Categories
سياسة

رد مختصر على مقالتى الأستاذ نهرو طنطاوى

 

 

رد مختصر على مقالتَى الأستاذ نهرو طنطاوى

 

هل سوف ينقرض النظام الديموقراطى وينتهى من العالم؟

وما هو البديل؟

 

 

سيكون الرد مركزا على نقطة “زوال الديموقراطية” فقط وما يتعلق بها من نقاط أخرى اوردها الكاتب فى مقالتيه, ورغم إختلافى مع الكثير من الشروح والمفاهيم التى أوردها الكاتب فى المقالتين, وكذلك إتفاقى مع بعض ما جاء بهما, ولكن لكى أعلق على كل شيئ, فسوف احتاج الى كتابة كتاب او كتيب من نفس الحجم على أقل تقدير إن لم يكن ضعفه , ولذلك سوف أقتصر على ما أختلف معه فيه بشأن زوال الديموقراطية فقط .

=====================================================.

 

من أجل إنقاذ مصر, هذا هو الشعار الذى كتب الأستاذ نهرو تحته كتيبه ذو الجزئين بعنوان ” النظام المدينى وزوال الديموقراطية”.

والعنوان كما هو واضح يدل على محتوى المقالة, بإختصار, يقول الكاتب ان النظام الديموقراطى المعروف للعالم الآن سوف يزول, ويدعو الى ان يحل محله نظام أعظم وهو النظام الذى كان الرسول يستخدمه فى المدينة أثناء حياته وهجرته اليها.

لقد جاء الكاتب بالعديد من الأراء التى نقلها عن بعض المفكرين والكتاب الأخرين وليس عن تجربته الشخصية مع الديموقراطية بأى شكل من أشكالها, ومن الطبيعى ان يبحث الكاتب عمن يؤيد افكاره ويضفى عليها مصداقية , فكان أن بحث عن كل من كانت لدية فكرة معترضة على الديموقراطية بشكل أو أخر, ولكن بالطبع لو أنصف , لوضع ما يقابل ذلك من كتابات وأفكار لمفكرون أخرون ممن كانت أفكارهم وأراؤهم مؤيدة لذلك النظام لكى يكون هناك نوعا من الإتزان أو الحياد فى المقاله. وبالطبع لو بحثنا فسوف نجد أضعاف أضعاف ما جاء به الكاتب ممن عاش وعايش تجربة الديموقراطية وتوصل الى أنها خير ما توصل له العالم من أنظمة الحكم الى يومنا هذا.

كل كاتب من حقه أن يقول رأيه كرأى يحتمل الصواب او الخطأ, هذا الحق فى حرية التفكير والرأى هو حق بشرى من الله سبحانه وتعالى, فرغم ان الله عز وجل قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وهى آية واضحة المعنى, فقد قال أيضا ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وليس هناك مثالا أكثر وضوحا على حرية الإنسان فى التفكير وتقرير المصير خيرا من ذلك المثال,  وبالطبع فبعد أن يدلى الكاتب برأيه, يترك الحكم بعد ذلك للقارئ الذى له الرأى الأول والأخير.

الأستاذ نهرو على حد ما قرأته, لم أرى له تجربة شخصية واحدة ذكرها عن نظام ديموقراطى فى مجتمع عاش به لأى مدة كانت , وكل ما أورده كما ذكرت هى كتابات أكاديمية منقولة عن اخرين ممن يخدمون وجهة نظره ويعبرون عنها, وبالطبع لم يشير الى ما يعادلها من الكتابات الأكاديمية المضادة إن لم تكن أضعاف أضعافها. فمثلا عند كتابته عن تجربته الشخصية فى السجن, لا يستطيع القارئ إلا أن يصدق كل ماقال عن تلك التجربة, قد يختلف أو يتفق معه على ما توصل اليه فى النهاية , ولكنه لن يختلف مع تفاصيل التجربة نفسها.

لقد عرض الكاتب أصل الكلمة ( ديموقراطية) وطريقة ممارستها فى المجتمع الإغريقى القديم, ثم إستمسك كما يستمسك الغريق بطوق النجاة بهذا المعنى فى نقد ما آلت اليه وما تطورت اليه فى المجتمعات التى تمارسها منذ قرون, وكأنها فى اصلها شيئ مقدس لا تمسه يد التغيير, وهو بذلك كمن يتمسك بوسائل النقل الأولى لدى البشرية من ركوب الحمير والبغال والخيل, فإن تطورت البشرية الى ركوب القطار والطائرة والسيارة , فتلك ليست وسائل للنقل او المواصلات ولكن ربما ينبغى تسميتها بشيئ أخر, أو من يتمسك بالعلاج بالأعشاب فيتعتبر ان أى دواء حديث لا علاقة له بالعلاج.

 نشأة الديموقراطية كانت كما ذكر فى مجتمع مدنى محدود العدد, والفكره كانت أن يمارس الشعب حكمة بنفسه, فكانت الإحتماعات تحدث فى مكان عام, ويرتادها ( ليس الجميع كما أشار) ولكن كل من يريد ان يمارس حقه فى إبداء الرأى الذى سوف يؤثر على الجميع, وليس هناك أى إشارة الى انه كان هناك من يقوم بتسجيل عدد الحضور ويقارنه بالعدد الذى ينبغى أن يحضر, فإن كان هناك عددا من الغائبين , يفض الإجتماع الى أن يحضر الجميع بدون إستثناء, .وهذا ما إنتقده سيادته فى الديموقراطية الممارسة الحديثة  فى ذكرة لأمثلة نسب الذين يدلون بأصواتهم فى الإنتخابات الديموقراطية.وهو نقد غير موضعى او فى مكانه.

كذلك , هل من الممكن أن نجمع سكان اى بلد او حتى مدينة متوسطة الحجم بأكملهم لكى يتشاورأو يقرروا بالتصويت فى أى أمر, بالطبع هذا ضرب من العبث والإستحالة, فما بالك بدولة كاملة, غير أن الكاتب لازال ينتقد التطوارت التى حدثت فى النظام الديموقراطى لكى تكون أقرب ما يكون لما حدث فى إثينا القديمة عند ولادة الديموقراطية. إن أقرب ما يمكن أن يحدث الآن لذلك النظام القديم الذى يتمسك به الكاتب هو مثلا ما حدث فى ميدان التحرير وفى مصر عندما قرر الشعب- ليس كله – ولكن من ساهم بالحضور بالثورة على الحكومة…………الخ , حتى ذلك المثال لا يقترب من نظام الديموقراطية التى لازال الكاتب يراها فى ضوء المجتمع الأثينى القديم وبنفس الشكل, وهو لا يعترف بعملية النشوء والإرتقاء والتطورالذى تفرضه الحياة على الناس,  ومن ثم فإن أى نظام يختلف عما كان عليه النظام الديموقراطى الأول فى إثينا,ليس من حقه أن يطلق على نفسه إسم الديموقراطية من وجهة نظر الكاتب.  غير أن الحقيقة انه إن حدث ما يطلق عليه الأستاذ نهور وما يعرفه بالنظام الديموقراطى القديم,  فلن يسمى عند حدوثه بشيئ أخر,سوى ( الفوضى) فهل ذلك هو ما يطالب به الكاتب لكى يكون له معنى الديموقراطية المثالية, إن كان ذلك, فسوف أتفق معه تماما على فشل النظام الديموقراطى.

الكثير مما عرضه الكاتب عن الحياة فى مصر وفى الإمتداد العربى أو الإسلامى , لا نختلف معه فيه, خاصة فيما يتعلق بما عايشه فى مصر والنظام أو الأنظمة السابقة, وما يحدث الآن من تخبط واضح فى وبين من هم فى مقعد القيادة, ومن محاولات بعض القوى المستغله إستغلال الموقف لمصالحها السياسية والشخصية ………….الخ, وعن الإعلام المصرى الذى كتبنا عنه الكثير بل ووصفناه أكثر من مرة بأنه ليس وسيلة الإعلام ولكنه وسيلة التضليل  والتعتيم والتجهيل  والتقليد الأعمى…………..الخ

فيما يتعلق بالوعى الدينى او السياسى او المدنى فى مصر, فليس هناك ما يشير الى وحدة الفهم والتوجه الدينى وذلك لا يحتاج الى شرح او تفصيل, ووحدة الفهم والنضج السياسى أيضا غير موجودة على الإطلاق فلأكثر من نصف قرن منذ ثورة 1952, فإن الشعب يغنى من منولوج الثورة ولم تسمح له الثورة بتعدد الفكر السياسى, وهو- أى الشعب –  فى نفس الوقت لم يسعى لفهم مسؤولياته وإلتزاماته وحقوقه السياسية كشعب أو على مستوى الأفراد, وقد إنعكس ذلك تماما على الوعى المدنى فى مصر, والذى لا يمكن أن يوضع بين الشعوب المتقدمة مدنيا, ونظرة الى الشارع المصرى فى القاهرة او الإسكندرية او فى أى مدينة أخرى تجد الأدلة على ذلك بالمقارنة بالمدن الأخرى فى البلاد المتقدمة, والموضوع كما يعرف الجميع غنى عن الشرح والتعريف. ( إقرأ سلسلة مقالات ” القيمة الفعلية لصوت الناخب” على هذا الموقع ).

 أما ما ذكره الأستاذ نهرو عن تاريخ المسيحية وهو تاريخ أقدم من تاريخ الإسلام, فلن أعلق عليه, سواء إتفاقا أو إختلافا, فقد كتبت مقالات عدة عن التاريخ بعنوان “التاريخ والتأريخ” منشورة على هذا الموقع وفيها إجابة مباشرة من وجهة نظرى على ذلك.

الكاتب قد شرح بالتفصيل أحوال الدولة المدينية او بمعنى أصح دولة الرسول بتفصيل اقل ما يمكن أن يوصف به, أنه تفسير غريب حقا.  فلست فى حاجة أن أقول ان الأستاذ نهرو لم يركب آلة الزمن ويعود الى تلك الفترة بنفسه لكى يشهد ويكتب عن تلك الحقبة, كما أنه لم يلتقى بإنسان واحد شاهدها او شاهد من شاهدها……………الخ, ومن ثم فمن العدالة  والمنطق ان يناقش ما جاء به عن تلك الفترة الزمنية.

لقد ذكر سيادته ان مرجعه فى كل ذلك هو سيرة بن هشام , وأرى أنه من حق الجميع أن يتساءل عن إبن هشام, وهل ذكر إبن هشام سيرة الرسول مما رآه شخصيا فى حياة الرسول أم مما سمعه او قرأه.

إبن هشام لم يعاصر الرسول فقد ولد فى عام ؟؟؟؟ معذرة فالحقيقة لا يعرف أحد تاريخ مولده أو أين ولد على وجه التحديد, وبالبحث عن المؤلف الذى أرخ وكتب عن سيرة الرسول, لم نجد له شخصيا تاريخ ميلاد محدد او غير محدد, كما لم نجد له تاريخ وفاة متفق عليه من الجميع, فهناك من يقول عام 213 هجرية ومن يقول عام 218 هجرية, ويقال أنه قد أخد ما كتبه عن السيرة النبوية التى كتبها إبن إسحق, ومن المنطق أيضا أن نتساءل إن كان إبن إسحق قد عاصر الرسول ورأى بعينيه كل شيئ كتبه عنه, والإجابة من كتب التاريخ نفسها أنه لم يعاصرة هو الأخر, فقد ولد فى عام 85 ميلادية أى بعد وفاة الرسول بخمس وسبعون عاما, وبدأ جمع القصص من موارد شفهية عن الرسول فى كتاب سماه “سيرة رسول الله” بعد أن كلفه الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور بذلك, ولم يهتم كما يقال بمدى صحة او دقة ما جمعه , ولذلك فإن النقاد إحتمعوا على عدم الثقة بما جاء بها لأسباب كثيرة منها طريقة الجمع ودقتها بالإضافة الى عوامل السياسة فى العصر العباسى الذى كان مناهضا لما قبله فى العصر الأموى, كما أنه جدير بالذكر أن سيرة إبن إسحاق كما قرأت لم أرى بها الجزء المحتوى على تلك الوثيقة على وجه التحديد, سوى ما جاء فى سيرة إبن هشام السابق الذكر.

