القرآن لمن توعده الله بعذاب عظيم هو – الكفار .

نأتى أيضا إلى الأيتيتن رقم 106, 107 من سورة آل عمران, يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وهنا من الواضح تماما ان الإختلاف الذى تحدثت عنه الآية رقم 105, كان عن الذين كفروا بعد إيمانهم, وهذا يتفق تماما مع ما سبق تفسيره من توعد الله سبحانه وتعالى للكفار بعذاب عظيم. أما فى سورة البقرة 253(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات واتينا عيسى ابن مريم البينات وايدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من امن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) وهذه الآية تفسر بمنتهى الوضوح معنى الإختلاف الذى أمرنا الله بتجنبه وهو الإختلاف الذى يؤدى إلى الكفر.

 

والآن نأتى إلى آلآية من سورة البقرة لمزيد من التوضيح عن معنى الإختلاف. الآية رقم 213, كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . هذه الآية تتحدث ليس عن القرآن فقط او عن الإسلام فقط بأن سبب نزوله الوحيد هو ما يقوله الأستاذ شعبان, بل إن الآية تفيد بما لا يدعو إلى الشك بأن كل النبيين من قبل محمد ومن قبل رسالة الإسلام, انزلهم الله مبشرين ومنذرين بما معهم من كتاب بالحق, لكى يحكموا بين الناس فيما إختلفوا فيه, مرة أخرى, جميع الأنبياء انزلوا ومعهم كتبهم ليحكموا بين الناس فيما إختلفوا فيه. لذلك ما يقوله الأستاذ شعبان, هو جزء من الحقيقة وليس الحقيقة كلها, فقد إقتطع الآية من سياقها عن ( لتبين لهم ما إختلفوا فيه, وكذلك أيضا بنفس الكيفيه ونفس الكمية, هدى ورحمة لقوم يؤمنون).

لقد ساوى الأستاذ شعبان بين الإختلاف والكفر فى بعض مقالاته وتعليقاته, وقد جانبته الحقيقة فى ذلك, لأن الإختلاف لا يساوى الكفر, وليس كل إختلاف يؤدى إلى الكفر, وما تحدث عنه القرآن هو الإختلاف الذى يؤدى إلى الكفر طبقا لما عرضناه من قبل.

لقد سألنى فى مناقشتنا على منشورة على مفهومى للإختلاف, وقلت له بالنص, ما يحدث بيننا فى هذا الحوار هو إختلاف, إختلاف هو رؤية نفس الشيئ بطريقة مختلفة واحدا عن الأخر, فهم نفس الكلمة بطريقة مختلفة واحد عن الأخر, الإستجابه لنفس الأمر بطريقة مختلفة واحد عن الأخر, أداء نفس العمل بطريقة مختلفة واحد عن الأخر, الذهاب إلى نفس المكان بطريقة مختلفة واحد عن الأخر.

وإستكمالا لسؤاله قلت أيضا:

الرؤية بطريقة مختلفة لنفس الشيئ رعم أنه إختلاف ولكن السبب قد يكون فى ضعف البصر لدى بعضهم وقد خلقهم الله هكذا, قد يكون لإختلاف إستعمال الشيئ لنفس الغرض وهذا أيضا لا يعنى أن أحدهما مخطئ وأن الأخر مصيب, الإختلاف فى فهم الكلمة يعود إلى مدى علم ومعرفة وذكاء الشخص, وهكذا خلقنا الله على درجات مختلفة من الفهم والذكاء والعلم …..الخ, نفس التفسير فى للإستجابة لنفس الأمر بطريقة مختلفة المهم هو تنفيذ الأمر فى النهاية, اما بالنسبة لإخذ طريق مختلف للوصول إلى نفس الهدف, فالمهم هو الوصول إلى نفس الهدف, ولذلك , لا اعتقد ان هذا الإختلاف هو الذى حذرنا منه الله .

أعطيت للأستاذ شعبان مثالا على الإختلاف كما يلى:

خذ هذا السيناريو, هناك مئة شخص, امنوا, وطبعا حتى هذه اللحظة لا توجد مشكلة, فهم متفقين, ثم بعد ذلك, لسبب او لأخر, ليس مهما السبب, بدأ أحدهم فى الإختلاف مع ال 99 الأخرين, إختلاف فى فهم نص من القرآن, او إختلاف فى إقامة احدى الشعائر, او إختلاف فى اى شيئ اخر, المهم أنه إختلف معهم, وشرح وجهة نظرة, وبعد أن شرحها, إقتنع بعضهم, ولنقل جدلا 20 منهم, وصار هناك إختلاف بين العشرون والثمانين الأخرين, وبعد مدة أخرى , إختلف بعض الثمانيين مع الأخرين بل ومع المختلفين العشرين أصلا, وتجمع منهم 30, وبذلك إنقسمت المئة إلى ثلاث طوائف, خمسون من أصل المئة ظلوا على ما كانوا عليه, وثلاثون من فئة أخرى, وعشرون من فئة ثالثة, اى أصبحوا ثلاث فئات, الأية تحذر من الإختلاف, ولم تحدد من هم المختلفون, فى هذا السيناريو الجميع مختلفون, فهل الآية تتحدث عن الجميع ام عن الفئتين الذين إختلفوا مع الفئة الأصلية ام من على وجه التحديد؟ أن كانت لديك إجابة على ذلك, فتفضل بها. الأستاذ شعبان لم يجب على هذا السؤال مطلقا, ولكنه قال فيما إعتبره هو إجابة عليه : وعن من هم المختلفين اقول ايا من كانوا لا فرق . والمشكلة بيننا تكمن في معنى الاختلاف ، وعدم التفرقة بينه وبين التنوع . وهنا اجيب سيادتك عن المثال الذي ذكرته . فالمختلف هو من توقف عن الحوار وجمد عند رأيه مهما ظهرت امامه الحقائق فهو في عمى عنه ، اما التنوع فهو للتكامل . ارجوا التركيز على معنى الاختلاف .

هنا أدخل الأستاذ شعبان عددا أخر من الكلمات او التعبيرات التى يدخلها دائما فى مناقشاته , مثل تكامل , وتنوع , بالإضافة إلى كلمة إختلاف. لإلقاء ضبابية على النقاش, ويتحول الموضوع إلى طريق جانبى لمناقشة معانى الكلمات المضافة ثم يتحول مرة أخرى إلى طريق أخر جانبى فى مناقشة تلك الكلمات….الخ وبالطبع لا تصل المناقشة إلى نهاية.

ولنعود إلى رد الأستاذ شعبان, لم يحدد من هم من الفئات الثلاث من ينطبق عليه صفة المختلف التى جاءت فى القرآن, قال إن الذى تجمد فكره…….الخ, إذن من الممكن أن نقول ان الفئة الأولى التى لم تتغير مع الفئتين الأخريين هم المختلفون الذين ذكرهم القرآن, وبتطبيق ذلك على المجتمع الإسلامى, فسوف نجد ان هؤلاء التراثيون الذين يؤمنون بما أمنت به الإجيال السابقة هم المختلفون الذين تنطبق عليهم أيات الإختلاف, فهل يعنى ذلك ان كل من هب ودب وكل من فسر القرآن والعبادات بالطريقة التى يراها هم الغير مختلفون والذين لم تنزل فيهم أيات الإختلاف, إن كان ذلك ما يعنيه, فلماذا لم يتفق تماما مع مقالتى ( التفسير الأخير للقرآن الكريم ) فهى تتلخص فى ذلك, http://alquran-forall.com/index.php/ar/2010-04-15-20-25-21-76883/5740-2014-10-20-05-16-20

لماذا يصرعلى وضع منهج موحد لكل كلمة ولكل معنى من معانى القرآن لكى يتفق عليه الجميع ويفهمونه بنفس الطريقة ………….الخ وبذلك لا يكون هناك إختلافا فى الفهم ولا يكون هناك إختلافا بين المسلمون وبهذا ينتهى التخلف فى العالم الإسلامى والعربى ونلحق بالأمم المتقدمه ………..الخ الخ الخ.

فى النهاية نعود إلى القرآن الكريم مرة أخرى, سورة المائدة 84, (وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما اتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) , هنا فى هذه الآية ومثلها أيات أخرى, يقرر الله سبحانه وتعالى ان الإختلاف هو من سنة الحياة وانه سوف ينبؤنا بما نختلف فيه فى يوم القيامة, ولو كان هناك إحتمال واحد لأن لا يكون هناك إختلاف كما يريد الأستاذ شعبان, لما قامت هذه الآية وصحت, الإختلاف الذى هو من سنة الحياة غير الإختلاف الذى حذرنا الله منه والذى يؤدى إلى الكفر بالله وبوحدانيته وبالشرك به مع أى شيئ أخر, التغير والإختلاف نراه فى كل ما خلقه الله من حولنا, نراه فى كل يوم, من النور إلى الظلام , ومن الشمس إلى القمر, ومن الرياح إلى النسمه إلى السكون التام, نراه فى الألوان, نراه فى اللغات والمجتمعات المختلفة, نراه فى التغير الذى يحدث للإنسان منذ ولادته , والذت يحدث يوميا فى عملية النمو, نراه فى تغير طقوس السنه , نراه فى الطبيعة من حولنا , فى درجات الحرارة والرطوبه والبرد, نراه فى الناس من حولنا وفى عدم تطابق إثنين منهم, نراه فى درجات القوة والضعف, الجمال والقبح, الذكاء والغباء وما بينهما, نراه فى كل شيئ تقريبا, تغير وإختلاف, فلماذا نصر على ان هناك شيئا واحدا ينبغى ان يكون ثابتا لا يتغير, ولا يختلف.

أرجو أن اكون قد وضعت حدا لتلك المناقشة ومرحبا بالتعليقات بالإتفاق او الإختلاف.