مما يثير العجب او التساؤل أو كلاهما, هو أن إبن هشام جاء فى نفس المرحلة الزمنية التى كتبت بها الأحاديث, وكلنا يعلم ما بتلك الأحاديث المنسوبه للرسول من تناقض مع نفسها فى نفس الكتاب بل وفى نفس الصفحة أحيانا, ومع غيرها من الكتب الأخرى وما بينها من تناقض مع القرآن نفسه, مما يجعلها شيئ غير مقدس ولا علاقة له بجوهر الدين نفسه. وما يثير التساؤل والعجب هو تواجد الوثيقة التى عرضها الكاتب ببنودها السبع وأربعون, والتى يعتبرها الكاتب أعظم وثيقة لحكم دولة  فى تاريخ الإنسان, بل ويعتقد أنها تضع قواعد للحكم مما يعده أرقى وأعظم بكثير من أى شيئ أخر فى تاريخ الإنسانية………………الخ مما قدمه لنا عنها, والكاتب فيما أعرف عنه اللهم إلا إن كنت مخطئا, لا يصدق كل الأحاديث المنسوبة للرسول بنفس طريقة العنعنات التى كتبها إبن هشام, فإن كان ذلك صحيحا, فكيف يعطى لإن هشام كل تلك المصداقية؟؟؟

وبإعتبار ان تلك الوثيقة صحيحة 100% ولم تمسها يد التغيير او التزييف أو التحريف أو الإضافة, فنحن نتساءل , هل يعرف السيد نهرو عدد سكان المدينة فى ذلك الوقت؟, ومتى كتبت تلك الوثيقة, هل كتبت فى اليوم الأول الذى وطأ الرسول أرض المدينة ام كتبت بعد ذلك بشهر او عام او عامين؟, ونتساءل هل حقا كانت تلك الوثيقة ما جعل مدينة الرسول تنعم  “بالعدالة والحق والقسط ” الذى وصف الكاتب بها تلك الحقبة, وما هى أدلته على أن تلك الوثيقة كانت السبب فى إرساء قواعد الحكم فى تلك المدينة والتى يعتبرها الكاتب ( دولة), بكامل أبعادها السياسية والإقتصادية والإجتماعية بصرف النظر عن مساحتها او عدد سكانها, وحتى بإعتبار ان كل ما جاء بها صحيحا بنسبة 100%  فى إدارة مدينة مثل مدينة الرسول, فهل من المعقول ان يكون صالحا لإدارة دولة صغيرة جدا من دول العصر الحديث!!!!!

القرآن نفسه يصف تلك الفترة – أى العشر سنوات التى قضاها الرسول فى المدينة , بأنها فترة لم يعم فيها السلام او الرخاء او الوحدة او أى شيئ أخر أشار اليه الكاتب, القرآن نفسه يقول ذلك, فهل نصدق القرآن ام نصدق ما توصل اليه  الكاتب او ما جاء من بن هشام او البخارى  ……وأمثالهم, فالإختلاف هو نفسه بين الأحاديث والقرآن كما هو بين ما يقوله الكاتب وما يعد به وبين ما جاء فى القرآن.

جميع السور المدنية وهى الأطول فى القرآن, جاءت فى أغلبها بتوجية الرسول لحل المشاكل بين الناس, ولو لم تكن هناك مشاكل بعد تلك الوثيقة, لما جاء القرآن بتلك التوجيهات, وإستدلاله فى الكثير من بنودها بآيات قرآنية, يعتمد على وقت وتاريخ نزول تلك الآيات والسور, وفى ذلك ما قد يكون به الإجابة على قترة ووقت كتابتها والعمل بها, لأن القرآن والسور المدنية التى إستشهد بها الكاتب ظلت تنزل الى الرسول طوال السنين العشر التى قضاها فى المدينة, فإما أن الرسول كان يعرف تلك السور مقدما إن كان قد كتب تلك الوثيفة حال وصوله الى المدينة, وهذا غير معقول, وإما أنها كتبت فى تاريخ ما قبل نهاية نزول القرآن وهو ما يشير وينفى أن تلك الوثيقة كانت ذات مفعول سحرى فى إدراة المدينة وإدراة دولة, وإما أن تلك الوثيقة كانت بوحى من الله, ولا أعتقد أن هناك من يصدق ذلك.

القرآن يتحدث عن صراعات وخلافات لا حد لها بين سكان المدينة, سواء من المهاجرين والأنصار, او بين الكفار وأهل الكتاب, أو بين أهل الكتاب بعضهم مع البعض, او بينهم وبين المسلمين. القرآن يتحدث كثيرا عن المشركين وعن المناققين, وعن اليهود وعن الحروب التى دارت طوال تلك السنوات بين المسلمين وبين القبائل الأخرى, القرآن يتحدث عن حالات التقشف وعن عدم توافر الخيل او الجمال وغيرها مما يحمل المحاربون وعن نقصها ……………….والأمثلة فى ذلك وعن ذلك من السور المدنية ما يشير الى أن الحياة فى المدينة – مدينة الرسول- لم تكن حياة سهلة او حياة مسالمه او حياة رخاء لسكانها , ولم تكن المدينة جنة الله فى أرضه فى ذلك الوقت ……………..فلماذا يعتقد الكاتب ان ما حدث فى المدينة وما ذكره القرآن طوال السنوات العشر هو ما ينتظره العالم باجمعه اليوم لكى يتخلى عن الديموقراطية التى يتنبأ بزوالها؟؟

التاريخ بقول للأستاذ نهرو, ان الديموقراطية قد عاشت لقرون طويلة بصرف النظر عما قاله عن ذلك النظام, وقد سهلت الأمر لكل من عاش فى ظلها, ولازالت, ولا أستطيع أن أتصور شخصا واحد سواء عاش فى ظل ديموقراطية حقيقية أو غيرها سوف يهرع للموافقه على تنبؤات الكاتب ويطالب بزوال تلك الديموقراطية من أجل نظام لم يستطيع ان يبقى أكثر من عشر أعوام على أكثر تقدير, وطواه التاريخ, ولم يطالب به أحد طوال الأربعه عشر قرنا الماضى بالطبع سوى الأستاذ نهرو. والنظام الذى لا يستطيع أن يحمى نفسه بالتواجد المستمر والنجاح المستمر الذى لا يسمح بالإطاحة به من قبل البعض , لا يمكن أن  يكون مثالا يقتدى به بأى ضرب من ضروب الخيال نفسه, لقد إنهار ذلك النظام بعد وفاة الرسول كما قال الكاتب, ولم يكن به أى صمامات أمان مما يكفل حماية ذلك النظام , وبالطبع علينا أن نتساءل, لو كان ذلك النظام كما يدعى الكاتب وكما يصف الكاتب وكما يطالب الكاتب بعودته وإسترجاعه………الخ, لو كان خير نظام أو حتى خيرا من النظام الذى تم إستبداله به, ألم يكن من المتوقع ان يثور الناس او أن تثور طائفة منهم  فى محاولة لإسترجاعه؟؟, ألم يكن من المتوقع إن كان ذلك النظام هو النظام المثالى كما يدعى الكاتب, أن يتم ذكر محاسنه فى القرآن نفسه بما يوضح تماما كيف ان ذلك النظام المستوحى من القرآن كما يدعى إبن هشام وما قدمه الكاتب من تفسيرات قد لا يتفق الجميع معه عليها, قد قام باللازم فى إصلاح حال المسلمين فى عهد الرسول بحيث لم يكن هناك صراعات بينهم وبين بقية سكان تلك المدينة الصغيرة نسبيا قياسا بأصغر مدينة فى العالم الآن, ألم يكن من المتوقع أن نقرآ ولو آية واحدة تشيد بإنجازاته ومنها نعرف على الأقل متى وكيف وما هى نتائج ذلك النظام المدينى المدنى. غير أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يرد به شيئ من هذا القبيل على حد معرفتى أنا.

هل من الممكن أن ذلك النظام حتى ولو كان قد نجح نجاحا غير مسبوقا ولا متبوعا من بعد, كان قد حقق ذلك لتواجد رسول من الله لتنفيذه, وبعد وفاته, لم يكن هناك من هو آهلا لحمايته وفرضه فأنهار امام أول إختبار. بل لا نعرف إن كان هناك من قاتل من إجل الحفاظ على ذلك النظام الذى وفر العدل والحق والقسط حتى أن الكاتب نفسه لم يشير الى حدوث شيئ من هذا القبيل. هل ضمان نجاح هذا النظام هو تواجد رسول من الله لفرضه وتطبيقة!!!!!!!!!!! إن كانت الإجابة بنعم, فليس بيننا رسول من الله لكى يطبقه, وإن كانت بلا, فليس هناك دليل على نجاح ذلك النظام بغير رسول الله.

النظام الديموقراطى الذى مزقه الكاتب شر ممزق وألصق به كل شرور البشر, نظام يقوم على عدالة الإسلام التى لم تستطيع أى دولة تدعى إتباعها للإسلام بكافة مستوياته وفروعه أن تطبقه او تطبق ما يماثله منذ العصر الأموى حتى يومنا هذا, النظام الذى يكفل لكل فرد حقه الأدمى فى حياة حرة, النظام الذى يراعى الأقليات الأن وفى يومنا هذا, بينما تقاسى الأقليات فى كل الدول المسماه إسلامية, النظام الذى يكفل حرية التفكير وحرية النقد وحرية الإختيار, وكل الحريات الإنسانية الأخرى, هذا النظام هو النظام الذى قال عنه الكاتب ما قال مالك فى الخمر, هذا النظام الذى يحاول الكاتب أن يقنعنا بأنه نظام فاشل, بينما النظام الذى لا نعرف عنه شيئا سوى ما قاله بن هشام منذ إثنى عشر قرنا, وما فسره الكاتب الفاضل بطريقته وعلى هواه لكى يعطى إنطباعا إيجابيا , بل والحقيقة لكى يعطيه من الصفات ما للنظام الديموقراطى الحالى من صفات, أى النظامين يعتقد الكاتب سوف يحظى بإختيار الأغلبية من الناس حول العالم الآن.

للأسف كلمة ديموقراطية كما قلنا سابقا ليست من الكلمات العربية  وليس لها ترجمة مباشرة بصرف النظر عن محاولة الكاتب ترجمتها ترجمة حرفية من أصل الإسم الإغريقى, وهى من الكلمات الأكثر إساءة فى إستخدامها فى العالم من أى كلمة أخرى, فكل مستبد وكل طاغية وكل ديكتاتور لا يتوقف عن إستخادمها كوصف مباشر لطريقته فى الحكم, وليس هناك بالطبع أغرب من أن كوريا الشمالية تسمى نفسها (The Democratic People’s Republic of Korea ) أى الجمهورية الشعبية الديموقراطية الكورية!!!         فهل هناك شيئ أكثر إضحاكا وسخرية من ذلك.

كلمة ديموقراطية من الكلمات العامة مثل مرض السرطان مثلا, فمرض السرطان رغم أن له إسم واحد, ولكن هناك الكثير من أنواعه المختلفة, ورغم إختلافها فتقع جميعها تحت نفس المسمى, وكذلك الديموقراطية , فلها العديد من الأشكال التى تتناسب مع البيئة التى إختارتها كنظام للحكم, والتغيرات فى الشكل او طريقة الحكم لا ينفى صفة الديموقراطية عنها, وهذا ما يمكن أن يسمى المرونة فى تشكيل النظام لكى يُضمن له النجاح. غير ان الكاتب لم يعجبه ذلك, وكتب ما كتب فى وصفه ونقده بكل شيئ على وجه الأرض سوى السبب الحقيقى فى التعديل المناسب للدولة التى إختارته.

بل من الأشياء الغريبة جدا التى كتبها الأستاذ نهرو فى مقالة ما كتب عن حرية الفرد, فقد قال ما يلى وأنقله للقارئ هنا لكى يرى مدى ما وصل اليه الأستاذ نهرو فى تفكيره …………….!!!

بل إن القيم الليبرالية التي تتخذ من حرية الفرد محورا لها من يراجع فلسفتها وممارستها الحقيقية الواقعية بين أبناء الشعوب الغربية يرى أنها قيم تقوم على تدجين الفرد الغربي وإغراقه في شهوانيته وغرائزه ومحورته داخل نفسه ومركزته حول ذاته وغرائزه لطمس أي معالم للبناء القيمي الإنساني الجماعي العالمي داخل تركيبة الفرد الغربي وعدم إشاعاتها بين شعوب العالم بلا استثناء، وكذلك عملت النظم السياسية الغربية على إلهاء الفرد الغربي عن التفكير في تغيير النظم السياسية الغربية التي تقوم على عنصرية القيم وعنصرية الحرية وعنصرية الرخاء الاقتصادي وعنصرية امتلاك القوة وعنصرية التقدم التقني والاقتصادي لتبقى مقاليدها في يد الأنظمة السياسية الغربية وحدها ولا تجني خيراتها سوى الشعوب الغربية فحسب، وكذلك لإلهاء الشعوب الغربية عن الاهتمام بسياسات حكوماتهم الخارجية التي تقوم على استعمار شعوب العالم الأخرى وحرمانها من أي تقدم إلا تحت مظلة ورعاية ومراقبة الأنظمة السياسية الغربية العنصرية

ومدى ما وقع فيه الكاتب من خطأ فى شرحه وتحليلة بل والأكثر من ذلك مفهومه للقيم التى تعطى الفرد فى المجتمعات الغربية الديموقراطية حقا إنسانيا تكرر بشكل لا يمكن أن يتغافل عنه أحد فى القرآن الكريم , حق الفرد فى الإيمان او الكفر هو حق إلهى , مسؤولية الفرد عن إعمالة شخصيا امام الله وأمام المجتمع, لاتزر وازرة وزر أخرى – عدة مرات وليس مرة واحدة فى القرآن الكريم, حق الفرد فى الإختيار بين العديد من الأشياء فى حياته, حق الفرد فى التفكير والإستنباط ……………..والأمثلة على ذلك لا تنتهى من القرآن الكريم, ولكن يبدو أن السيد نهرو لم يرى من ذلك شيئا سوى ان حق الفرد الإنسانى فى المجتمعات الغربية الديموقراطية ليست بالنسبه له سوى العنصرية والشهوات والغرائز…………..الخ , وربما لا يعرف الاستاذ نهرو ان تلك المجتمعات التى يصفها بما وصفه هى اول مجتمعات العالم فى الإنفاق على أعمال الخير, ونسبة الإنفاق بها لا تدانيها أى دولة أو مجتمع يسمى إسلامى, وأنها اول مجتمعات تبادر الى إنقاذ من تحل عليهم  أى كارثة طبيعية او غير ذلك, والأمثلة على ذلك لا تعد, بل الحقيقة لو أن تلك المجتمعات قد غرقت فى شهواتها كما يدعى, لما كان لها من كل بوادر النهضة والتقدم فى جميع المجالات الإنسانية ما لها بالقياس الى المجتمعات الأخرى إسلامية كانت ام غير ذلك, فهل نسى او تناسى ذلك سيادته.

إن الأمثلة الكثيرة التى ضربها عن المجتمعات الغربية وما تصوره من إنحلال أخلاقى لايمكن أن تأتى سوى من شخص لا يعرف حتى أقل من القليل عن تلك المجتمعات, وربما يتصور سيادته أنه إن نزل الى مطار ما فى مجتمع غربى فأول ما سوف يراه هو الإنحلال الأخلاقى يمارس بشكل عام فى جميع أنحاء المطار سواء الشذوذ الجنسى او شرب الخمر حتى الثمالة او ممارسة الجنس علنا فى أنحاء المطار خاصة بين الأخ وأخته والإبن وأمه والأب وإبنته………………الخ من الأمثلة التى وضعها فى مقالته والتى كما قلت لا تدل سوى على أنه لم يغادر المجتمع الشرقى البتة, وتلك الأفكار الغير صحيحة والغير طبيعية ربما كانت السبب وراء الكثير من الأكثر من الأفكار التى ينشرها وكلاء الله عن الإسلام فى أرضه, او هؤلاء الذين يمتلكون صكوك الملكية للدين الإسلامى المحمدى ويعطون لأنفسهم حق التكفير لكل من يختلف معهم وبالطبع مع حق التكفير حق القتل والحكم عليهم بالجحيم, وليس لنا بالطبع سوى أن نعذرهم فهم يظنون أنهم يعملون صالحا.

إسترعى أنتباهى ذكر الأستاذ نهرو الى مرجع من مراجعه التى إعتمد عليها وهذا ما قاله:

لقد أورد نص هذه الصحيفة الدستورية العظيمة كل من ابن إسحاق، وابن هشام في كتابه “السيرة النبوية” وقد وردت هذه الصحيفة موزعة في بنود في النسخة الألمانية لـ ج. شالر، وقمت بنقلها من كتاب الأستاذ: (سمير إبراهيم خليل حسن” “دستور دولة المدينة”)، وقد راجعتها كلمة كلمة مع كتاب “السيرة النبوية” لابن هشام، وفيما يلي عرض وشرح لما جاء في بنود الصحيفة كما يلي

أولا لقد قمت بتنزيل أكثر من عشر نسخ مختلفه ومتشابهه من السيرة النبوية لإبن إسحق , ولم أجد بها أى شيئ يشير الى تلك الوثيقة وبنودها السبع وأربعين, وسوف أقدم شكرى للأستاذ الكاتب الذى أشار اليها فى ما نقلته أعلاه إن قام بإعطائى رابطا لإبن إسحق به تلك الوثيقة, أما ما جاء فى إبن هشام المجهول مكان ميلادة وتاريخ ميلاده,  فقد وردت تلك الوثيقة تماما كما ذكر, والحقيقة أنها وثيقة قد تكون مناسبة للرسول من حيث أنه غريبا عن المدينة  وأهلها فقد جاء اليها مضطرا بعد أن صارت حياته فى مكة مهددة وبالطبع لابد ان الله سبحانه وتعالى أمره بالهجرة اليها, وكونه مهاجرا أى غريبا عن تلك المدينة وكونه قد أصبح حاكما لها لكونه رسول الله فهو بطبيعة رسالته ومكانته رئيسا وقائدا لمن آمن به ومعه, ولكن هل كان من أمن به وهاجر معه يشكلون الأكثرية فى تلك المدينة, لا علما مؤكدا لدى على ذلك, غير ان الوثيقة تشير الى عدد كبير من الطوائف الأخرى من غير المسلمين, مما قد يجعله أمرا محتملا أن لا يكون المسلمون والمهاجرون معا يشكلون الأغلبية, وحتى لو كانوا, فالمنطق وحده يحتم على أى قائد فى مكانه أن يخط وثيقة تحفظ لكل إنسان حقة خاصة عندما تنقسم المدينة الى هذا العدد الهائل من القبائل المختلفة فى مجتمع قبلى لكل قبيلة عاداتها وتقاليدها وأحكامها, وأتخيل أن أى إنسان عاقل ُوضع فى موقف مشابه , كان سوف يكتب شيئا مماثلا. ومن ثم لا أعتقد شخصيا بل ولا أتفق مع ما تخيلة الكاتب من عبقرية غير مسبوقه فى كتابة تلك الوثيقة وما اضفاه عليها من محاسن وصفات تخجل امامها أى صفات أخرى لأى وثيقة أو إتفاقية مشابهة لها. ولكن تعليقى فى الحقيقة كان على ما قاله ونقلته أعلاه, إن كان فى يدى الكاتب كتاب إبن هشام, وبه تلك الوثيقة, فما هو السبب فى الرجوع الى المستشرق الألمانى أو الى كتاب سمير إبراهيم خليل ؟ ومتى كان المستشرقون يعدون مراجعا للإسلام والمسلمين !!!! وبالمناسبة سمير إبراهيم خليل هو الكاتب الذى أطلق إسم ” فريضة البغاء “  على صنعة البغاء,بمعنى أن البغاء كان فريضة فى الإسلام, وهو نفسه الذى قال أن الخنزير ليس حيوانا , بمعنى أصح ليس هناك حيوان يسمى خنزير, ولكن الخنزير هو أى لحم من دابة قد تخنزر أى قد كبر فى السن فصار من الصعب طبخه , كما أن له آراء كثيرة لايمكن أن توصف سوى بالغريبة, وهذا هو المصدر الذى إستقى منه الكاتب تلك الوثيقة على حد الجملة المنقوله أعلاه..

أما بالنسبة للسجن, فمن حقة أن يقول ما يود أن يقول خاصة وقد سرد تجربته الشخصية فى سجن مبارك, وقد أفرد لذلك جزءا كبيرا من مقالته, وأعتقد أنه لو كان قد دخل فى سجن فى بلد من البلاد الديموقراطية, لتغير رأيه تماما فى السجون ومعناه, ولكنه وبعد أن ذكر كل ما يود قوله عن رأيه فى مفهوم السجن بجميع الأبعاد, لم يقدم للأسف بديلا واحدا للسجن, , بل تركها للأخرين من عليهم بالتفرغ لكى يخترعوا شيئا بديل له .


أخيرا, الوثيقة ليست مقدسة فهى ليست كلمات الله عز وجل مثل القرآن, ومن ثم تخضع للتحليل والنقد كأى وثيقة بشرية أخرى, ولم أجد بها شخصيا أى إعجاز سياسى أو إدارى أو إجتماعى أو إقتصادى, بل مجرد وثيقة تعبر عن موقف محدد من رجل ألقيت عليه مسؤولية الحكم والقيادة تحت ظروف صعبة فى مدينة ليست مدينته أصلا بل هو مهاجرا اليها, وبها – أى المدينة – الكثير والعديد من الإتجاهت الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والعقائدية …..الخ, فكان عليه أن يكون محايدا قدر ما يمكن فى التعامل مع الأخرين الذين قد يختلف معهم جوهريا ولكنه فى حاجة ماسة اليهم والى تعاونهم والى مساندتهم له فى حربة التى لم تكن قد إنتهت أو حسمت مع كفار مكة وكل القبائل الأخرى التى ساندتهم, وفى حاجة اليهم للإلتفاف حوله حتى ولو لم يكونوا قد أمنوا به كرسول من الله وأمنوا برسالته. أعتقد أننى لا أحتاج الى مزيد من الشرح لتلك النقطة بالذات.

أخيرا وليس أخرا, أذكر هنا أن النظام الشيوعى كان قد قام على هذا الكوكب ليكون معارضا وبديلا للنظام الرأسمالى, وكان النظام الشيوعى نظاما سياسيا وإقتصاديا وإحتماعيا وأيدولوجيا, وتم تقديمه للعالم فى إطار ذهبى براق كحل لجميع مشاكل العالم التى لم يستطيع النظام الرأسمالى حلها…………الخ. فماذا كانت النتيجة, بعد أقل من ثلاثة أرباع القرن, تهاوى ذلك النظام وإنهار تماما من الوجود رغم إستماتته فى الدفاع عن نفسه. وليس هناك فى العالم الآن من يكرر جملة واحدة مما كان يكرره شيوعى القرن الماضى, لماذا, لأن ما وضعوه فى إطار ذهبى وقدموه للمستهلك العالمى كان محض هراء ولا يتماشى مع طبيعة البشر , ولعل فى ذلك درسا لكل من يحاول أن يقدم للمجتمع العالمى مذهبا او مبدأ او فلسفة ………..كبديل لشيئ أثبت تفوقه ونجاحه لمن يعيشون تحته او به, وأصبح أملا كبيرا يتمناه من لا يعيشون تحته.

بالمناسبة قبل أن أختم المقاله, ليس هناك دولة ديموقراطية واحدة فى العالم , أكرر, ليس هناك دولة ديموقراطية فى العالم يطالب شعبها بالتخلى عن النظام الديموقراطى ويطالبون بنظام أخر أيا كان, بينما يعرف الجميع ان هناك عشرات من الدول والشعوب تتطلع وتنادى وتحارب وتثور من أجل أن تعيش  تحت النظام الديموقراطى, وهذا فى حد ذاته حجة لا أظن أن الأستاذ نهرو يستطيع أن يفندها.

 

 

 

Categories
التعليقات

ما أختلف فيه مع أخى الكريم نهرو طنطاوى

كما نعهد فى الكاتب، تشخيص دقيق للحال و جامع لكل التفاصيل، و الفهم المستنير للمقاصد و كذلك فى طرح الحلول فى جزئيه الأول و الثانى

ولكن ذلك لا ينهينا بل يشجعنا على وضع النص و شروحاته من المقدمة إلى التفاصيل تحت مجهر النقد و التعقيب، حيث نرى فى المقدمة خلط مؤثر على بعض نتائج التفاصيل (نظن أنه غير مقصود) بين “الإسلام لله” و هو الدين الإلهى الذى لا غيره و الذى أرسل به كل رسله للبشر و بين (أتباع رسالة الرسول محمد) “المسلمين اصطلاحا”

فبعد أن نبه الكاتب أن الوثيقة و القرآن لم يوصف أمة المدينة و لم يصبغها بصبغة معينة إلا الوحدة و الوسطية، وهذا ما نتفق عليه و ندعو إليه بشدة

و قد قال ومن الجدير ذكره هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصف هذه الأمة في الصحيفة الدستورية بأي صفة دينية أو قومية أو جغرافية أو لغوية، ولم يطلق عليها صفة “أمة إسلامية” إنما الصفة التي أطلقها النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة هي صفة “أمة واحدة”، كذلك لم يرد في “القرآن الكريم” لهذه الأمة أي صفة دينية أو عقيدية أو سياسية أو لغوية أو عرقية أو جنسية أو قبلية أو جهوية أو وطنية أو جغرافية، وإنما التوصيفات القرآنية التي وصف الله بها هذه الأمة هي: الوحدة، والوسطية، وأمة تهدي بالحق وبه تعدل.

قال تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (52) المؤمنون / وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143) البقرة / وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)الأعراف

ثم عاد وقال  “أمة واحدة جمعت تحت لوائها أناس من أديان شتى وقبائل شتى وطوائف شتى، والجماعة المسلمة لم تكن سوى جزء من تكوينات هذه الأمة الواحدة”

ونقول، بذلك عاد وقسم الأمة من الداخل إلى أديان و قبائل و طوائف و فرغ حقيقة قرآنية و مراد إلهى من معناه و مقصده

و يكون الكاتب قد قام بالتفريق بين جماعات شتى و بين جماعة (أتباع رسالة الرسول محمد) و سماهم هم فقط الجماعة “المسلمة” و بذلك جعل “دين الإسلام” حكرا فقط على (أتباع رسالة الرسول محمد)، و أن غيرهم من العالمين غير مسلمين و ليسوا على الإسلام، وهذا ما وقع و يقع فيه أغلب (أتباع رسالة الرسول محمد) و “المسلمين اصطلاحا”

فالتفريق يكون بين “فقه أتباع الرسالات” و ليس “الدين”، فالرسل لم يحملوا للناس غير دين الإسلام، أما أتباع الرسل من البشر حتى “المسلمين اصطلاحا” فمنهم المسلمين و منهم غير المسلمين (و ينطبق ذلك على أتباع الرسول محمد فى زمنه وفى كل الأزمان) و بهذا المعيار فقط يمكن التفرقة بينهم، و عندما نذكر المسلمين يجب أن يكون مقصدنا من “أسلم لله” و ليس (فقه أتباع رسالة الرسول محمد)

وهذا هو أفة “المسميين مسلمين اصطلاحا” الذين أصبحوا يعتقدون إن ما هم عليه (من فقه بشرى للدين) هو الدين الإلهى و هو الإسلام لله و احتكروه لأنفسهم و لا دين غيره ، بل احتكروا الإله نفسه، و أن مخلفيهم ليسوا على دين بل و باتوا يكفرون بعضهم البعض، كما فعل غيرهم من أتباع الرسالات الأقدم زمنيا

الإخوة الكرام

أنا شخصيا أظن أن الوثيقة تم تأليفها من أشخاص كان همهم إصلاح مجتمعهم فى مواجهة الحكام مثل طرح تخيل المدينة الفاضلة أو جمهورية أفلاطون و تلميذه أرسطو و كذلك الفرابى فالسياسة عندهم ليست أكثر من امتداد طبيعى للأخلاق

أما زعم سند الوثيقة عن الرسول محمد فعليه ما عليه مثل باقى الأثر

النظام الذى نزعم أنه طبق فى المدينة كنظام مثالى كما هو مؤرخ له فى السير و الأثر، و لو افترضنا حقيقة ذلك التأريخ، أو تأليفه فإن له سمات و مواصفات كانت قد توفرت فى مكانه و زمانه و مرجعية أساسها القرآن وهذا فى حد ذاته أمر يحتذى و إن كان لا يجب علينا أخذه كأمر مسلم به بل نأخذه مأخذ النقد الحسن و نقيم معقوليته لنرى و نأخذ ما يناسبنا و نترك ما لا يناسبنا فى زماننا و مكاننا و علمنا

وحيث أن الكاتب أستعان بنص و وضع عليه شروحاته و رأيه و انتقى مرجعيته و أضاف عليه خبرته و تجاربه، فأصبح النص بكل مشتملاته نصه هو، وعليه سنقوم هنا بمحاولة نقد موضوعى مختصر لما أختلف فيه مع الكاتب سواء فى معقولية النص أو فى فهم الآيات التى أتى بها مؤيدا أو فى شروحاته له و أترك التفصيل إلى أن يكون هناك حوار بشأنه  أما لا أنقده فأظن أنه مناسب و أكون أقرب للإقرار به. 

فى تاريخية الوثيقة

إن تاريخ كتابة الرسول الوثيقة و تاريخ اكتمال آيات القرآن التى استعان به الكاتب تأكيدا و مرجعية للوثيقة يقع فى منطقة الظن، فكما ذُكر فى الأثر أن الرسول هاجر إلى المدينة بعد حوالى 12 أو 13 سنة من بعثة بالرسالة و من المنطقى أنه عقد تلك الوثيقة فور نزوحه إلى المدينة لاستقرار الأمر، و ما نعرفه من الأثر أن القرآن نزل و أكتمل فى 20 عاما ، أى أن هناك 7 سنوات نزلت فيها آيات لحق نزولها عقد الوثيقة أى لم يكن للرسول علم بتلك الآيات لجعلها مرجعية له فى كتابة الوثيقة، و بذلك فإن كان الرسول هو الذى كتبها ـ و هو ما لا نظنه ـ فيكون فى محتواها الكثير من المرجعية الإنسانية المستمدة من الدين الإلهى الواحد المعلوم و المقبول من الأطراف فى مجتمعه الجديد فى محاولة منه لمعالجة الظروف الخاصة لذلك المجتمع 

نصوص العقوبات و معقولية مفهومها التقليدى و كذلك تأثير الخبرة الشخصية للكاتب على حكمه

فى عقوبة القاتل

قال البند الرابع عشر: في هذا البند يبين رسول الله أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر من أهل مكة الأعداء المحاربين، أي لو أن مؤمنا اشتجر مع قرشي معادي فقتله فلا يقوم مؤمن لقرابة أو نسب أو صهر بينه وبين الكافر القرشي المعادي بقتل المؤمن به، ولا ينصر مؤمن كافرا معاديا على مؤمن، بالضبط كما يحدث الآن: فلو أن مواطنا قتل مواطنا من مواطني بلد معادي محارب فلا يحاكم المواطن فيه ولا يقتل به، وسوف يأتي في بقية بنود الصحيفة ما يؤكد أن الصحيفة نصت وحددت أن “قريش” هم الأعداء المحاربين وليس أي أحد غيرهم من غير المسلمين.

نص ٱلبند ٱلرابع عشر: وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ 

و نقول، هذا البند دليل على أن تلك الوثيقة موضوعة لأن بها إخلال جسيم بالمساواة و العدل و الحق و كذلك صريح القرآن الذى لم يفرق بين النفوس و كذلك هناك تناقض فى الاستشهاد فات على الكاتب فى محاولته لتبرير النص بمحاولة قصره على القتل فى مشاجرة بدون دليل ظاهر إلا علمه أن النص فى حقيقته و ظاهره مخالف لقاعدة كلية إن كان القتل عمدا

وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ

فإن افترضنا جدلا محاولة الكاتب فى تبرير النص سليمة، و أن الرجال القادرون على الحرب (الغير محاربين) من العدو يحق قتلهم بدون قصاص فى مشاجرة، فلا يجوز أن يقبل هذا المنطق فى النساء و الشيوخ و الأطفال

قال عقوبة القتل العمد: في “النظام المديني”: أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني”، قامت بتجريم جريمة قتل النفس بغير حق أيا ما كانت تلك النفس المقتولة وأيا ما كان دينها أو طائفتها مادامت نفسا بشرية.

قال تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً (33) الإسراء

أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” أقرت بحرمة نفس الإنسان وحرمة حياته وأمرت بعدم الاعتداء عليها بغير حق. وأقرت لولي المقتول بحقه في إيقاع القصاص من قاتل النفس بغير حق.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى). (178) البقرة

وفي المقابل تركت مجالا للقاتل للإبقاء على حياته والعفو عنه إن رضي وعفا عنه أهل المقتول وتنازلوا عن حقهم في القصاص منه، ولا تؤخذ دية في القتل العمد إنما الدية في القتل الخطأ فحسب، كما نص على هذا القرآن الكريم، وبذلك تكون أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني”، قد سبقت جميع أحكام وأنظمة العالم أجمع في حض الناس على إلغاء “عقوبة الإعدام”.

قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (178) البقرة

و نقول، إن القول بأن أحكام القرآن تحض على إلغاء عقوبة القتل للقاتل عمدا، هو قول مجافى للمنطق، فالقاتل عمدا عليه ثلاث حقوق، حق للمقتول عند الله و حق لأهله المنتفعين منه فى الدنيا و حق للمجتمع، حيث أن المقتول قد يكون له دور فى المجتمع و بقتله يحرم المجتمع من هذا الدور و يضار، فلا بد من العقوبة ومن ضمنها قتل القاتل، أما  قبول التنازل من أهل المقتول فهو تنازل فى حقهم فى الدنيا ليخفف عن القاتل التزاماته تجاههم ـ سواء مالية أو معنوية ـ عند حسابه الدنيوى، وليس لإعفائه من عقوبة قتله، حيث أن ذلك يفتح بابا للقاتل القوى أو الموسر ليؤثر على أهل المقتول و يفلت القاتل من العقاب المدين به للمجتمع حيث أن تفعيل العقاب فيه ـ بصرف النظر عن نوعية العقوبة و منها قتل القاتل ـ و وجوب العقوبة الرادعة هى من أساسيات استقراره

فى مفهوم الربا

قال جرم القانون ويمنع التعامل بالربا الذي هو أخذ الدائن من المدين زيادة على أصل الدين بأي لون من ألوان الزيادة أو الفائدة أو النماء أو مضاعفة أي منها، ومن سبق له التعامل بالربا من أفراد أو مؤسسات فلهم رءوس أموالهم لا يظلمون ولا يظلمون، ومن دان شخصا فكان المدين ذو عسرة فعليه أن ينظره إلى أن يتيسر له سدادا، أو أن يتصدق الدائن على المدين بدينه إن كان ذو سعة من المال

قال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. (275) البقرة /  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً (130) آل عمران / وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ(39) الروم / وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ (280) البقرة / وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) البقرة

و نقول، إن توصيف الربا بالمعنى الذى وصفه الكاتب فيه خلط بين القيمة الذاتية للأموال (قيمة الأشياء) و الوسائط الحاملة لقيمة الأشياء (قيمة النقود)

و تبسيطا للمسألة، فالربا يتحقق فى حال جلب منفعة للمقرض بلا سبب (و هو من الميسر)، مثال اقتراض كيلو أرز و عليك أن تعيده كيلو و ربع، أما إن كان القرض جنيه نقدا و كان هذا الجنيه يشترى كيلو أرز عند الاقتراض (أى أن الجنيه يحمل قيمة كيلو أرز)، و عند رد القرض كان كيلو الأرز مثلا يساوى جنيه و ربع (أى أن جنيه و ربع يحمل قيمة كيلو أرز) فلابد أن يدفع المقترض للمقرض جنيه و ربع و إلا يكون تسبب فى ضرر المقرض، و فى هذه الحالة لا تكون و لا تعتبر تلك الزيادة (ربع الجنيه) ربا لأن القيمة التى اقترضت هى القيمة التى ردت للمقرض (كيلو أرز)

فى عقوبة معتاد السرقة

قال عقوبة السارق في “النظام المديني”: قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” قطع يد السارق والسارقة جزاءً لهما على جريمة السرقة وتنكيلا بهما، وقررت أحكام القرآن العظيم أن السارق أو السارقة لو تاب أحدهما قبل الإمساك به وأصلح ما أفسد برد الأشياء المسروقة لأصحابها فإن الله يتوب عليه.

قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(38) فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (39) المائدة

ونقول، القطع يتراوح و يحتمل معناه بين الفصل و البتر و الجرح و التقسيم و الفصل و الغَل ماديا كان أو معنويا و يكون أيضا لها معانى أخرى حسب موضعها فى السياق

و من يتدبر القرآن يجب يرى كل تلك المعانى للقطع، سواء كانت فاصلة قاطعة على معنى محدد لا يحتمل غيره أو معنى يراد به توسيع المفهوم على أن يتحرى و يتدبر و يكون المراد الإلهى هو المطلوب إدراكه، فمن أخذوا بالقطع للسارق على أنه البتر أو من أخذ بالسجن أو من أخذ بالتدرج بينهما أو أقل من ذلك حسب فداحة الجرم و كان متأكدا حسب علمه و مكانه و زمانه و ظروفه، بأنه يحقق المراد الإلهى، فإنه بذلك يطبق أحكام القرآن و يقطع يد السارق عن السرقة

و عليه لا نستطيع و لا يجوز تخصيص و إلحاق ما توصل له علم فقه بشرى مختلف فيه (الشريعة الإسلامية اصطلاحا) من أن عقوبة السرقة هى بتر اليد فقط أى فصلها عن الجسد، على أنه هو شرع الله و حكم القرآن و لا غيره، حيث نرى أنها كعقوبة وحيدة قد تكون غير رادعة إذا و ضعنا المكان و الزمان و العلم فى الحسبان  

و من ناحية أخرى فتوبة السارق تقبل من الله و توضع فى ميزانه و الإصلاح يقبل من الغارم و يستعيد بها ما فقد، ولكن تبقى ضرورة وجوب العقوبة حسب الجرم قائمة فى المجتمع وإلا يكون ذلك بمثابة فتح بابا للسارق للسرقة، فإن لم يُكتشف أمره أفلت بجرمه، و إن أحس بتضييق الخناق أعلن توبته و أصلح فعلته و يفلت من عقاب الإفساد الذى قام به و المدين به للمجتمع، و عليه أن تفعيل العقاب فى المجتمع بوجوب توقيع عقوبة رادعة ـ متناسبة مع الجرم ـ هى من أساسيات استقراره 

المجالس العرفية

قال المحاكم العرفية في “النظام المديني”: كذلك لم يفت التشريع القرآني العظيم أن هناك من المنازعات والخصومات التي قد تنشأ بين الناس في أمور وأشياء لم يرد لها نص تشريعي في القرآن العظيم فندب لها الحق سبحانه ما نطلق عليه الآن “المجالس العرفية” إلا أن القرآن العظيم شرط لمن يحكم في هذه المجالس أن يكونوا من أهل العدل وليس من الكبراء ولا من ذوي الجاه والنفوذ، ويختارهم المتخاصمون بأنفسهم وبموافقتهم، ويكون حكم أهل العدل ملزم ونافذ على الخصوم.

قال تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُم (95) المائدة

و نقول، إن كان معنى الآية مقصور على نظام مجالس عرفية ـ وهذا ملا نظنه ـ فهذا نظام يصلح لمجتمع المدينة فى زمن الرسول لقلة التعداد و معرفة الأشخاص بعضهم لبعض و يسهل تقيمهم و الرقابة عليهم من الحاكم، فإنه لا يصلح الآن أساسا لنظام دولة كمصر مترامية الأطراف يصل تعدادها 85 مليون نسمة أو لغيرها، و إنما (مع التحفظ) قد يصلح فى ظروف بعينها و لكن تحت رقابة أجهزة الحكم ضمانا لعدم الخروج عن التشريع المعمول به فى الدولة و التأكد من تنفيذ الأحكام، و تكون تلك المجالس العرفية (مع التحفظ) مساعدة و ليست بديله لنظام متكامل فيه تشريع منضبط وقضاء عادل و سلطة تنفيذ قوية، و يكون معنى الآية المستشهد بها أوسع و أعم مما قصره الكاتب و يحتمل النظم المعمول بها حاليا

ولكم منا كل الود

Categories
أدب و شعر

ولا تعتدوا

يا من كرهت الباحثين عن الهدى
ومشيت تلعنهم بكل قواكا

لا عشت بين الطيبين ولا سعت
بين الرجال الصالحين خطاكا


من أنت حتى تفترى بجرائم

ضد الصراط الحق ما أغباكا ؟

وعلى حساب الدين تركب أظهراً

وتبيع من أجل الفنا أخراكا


ألنقد شىء طيب  لو أنه….
نقد لوجه الله – لا لرضاكا


ماذا فعلت لدين ربك يا ترى
أرفعت شأن كتابه بعماكا ؟


أهجرت آيات الرحيم تمسكاً
بالعنعنات المالكات هواكا ؟


أهملته – والله يحفظه لنا
ولهثت خلف الزيف ماأغواكا


وظننت أنك باتباعك للهوى
بطلاً تحارب والإله هداكا


ونسيت أنك قد هجرت كتابه
وعميت عن أنواره فجفاكا


وبغير نور الله فى قرآنه
غدت الحياة كآبة وهلاكا


هل هان نور الله عندك هكذا
وهو اليقين الحق أين ذكاكا؟


من أجل هذا الدين جاء ( محمد)
وبغير هذا الحق خاب رجاكا


من ضل عنه أو غوى عن هديه

فلقد هوى فى النار – عد يا ذاكا


ودع الطلاسم واتبع آياته….
لا تفتحن – بغير آيه – فاكا


فالله أحد  والشريعة منهج
بكتابه – فاسجد لمن سوّاكا


لاتعتدى إلا على من يعتدى
فالكل حر والحساب وراكا

من ديوان الحب فى الهجير

ل حسن أحمد عمر

Categories
دين

النظام المديني وزوال الديمقراطية – الجزء الثاني


(النظام المديني وزوال الديمقراطية _ الفصل الثاني)

“نحو نظام سياسي إسلامي مديني لأمة مصرية واحدة”

إعداد : نهرو طنطاوي

الطبعة الأولى : 2011

رقم الإيداع في دار الكتب : 15352/2011

الناشر: دار نفرتاري للعلوم بأسيوط

(محتويات الفصل الثاني)

29.  (الفصل الثاني) النظام السياسي الإسلامي المديني

30.  قواعد نظام الحكم في النظام المديني والدين والسياسة

31.  الانقلاب السياسي على النظام المديني

32.  التوصيف السياسي للنظام المديني

33.  الصحيفة الدستورية لأمة المدينة

34   شرح بنود صحيفة دستور النظام المديني

35.  نص بنود الصحيفة الدستورية للنظام المديني

36.  المبادئ الدستورية القرآنية للنظام المديني

37.  مؤسسات وآليات نظام الحكم في النظام المديني

38.  القيادة والزعامة في النظام المديني

39.  المؤسسة الرئاسية في النظام المديني

40.  اختيار أولي الأمر وعزلهم في النظام المديني

41.  معايير اختيار الحاكم في النظام المديني

42.  منظمات المجتمع المدني في النظام المديني

43.  الشورى في النظام المديني

44.  آلية فقه الدين في النظام المديني

45.  المؤسسات الرقابية في النظام المديني

46.  تنظيم عمل الإعلام في النظام المديني

47.  العلم في النظام المديني

48.  التكليف الإلهي العلمي لأمة النظام المديني

49.  عقوبة السجن وصمة عار في جبين البشرية

50.  إلغاء عقوبة السجن في النظام المديني

51.  عدم صلاحية عقوبة السجن للآدميين

52.  تجربتي الشخصية في سجون حسني مبارك

53.  قانون العقوبات في النظام المديني

54.  عقوبة القتل العمد في النظام المديني

55.  عقوبة القتل الخطأ في النظام المديني

56.  عقوبة الجروح في النظام المديني

57.  عقوبة السارق في النظام المديني

58.  من هو السارق؟

59.  عقوبة المحاربين في النظام المديني

60.  عقوبة المرجفين في النظام المديني

61.  عقوبة الزنى في النظام المديني وما هو الزنى؟

62.  عقوبة الشذوذ الجنسي في النظام المديني

63.  عقوبة رمي المحصنات بالزنى

64.  عقوبة جرائم لم يرد لها نص عقوبة في القرآن

65.  المحاكم العرفية في النظام المديني

66.  المرأة في النظام المديني

67.  البغاء “الدعارة” والفن في النظام المديني

(الفصل الثاني) (النظام السياسي الإسلامي المديني)

  • · قواعد نظام الحكم في النظام المديني وعلاقة الدين بالسياسة:

يجب أن نفرق بين مسمى (التشريع)، ومسمى (الحكم) ومسمى (القضاء) ومسمى (السياسة)، فكثيرا ما يخلط الناس بين مدلولات هذه الأسماء فينتج عن ذلك الخلط ما نراه الآن من فوضى فكرية ومعرفية حول طبيعة وحقيقة وأهداف وغايات الدين الإسلامي العظيم.

فأما التشريع فهو: (عملية سن وتشريع القوانين التي تقوم بها الآن المجالس النيابية والبرلمانات).

أما الحكم فهو: (وضع شيء لشيء لمنعه والتحكم به. وكان العرب يطلقون على لجام الفرس “حَكَمَة الفرس” وهي التي توضع في رأس الفرس لربطه به ومنعه من الانفلات، ومن هنا أطلقت كلمة حكم على عملية إنزال الأحكام أو القوانين على المنازعات وتوصيف أفعال المتخاصمين طبقا لهذه الأحكام أو القوانين التي وضعت لضبط شئون الناس وفض منازعاتهم، وهي بالضبط العملية التي تقوم بها المحاكم الآن وتسمى خطئاً بالقضاء أو المؤسسات القضائية، ويطلق خطئا على من يقوم بإنزال وتوصيف تلك الأحكام بـ (القاضي)، إذ التوصيف الحق والصحيح لهذه المؤسسات هو: (مؤسسات الحكم أو المحاكم)، والشخص الذي يزاول هذه العملية يسمى في توصيف القرآن بـ (الحاكم) وليس (القاضي).

أما القضاء فهو: (عملية إنفاذ الأحكام التي يصدرها الحاكم في حق من صدر الحكم له أو عليه، ومن يقوم بعملية إنفاذ هذه الأحكام هو (القاضي)، والمؤسسة التي تقوم الآن بعملية القضاء (إنفاذ الحكم أو الأحكام) هي الشرطة (وزارة الداخلية)، فالشرطة في توصيف القرآن الكريم هي (المؤسسة القضائية) والشرطي الذي يقوم بإنفاذ الحكم أو إنفاذ الأحكام في توصيف القرآن هو (القاضي) وليس من يصدر الحكم، أما من يصدر الأحكام على الناس في خصوماتهم ومنازعاتهم في توصيف القرآن هو (الحاكم) والمؤسسة التي ينتمي إليها هي (مؤسسة الحكم، أو المحكمة) وليست (المؤسسة القضائية)، إذ الفعل (قضى) في لسان قوم الرسول العرب وفي القرآن الكريم ليس من دلالته إصدار الحكم وإنما دلالته الحق والصواب الإنفاذ أو التنفيذ وتحقيق الحكم فعليا، والشواهد في آيات القرآن الكريم كثيرة تدل على أن الفعل (قضى) لا يدل في حقيقته سوى على إنفاذ الشيء (تنفيذه) وتحقيقه فعليا، منها قوله تعالى: (قضيتم مناسككم). أي قمتم بإنفاذها وتحقيقها فعليا: (قضيت الصلاة) أي نفذت وتحققت، ومنها: (فلما قضينا عليه الموت) أي أنفذنا عليه الموت وحققناه فعليا، وهكذا …إلخ.

أما (السياسة) فهي: عملية الإصلاح والتنظيم والترويض والتوفيق والتعايش السلمي المشترك بين المختلفين دينيا وعرقيا وقبليا ومذهبيا وطائفيا في دولة المدينة. وهي حمل الشيء على ما ينفع وما يصلح له. ولا صلة للسياسة على الإطلاق بالحكم ولا بالتشريع ولا بالقضاء، وأن الذين يقولون (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)، فلا علم لهم بالدين ولا علم لهم بالسياسة بل هم قوم لا يفقهون، وسوف نرى كيف كانت السياسة في النظام السياسي الذي أقامه النبي عليه الصلاة والسلام في دولة المدينة داخليا وخارجيا، وسوف نرى عظمة ورقي وحضارة وقيمة وإنسانية هذا النظام العظيم الذي يفوق في قيمته ورقيه وعظمته كل الأنظمة السياسية الغربية الموجودة الآن مجتمعة، وسوف نرى ذلك عند حديثنا عن مبادئ النصوص الدستورية لدولة المدينة، وعند حديثنا عن الهيكل التنظيمي لدولة المدينة.

أما في هذا الفصل فيكون حديثنا عن قواعد الحكم في دولة المدينة، فلقد قام النبي محمد عليه الصلاة والسلام بتأسيس نظام الحكم في دولة المدينة على ثلاث قواعد رئيسة هي: (الحق، العدل، القسط)، طبقا لتوجيهات القرآن الكريم، وكل قاعدة من هذه القواعد لها مدلولها الخاص، إذ دوما ما يخلط الناس كذلك بين مدلولات هذه الأسماء أو بين مفاهيمها، فدوما ما يتردد على ألسنة الناس خطئاً أن الحق هو العدل، أو أن العدل هو الحق، أو أن القسط هو العدل، أو أن العدل هو القسط أو أن الحق هو القسط …إلخ، هذا الخلط جاء نتيجة لقلة الوعي العلمي والمعرفي لأكثر الناس وعدم اكتراثهم بالأهمية العلمية الكبيرة والضرورية لتحديد وتقنين وضبط المصطلحات التي نتحدث بها وعنها، وقد سبق وتحدثت في فصل سابق عن أهمية وضرورة هذا الموضوع في هذا الكتاب.

فأما الحق: فأصله المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه (عقب الباب) لدورانه على استقامة. فالفعل (حق) يدل في لسان قوم الرسول وفي القرآن الكريم على الشيء المحكم صحيح الإحكام، والشيء الذي لا يختلف اثنان عقلاء على صحته وصوابه وإحكامه ومطابقته وموافقته لمواصفاته، ويدل على ذلك مواصفات البقرة التي أدلى بها نبي الله موسى لبني إسرائيل ليذبحوها، فلما تطابقت البقرة تماما مع المواصفات قالوا لموسى: (الآن جئت بالحق فذبحوها)، أي تطابقت مواصفاتك تماما مع البقرة التي ذبحوها. فالحق هو مطابقة وموافقة الشيء لحقيقته وصحته وأصله ومواصفاته، ويقابل الحق (الباطل، والظن، والضلال، والهوى)، فالحكم وإنفاذه بالباطل أو بالظن أو بالشبهة أو بالتضليل أو بالهوى ممنوع ومحرم ومجرم في النظام المديني، فالحق هو القاعدة الأولى للحكم في النظام المديني، قال تعالى: (لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ) (8_ الأنفال)، وقال تعالى: (وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً) (28_ النجم)، وقال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ) (32_ يونس)، وقال تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى) (26_ ص).

أما العدل فيختلف في دلالته عن الحق، فالعدل نقيض الظلم ويدل على الاستواء والتعادل والمقابلة بين شيئين أو أكثر، وأضرب مثلا لوصف ماهية العدل، فلو أن شخصين تخاصما عند الحاكم (القاضي) وساوى بين الخصمين في الاستماع إليهما والنظر إليهما ومعاملة كل منهما، فهذا هو العدل، ونقيضه الظلم وهو: لو أن الحاكم (القاضي) استمع بإنصات لخصم ولم يعط الخصم الآخر نفس الوقت للحديث، أو عامل أحدهما برفق ولين وعامل الآخر بشدة وغلظة، أو سمح لأحدهما بالجلوس وترك الآخر واقفا، أو نظر لأحدهما برأفة ورقة ونظر للآخر بازدراء واحتقار، فهذا هو الظلم وهو محرم ومجرم تماما أثناء الحكم في النظام المديني، قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (58_ النساء)، وقال تعالى: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (15_ الشورى).

أما القسط فيختلف في دلالته عن الحق وعن العدل، فالقسط يكون في توزيع الأنصبة والحقوق وتمليك الأملاك وفي الكيل والأوزان، فـ(القِسط) بكسر القاف يدل على النصيب، أي نصيب الشخص في الأشياء، وسمي (الميزان) بـ (القسطاس)، قال تعالى: (وزنوا بالقسطاس المستقيم)، ويقابله (الجور)، والجور هو أخذ جزء أو انتقاص شيء ولو يسير من نصيب شخص لصالح شخص آخر، والجور في الحكم محرم ومجرم تماما في النظام المديني، قال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) (42_ المائدة).

إذاً الحق هو: صحة إحكام الشيء وموافقته لأصله وحقيقته، وهو الشيء الذي لا يختلف اثنان عقلاء على صحته وصوابه ومطابقته وموافقته لمواصفاته الحقيقية، أما العدل فهو: الاستواء والتعادل والمقابلة بين شيئين أو أكثر، أما القسط فهو: توزيع الأنصبة والحقوق وتمليك الأملاك والكيل والميزان كما هي في حقيقتها التي ارتضاها الناس بها وتعارفوا عليها. هذه هي القواعد التي أمر الله في القرآن الكريم أن يقوم عليها الحكم بين الناس، وهي القواعد التي أرساها النبي عليه الصلاة والسلام فعليا في الحكم في دولة المدينة.

  • · الانقلاب السياسي على النظام المديني:

يتردد كثيرا على ألسنة وفي كتابات الذين لا يعلمون أن الإسلام ليس به مجموعة القواعد والآليات الأساسية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيه، وأن الله ترك الأمر للناس يديرون شئونهم وأمور السياسة وفق ما يروق لهم، وأن الإسلام لم يقم بتوضيح شكل الدولة هل هي “ملكية” أم “جمهوربة”؟ ولم يوضح الطريقة التي من خلالها يتم اختيار رئيس الدولة، هل يكون بالتعيين أم بالانتخاب؟، وهل يوافق الإسلام علي التعددية الحزبية في النظام السياسي أم يناهضها؟، فكثيرا ما يدعي الذين لا يعلمون أن الإسلام لم يجب على هذه الأسئلة ولا على غيرها من الأسئلة التي تطرح على شكل نظام الحكم في الإسلام، ومن ثم يدعون أن الإسلام دين ينحصر دوره في التوجيه الروحي والأخلاقي فحسب ولا يصلح للزج به في شئون الحكم والسياسة.

كذلك يدعي الذين لا يعلمون أن الدولة في النظم السياسية الحديثة عليها إدارة وتبعات ومسئوليات تجاه رعاياها مسلمين وغير مسلمين في الداخل، وتجاه غيرها من الدول إسلامية وغير إسلامية في الخارج. لذا قد صار لزاما علي الدولة الحديثة أن يتضـمن دستورها بنداً يؤكد أن مبدأ المواطنة أساس لانتماء الجماعة الوطنية لها، وآخر ينص علي مساواة رعاياها في الحقوق والواجبات دون تفرقة بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو اللون، كما صار لزاماً عليها أن تحمي حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير دون انحياز منها لأحد، أو الوقوف بالضد علي أحد. كذلك ادعى الذين لا يعلمون أن الإسلام لا يوجد فيه مثل هذه الأمور الحديثة التي اكتشفها وأبدعها الإنسان الغربي الذي نتسول منه كل شيء حتى النظم السياسية وكيفية إدارة بلادنا. لدرجة أنني دائما ما كنت أرد على هؤلاء وأقول لهم هل يستقيم في عقل عاقل أن الله خالق السموات والأرض منزل الكتب ومرسل الرسل هل يليق بهذا الإله العظيم أن ينزل كتابا كالقرآن الكريم يتحدث فيه عن “الحيض والزواج والطلاق” ثم يتجاهل أو يتغافل في حديثه النظام السياسي للأمة وكيف يكون نظام الحكم فيها؟، وهو الأمر الأهم والأخطر والأكبر آلاف المرات من أمور كـ “الحيض والزواج والطلاق”. فهل يليق هذا بالحق سبحانه “العليم الخبير”.

كذلك قال الذين لا يعلمون من التيارات الإسلامية مثل قولهم، فكلما سئلوا عن النظام السياسي ونظام الحكم في الإسلام قالوا نحن نريد “دولة مدنية بمرجعية إسلامية”. وقولهم هذا ليس قولا علميا وليس نظاما سياسيا حقيقيا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، إنما هو قول ضبابي غائم مائع لا مدلول حقيقي له بل هو أشبه بشخص مسلم أسمه “جرجس” أو شخص مسيحي اسمه “محمد”. إذ كيف تتفق المدنية الغربية التي تقوم على الليبرالية التي تقدس حرية الفرد فيما يقول وفيما يفعل حتى ولو مارس الجنس مع أمه أو أخته أو ابنته دون أن تجرم قوانين الدولة المدنية هذا وتجرمه فقط في حال الاغتصاب، أو يحيلون من يسألهم عن النظام السياسي في الإسلام إلى نظام “دولة الخلافة”، وكأنهم يؤكدون ويقررون فعلا قول من يقول أن نصوص القرآن وأفعال النبي محمد عليه الصلاة والسلام ليس فيهما أي أثارة من علم على وجود نظرية أو رؤية لنظام سياسي حقيقي كامل شامل ينظم أمور الحكم بين طوائف الأمة ويدير شئونهم السياسية والحياتية الداخلية والخارجية. وهذا يؤكد بكل وضوح أن التيارات الإسلامية جميعها لا تعرف شيئا عن النظام السياسي الحقيقي الذي ورد في القرآن الكريم وأقامه النبي محمد عليه الصلاة والسلام حقيقية ومارسه واقعا في المدينة المنورة، ويؤكد كذلك أن التيارات الإسلامية لا تعرف من الإسلام أي نظام سياسي حقيقي سوى نظام “دولة الخلافة” ذلك النظام الذي انقلب مؤسسوه الأوائل على النظام السياسي النبوي الحقيقي الذي أرسى قواعده النبي عليه الصلاة والسلام في “المدينة المنورة” فور هجرته إليها والذي ظل قائما حتى وفاته عليه الصلاة والسلام. لذلك عند صدور مثل هذا الكلام من الذين لا يعلمون من هؤلاء وأولئك _وهم حقا لا يعلمون_ فعلينا أن نلتمس لهم عشرات الأعذار لعدم علمهم بحقيقة الإسلام وتاريخه وعدم فقههم لنصوص الإسلام وتشريعاته.

إنه مما لا يخفى على ذي علم وذي فقه أن كل كتب التاريخ الإسلامي وكل كتب السير الإسلامية أجمعت على أن القوم عقب وفاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام قاموا بانقلاب سياسي على النظام السياسي الذي أقامه النبي في “المدينة المنورة”، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير فقاموا بإرساء قواعد نظام دولة الخلافة ذلك النظام الذي أطاح بنظام “أمة المدينة”، ومنذ ذلك اليوم ظل المسلمون يعمهون ويتخبطون سياسيا وحكميا إلى يومنا هذا، لقد أجمعت كتب التاريخ والسير أن القوم نشأ بينهم نزاع شهير وصراع مرير على السلطة ظهرت بوادره في “سقيفة بني ساعدة” عقب وفاة الرسول مباشرة وحتى قبل دفنه عليه الصلاة والسلام، وقد أوردت كتب التاريخ والسير أن المهاجرين والأنصار انقسموا إلى حزبين كبيرين، حزب المهاجرين من قريش ومعهم سادة قريش من الصحابة، وحزب الأنصار وهم الصحابة من أهل المدينة، فأما المهاجرون من قريش فقد طالبوا بالإمارة لأنفسهم كما أعلنوا في قولتهم الشهيرة “منا الأمراء ومنكم الوزراء”. وفي المقابل طلب أهل المدينة كما جاء في قولتهم الشهيرة “منا أمير ومنكم أمير”.

ولقد عمل المهاجرون من قريش على حصر السلطة في قومهم قريش واستمرت فيهم حتى نشوب ذلك الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ونشبت على إثر ذلك حروب طاحنة ودامية راح ضحاياها الآلاف من المسلمين في موقعة “الجمل” وموقعة “صفين” إلى أن استقرت الخلافة في بني أمية من أبناء وأحفاد معاوية بن أبي سفيان بعد أن حولها معاوية وأبناؤه إلى ملك وراثي، وظل الوضع على هذا الحال حتى سقوط الدولة الأموية على يد العباسيين من أحفاد العباس بن عبد المطلب بعد صراع مرير على الخلافة بينهم وبين الأمويين، وهكذا ظلت الصراعات على السلطة في العالمين العربي والإسلامي تتوالى منذ وفاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام حتى يومنا هذا وحتى وصل شكل الحكم في العالمين العربي والإسلامي إلى ما نراه عليه الآن.

كل ذلك جاء نتيجة الانقلاب السياسي على نظام “أمة المدينة” الذي أرسى قواعده النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يكن السبب من وراء عدم استمرار نظام “أمة المدينة” واستقراره واستمراره ليس عن عيب فيه ولا عن صعوبة في تطبيقه أو عدم واقعيته، بل لأن البشرية في ذلك الوقت في القرن السابع الميلادي وقت وجود الرسول لم تكن قد تطورت في مجال الفكر السياسي المؤسسي بالشكل الذي نراه عليه الآن، ولم تكن قد توصلت بفكرها إلى العمل بنظام المؤسسات في ممارسة الحكم ومزاولة النشاط السياسي، وبعبارة أخرى كان عامل وجود نظام “أمة المدينة” على هيئة أفكار ونظريات ورؤى مجردة داخل النصوص الإسلامية وكذلك عامل فقدان النظام المؤسسي يومها وعدم وجود مؤسسات رسمية حقيقية تحميه وتعمل على بقائه ورسوخه كل ذلك قد سهل وبشكل كبير لعملية الانقلاب السياسي على نظام “أمة المدينة”، أما وقد تطورت البشرية الآن وتطور فكرها السياسي فآن الأوان لاستعادة ذلك النظام العظيم نظام “أمة المدينة” ومأسسته –ترجمته إلى مؤسسات رسمية حقيقية- حتى يتعلم العالم كله ويتطلع إلى عظمة النظام السياسي الإسلامي الذي أرسى قواعده النبي محمد عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة.

  • · التوصيف السياسي لنظام “النظام المديني”:

لم يكن التوصيف السياسي لنظام “أمة المدينة” “جمهوريا” ولا “ملكيا” ولا “سلطانيا” ولا “إماراتيا” ولا “ديمقراطيا” ولا “ليبراليا” ولا “برلمانيا” ولا “رئاسيا” ولا “دستوريا” إنما كان التوصيف النبوي له هو “النظام المديني” وليس “المدني” إذ مصطلح “الدولة المدنية” هو مصطلح سياسي غربي حديث العهد، أما النظام السياسي “المديني” فهو مصطلح منسوب للمدينة المنورة، والمدينة المنورة هي البلد الأول في تاريخ البشرية الذي تأسس فيه ذلك النظام، وهي البلد الأول في تاريخ البشرية الذي تم فيه عمل “دستور” سياسي مكتوب ومخطوط في صحيفة أعدها النبي محمد عليه الصلاة والسلام بنفسه في ضوء مبادئ وتشريعات القرآن الكريم كما سنرى بعد قليل.

أما المسمى السياسي لهذا البلد “المدينة المنورة” لم يحمل مسمى “دولة، ولا مملكة، ولا سلطنة، ولا إمارة، ولا ولاية، ولا خلافة” وإنما المصطلح الذي أطلقه الله ورسوله على هذا البلد هو “أمة”، “أمة المدينة المنورة”، والأمة كلمة مشتقة من الاسم (أُمْ) بضم الألف وتسكين الميم، وليس الفعل “أَمَّ” مفتوح الألف ومشدد الميم كما يعتقد بعض الناس خطئا، إذ الفعل “أَمَّ” مفتوح الألف مشدد الميم له دلالة مغايرة للاسم “أُمْ”، فالفعل “أَمَّ” مفتوح الألف مشدد الميم يدل على قصد شيء والتوجه إليه، ومنه اشتقت كلمات “الإمامة، والإمام، والأمام، والتيمم”. أما الاسم “أُمْ” فهي الأنثى الأم التي ولدت أبناء، ويقال لكل ما كان أصلا لوجود شيء أو اجتماعه أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه “أم”، قال الخليل بن أحمد: “كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما”.

والأم الأنثى التي ولدت، تحمل بداخلها منهاجا عاما في الحياة يضم هذا المنهاج حزمة من القيم والأخلاق والعقائد والموروثات والثقافة صوابا كانت محتويات ذلك المنهاج أو خطئاً، إلا أن الأم تعمل على نقل ذلك المنهاج بكل محتوياته إلى أبنائها مما يعمل على اجتماع هؤلاء الأبناء عليها فتصبح الأم أصلا جامعا لكل أبنائها وأحفادها مهما تفرعوا أو اختلفوا أو تمايزوا حين يكبرون ويتفرقون عن بعضهم البعض، إلا أن آصرة الأمومة تظل هي الأصل الجامع الرابط لهؤلاء الأبناء على تفرقهم، لذلك نرى الله قد أطلق الاسم (أم) على القرية الكبيرة الأصل الجامع لعدد كبير من القرى من حولها والمجاورة لها والتابعة لها وهي ما يطلق عليها الآن مسمى “العاصمة”، فمكة مثلا أطلق الله عليها “أم القرى” أي “عاصمة” لكل من حولها من القرى، وكذلك الآيات المحكمات في القرآن هن “أم الكتاب”. كذلك رأس الإنسان أطلق عليها “أم الإنسان” و”أم رأسه”، لأنها أصل جامع يحوي عددا من الأدوات والوسائل التي تتحكم في كامل جسد الإنسان، إذ يحوي الرأس “العينين، والأذنين، واللسان، والشفتين، والدماغ، والأنف، فلذلك يطلق عليها “أم الإنسان” كقوله تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) (القارعة:9). أي رأسه ساقطة في النار.

من هذه الدلالة اللغوية لمسمى “الأُمْ” اشتقت كلمة “أُمَّة”، وكلمة “أمة” اسم مشترك يدل على العديد من الأشياء، وهي على وزن “فُعْلَة” الذي يدل على المفعول مثل: “أسوة” و”قدوة”. وتشديد الميم يدل على المبالغة، والمبالغة تدل على الكثرة والاستمرار والمعاودة والتعدد، ومن هذا التوضيح اللغوي نقول: “الأمة” هي: “أصل جامع يحوي منهاجا، ذلك المنهاج يحوي حزمة من الأشياء، قد تكون حزمة من المدد والفترات الزمنية كقوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) (8_ هود). وقد تكون الأمة أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من العقائد الإيمانية تجتمع في شخص واحد كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة). (120_ النحل). وقد تكون الأمة أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من المقاصد الحياتية كاجتماع الناس للحصول على الماء حيث يجتمع عليه جماعة من الناس من طوائف شتى كقوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون). (23_ القصص). وقد تكون الأمة أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من العقائد الدينية تجتمع على اعتناقها جماعة من الناس كقوله تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون). (22_ الزخرف). وقد تكون الأمة أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من الصفات التكوينية الحياتية الجنسية المشتركة يجتمع في الاشتراك فيها جميع أفراد نوع بعينه من المخلوقات، كقوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم). (38_ الأنعام). وقد تكون الأمة أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من العقائد الإيمانية والسلوكيات الأخلاقية والشعائر التعبدية تجتمع عليه جماعة من الناس لممارستها سلوكا وعملا على الأرض، كقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). (110_ آل عمران). وقد تكون “الأمة” أصلا جامعا يحوي منهاجا به حزمة من القوانين والتشريعات والعهود والمواثيق التي يجتمع عليها عدد من الأمم أو القبائل أو الطوائف المختلفة دينيا أو عرقيا أو مذهبيا ليكونوا أمة واحدة، هذا المعنى الأخير هو الأمة التي أقامها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة فور هجرته إليها مع قبائل اليهود والنصارى الذين كانوا متواجدين في المدينة يوم هجرته إليها.

ومن الجدير ذكره هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصف هذه الأمة في الصحيفة الدستورية بأي صفة دينية أو قومية أو جغرافية أو لغوية، ولم يطلق عليها صفة “أمة إسلامية” إنما الصفة التي أطلقها النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة هي صفة “أمة واحدة”، كذلك لم يرد في “القرآن الكريم” لهذه الأمة أي صفة دينية أو عقيدية أو سياسية أو لغوية أو عرقية أو جنسية أو قبلية أو جهوية أو وطنية أو جغرافية، وإنما التوصيفات القرآنية التي وصف الله بها هذه الأمة هي: الوحدة، والوسطية، وأمة تهدي بالحق وبه تعدل.

قال تعالى:

(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). (52_ المؤمنون).

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً). (143_ البقرة).

(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). (181_ الأعراف).

كذلك من الجدير ذكره هنا أن الذين يتصارعون الآن على إبقاء المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على أن: (الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، أقول إن فعلهم هذا مخالف لما كان عليه هدي النبي عليه الصلاة والسلام ومخالف للصحيفة الدستورية التي أعدها النبي بنفسه، ومخالف لصحيح العلم والواقع إذ “الدولة” أي دولة ليس لها دين حقيقي، لأن الدولة كائن اعتباري وليس كائنا حيا له وجود مادي حي حقيقي يمشي ويتكلم ويفكر ويعقل ويؤمن ويكفر حتى نقول إن دين الدولة الإسلام، فاعتبار الدولة من هذا المنطلق لها دينا رسميا هو الإسلام أو أي دين آخر يعني إقصاء بقية أطياف الشعب المصري من الذين لا يدينون بالإسلام، كذلك وجود المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على أن: (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، فلم توضح المادة على من بالتحديد ستطبق مبادئ الشريعة الإسلامية هل على المسلمين فحسب، أم على جميع المصريين بمن فيهم غير المسلمين؟، وأي مبادئ الشريعة الإسلامية هي التي يجب الالتزام بها وإلزام جميع المسلمين المصريين بها؟، إذ هناك العديد من المبادئ الإسلامية المختلف عليها بين المذاهب والفرق والجماعات الإسلامية، فهل هي مبادئ السنة أم الشيعة أم السلفيين أم الجماعة الإسلامية أم الإخوان المسلمين أم الطرق الصوفية أم الدعاة الجدد أم العوام أم أحد المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)؟.

  • · الصحيفة الدستورية لأمة المدينة:

الصحيفة الدستورية التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام لأمة المدينة هي الدستور السياسي الأول المخطوط والمكتوب من نوعه في تاريخ البشرية، وقد كتب النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصحيفة الدستورية لتنظيم التعايش السلمي المشترك العادل بين المؤمنين والمسلمين من المهاجرين من قريش والأنصار من أهل المدينة وبين قبائل اليهود والنصارى وغيرهم من القبائل من قاطني المدينة، وقد جاءت بنود هذا الدستور في (47) بندا دستوريا لم يسبق لها مثيل في تحقيق العدل والحق واحترام حقوق الناس أيا كان دينهم أو شأنهم، ولن يجد الباحث مثيلا لرقي وحضارة وروعة هذه البنود الدستورية في أي من دساتير العالم الآن على الإطلاق لا في الغرب ولا في الشرق، وقد تم إنشاء أمة واحدة طبقا لهذا الدستور جمعت تحت لوائها كل قبائل وأطياف الشعب المديني على اختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية والمذهبية بغية تعايش هذه الأطياف كل وفق معتقده ودينه وفكره من دون أن يتسيد طيف على آخر، ومن دون أن يفرض طيف رؤاه على بقية الأطياف، وقد وافقت جميع قبائل المدينة على هذا العقد الدستوري العظيم. وعلى أن يتم السماح لكل طيف أن يسير حياته وفق ما يراه ووفق دينه أو فكره أو مذهبه فيما لا يتعارض مع المبادئ الإنسانية والقيمية والقانونية الرئيسية التي تم الاتفاق عليها في الصحيفة والتي لا يختلف عليها إثنان من الناس.

فحين هاجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة وجد القبائل في “يثرب” تعيش في نزاع دائم وطويل منذ عشرات السنين، فجمع النبي محمد عليه الصلاة والسلام شتات تلك القبائل على دستور اتحادي سطره هو بنفسه، أسماه “الصحيفة” وقبلت ببنوده جميع القبائل وتوقف على إثره القتال والنزاع بين تلك القبائل. إلا أن هذه القبائل فيما بعد قد تآمرت مع أعداء الرسول من أهل مكة على الرسول عليه الصلاة والسلام وخرجت على بنود الصحيفة ونقضت ما تعاهدت عليه مع الرسول في بنود الصحيفة مما دعا الرسول لقتالهم وطردهم من المدينة.

  • · عرض وشرح بنود صحيفة دستور النظام المديتي:

لقد أورد نص هذه الصحيفة الدستورية العظيمة كل من ابن إسحاق، وابن هشام في كتابه “السيرة النبوية” وقد وردت هذه الصحيفة موزعة في بنود في النسخة الألمانية لـ ج. شالر، وقمت بنقلها من كتاب الأستاذ: (سمير إبراهيم خليل حسن” “دستور دولة المدينة”)، وقد راجعتها كلمة كلمة مع كتاب “السيرة النبوية” لابن هشام، وفيما يلي عرض وشرح لما جاء في بنود الصحيفة كما يلي:

في البند الأول من الصحيفة يبين النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الإجمال الطوائف التي كتب بينهم هذا الكتاب وهم: (المؤمنون والمسلمون من قريش ومن تبعهم من قبائل أهل المدينة ولحق بهم وجاهد معهم بناء على ما جاء من اتفاقات وشروط في هذه الصحيفة، وبين أن هؤلاء جميعا أمة واحدة من دون الناس، وهذا يؤكد أن هذه الأمة الواحدة هم خليط من أديان شتى وقبائل شتى اجتمعوا على تأسيس وتكوين “أمة المدينة”، وقول الرسول “من دون الناس” يعني أن دستور هذه الأمة باجتماعها واتفاقياتها ومعاهداتها وتحالفاتها تختلف عن اجتماع واتفاق ومعاهدات وتحالفات بقية الناس.

نص ٱلبند ٱلأول:

(بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ).

أما بنود الصحيفة من الثاني إلى العاشر، فتحدد وتفصل أطياف وخليط هذه الأمة الواحدة من القبائل وتذكرهم بالاسم قبيلة قبيلة، ثم تبين سلطات كل قبيلة وتبين أحكام كل منها وتشريعاتها على النحو التالي:

نصوص البنود من الثاني إلى العاشر:

ٱلبند ٱلثانى: الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلثالث: وَبَنُو عَوْفٍٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلرابع: وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلخامس: وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلسادس: وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلسابع: وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلثامن: وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلتاسع: وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلعاشر: وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

هذه البنود التسعة بينت أن الأمة الواحدة في المدينة تتكون من تسع طوائف مختلفة، الطائفة الأولى هي: “المهاجرون من قريش” وثمان قبائل من قبائل المدينة هم: “قبيلة َبَنُي عَوْفٍٍ، وقبيلة َبَنُي سَاعِدَةَ، وقبيلة َبَنُي الْحَارِثِ، وقبيلة َبَنُي جُشَمٍ، وقبيلة َبَنُي النّجّارِ، وَقبيلة بَنُي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وقبيلة َبَنُي النّبِيتِ، وقبيلة َبَنُي الْأَوْسِ”. ولم تقتصر البنود التسعة على تبيين وتسمية أطياف الأمة الواحدة بل قامت بإقرار كل طائفة من الطوائف التسعة على رياستها التي كانت عليها قبل إبرام هذه الصحيفة وذلك في قوله: (على ربعتهم). و”الربعة” هي الرياسة، وكذلك أقرت الصحيفة كل طائفة على تشريعاتها وأحكامها وقوانينها الأولى الخاصة بها قبل إبرام هذه الصحيفة وذلك في قوله: (يتعاقلون معاقلهم الأولى)، و”المعاقل” هي: الأحكام والقوانين والتشريعات التي يحتكمون إليها فيما بينهم. من دون فرض رياسة أو أحكام أو تشريعات أو قوانين طائفة على أخرى، كذلك نلحظ أن البنود التسعة قررت أن يكون المعروف والقسط هما الضابطان العامان في فك العاني وفض الخصومات بين القبائل الثماني وبين المؤمنين من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك نلحظ في البند الثاني الذي نص على ذكر “المهاجرين من قريش” أنه لم يذكر كلمة “الأولى” عند الحديث عن الربعة والمعاقل وذكرها هكذا: “الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ” من دون ذكر كلمة “الأولى” كما ذكرها للقبائل الثماني، مما يعني أن المهاجرين من قريش بإسلامهم مع رسول الله قد تركوا ربعتهم ومعاقلهم الأولى التي هي رياسة أهل مكة وأحكامهم الأولى، وأصبح للمهاجرين من قريش ربعة جديدة وهي رياسة النبي عليه الصلاة والسلام، ومعاقلهم الجديدة التي هي أحكام القرآن الكريم وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.

البند الحادي عشر:

من البند الحادي عشر وإلى البند الثالث والعشرون بدأ النبي عليه الصلاة والسلام يرسم للمؤمنين من أتباعه ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات والتزامات تجاه هذه الصحيفة وتجاه المشاركين فيها من القبائل من غير المسلمين، وكذلك رسم لهم موقفهم تجاه الأعداء الكافرين من قريش الذين قاموا بإخراج الرسول ومن معه من ديارهم وأموالهم بغير حق، وكذلك رسم لهم موقفهم تجاه ما جاء في الصحيفة من اتفاقات وشروط ومعاهدات على النحو التالي:

في البند الحادي عشر ألزم النبي عليه الصلاة والسلام المؤمنين جميعا في هذا النص الدستوري الإنساني العظيم بالتضامن الاجتماعي وبألا يتركون بينهم “مفرحا” أي شخصا مدينا أو معسرا أو مثقلا بعيال أو فقر أو حاجة أو عوز إلا ويعطوه من أموالهم ومما رزقهم الله بالمعروف ليفدي نفسه من الدين ومن الفقر ومن الحاجة ومن العوز أو من “عقل” أي دفع دية إن كان عليه دية.

(نص ٱلبند ٱلحادي عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ).

البند الثاني عشر:

في هذا البند ينهى رسول الله المؤمنين بعدم اختراق الأحلاف سرا أو بطعن في الظهر، أي لو أن مؤمنا تحالف مع مولى أي صاحب له أو جار على عمل ما أو أي شيء مما يتحالف الناس عليه فلا يحل لمؤمن أخر أن يدخل هذا الحلف إلا بعد إذن أخيه المؤمن له وإلا فلا يحل له ذلك.

(نص ٱلبند ٱلثاني عشر: وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ).

البند الثالث عشر:

في هذا البند ألزم الرسول جميع المؤمنين بمحاربة الظلم والعدوان والبغي والفساد أيا كان مصدره وأن يكونوا جميعا يدا واحدة على أي شخص منهم يقوم ببغي، وأن يكونوا جميعا يدا واحدة على من ابتغى ظلم أو ابتغى إثم أو قام بأي عدوان أو قام بأي فساد بين المؤمنين، وألزمهم جميعا بأن يكونوا يدا واحدة عليه حتى ولو كان الظالم أو الباغي أو المعتدي أو الفاسد ابن أحدهم.

(نص ٱلبند ٱلثالث عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى وَسِيعَة ظُلْمٍ أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ).

البند الرابع عشر:

في هذا البند يبين رسول الله أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر من أهل مكة الأعداء المحاربين، أي لو أن مؤمنا اشتجر مع قرشي معادي فقتله فلا يقوم مؤمن لقرابة أو نسب أو صهر بينه وبين الكافر القرشي المعادي بقتل المؤمن به، ولا ينصر مؤمن كافرا معاديا على مؤمن، بالضبط كما يحدث الآن: فلو أن مواطنا قتل مواطنا من مواطني بلد معادي محارب فلا يحاكم المواطن فيه ولا يقتل به، وسوف يأتي في بقية بنود الصحيفة ما يؤكد أن الصحيفة نصت وحددت أن “قريش” هم الأعداء المحاربين وليس أي أحد غيرهم من غير المسلمين.

(نص ٱلبند ٱلرابع عشر: وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ).

البند الخامس عشر:

في هذا البند يقرر النبي عليه الصلاة والسلام أن ذمة الله أي العقد والميثاق الدستوري هذا يجعل من جميع المؤمنين الذين تعاهدوا عليه هم جميعا في ذمة واحدة لا فرق ولا تمييز ضد واحد منهم مهما تدنى شأنه الاجتماعي، وأن المؤمنين بعضهم أصحاب لبعض، وبعضهم جار لبعض من دون الناس أي أن هذه الوحدة فيما بينهم وهذا التضامن بهذا الشكل لا يكون بين كل الناس إلا بين المؤمنين فحسب.

(نص ٱلبند ٱلخامس عشر: وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النّاسِ).

البند السادس عشر:

في هذا البند يؤكد النبي عليه الصلاة والسلام على المؤمنين أن من تبعنا من اليهود على ما جاء في هذه الصحيفة فإن له عليكم حق النصر إذا تم الاعتداء عليه في حرب أو غيرها، وله عليكم حق الأسوة بكم أي المماثلة والمشابهة لكم في الحقوق والواجبات غير ظالمين لهم ولا يناصر بعضكم بعضا عليهم.

(نص ٱلبند ٱلسادس عشر: وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُود فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ).

البند السابع عشر:

في هذا البند يعلن الرسول أن عهود السلام أثناء القتال مع العدو تكون جماعية وتوافقية بين جميع المؤمنين، بمعنى أن قرار السلام مع العدو أثناء القتال يكون خيار جماعي لكل المؤمنين ولا يحق لشخص رئيسا كان أو حاكما ولا لمجموعة أو طائفة أن يعقدوا سلما أو سلاما منفردا مع العدو أثناء القتال من دون موافقة بقية المؤمنين جميعا، واستثنى النبي الحالات الفردية في السواء والعدل أي أن يكون السلم المنفرد سلما متساويا وعادلا في حالات فردية بعينها تتطلب ذلك كاستسلام بعض أفراد جيش العدو أو طلب الهدنة المؤقتة على إحدى الجبهات.

(نص ٱلبند ٱلسابع عشر: وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ).

البند الثامن عشر:

في هذا البند يعلن الرسول أن الطوائف الموقعة على هذه الصحيفة والتي تعاهدت مع المؤمنين على القتال معهم ضد الأعداء فعليها أن تعقب بعضها بعضا خلف جيش المؤمنين.

(نص ٱلبند ٱلثامن عشر: وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا).

البند التاسع عشر:

في هذا البند يعلن النبي عليه الصلاة والسلام إلزام المؤمنين بأن يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، أي أن يكون هناك مساواة في العطاء والمكافأة لأسر الشهداء الذين ضحوا بدمائهم في سبيل الله ولا يتم تفضيل دم شهيد على دم شهيد آخر، ثم ذكرهم بأن المؤمنين المتقين يجب أن يكونوا مثالا يحتذى به في الهدى والتقوى.

(نص ٱلبند ٱلتاسع عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِئْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ).

البند العشرون:

في هذا البند إلزام للمؤمنين ألا يقبلوا مالا لقريش مقابل أن يجير مشركا منهم ويحميه وكذلك لا يجير مؤمن مشركا من قريش اعتبارا لنفسها أي لموقع قبيلته في قريش أو عزوتها، ولا يحول مؤمن أي يقف حاجزا بين مشرك عدو من قريش وبين مؤمن آخر، وهو ما يحدث الآن بين مواطني أي دولة والدولة العدو.

(نص ٱلبند ٱلعشرون: وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ).

البند الحادي والعشرون:

في هذا البند يبين النبي عليه الصلاة والسلام عقوبة قتل المؤمن بغير حق، قال” من “اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة”. اعتبط كلمة تدل على عدم الاستحقاق أي من قتل مؤمنا بغير استحقاق للقتل عن بينة أي بدليل من اعتراف أو شهود أو غيره فإنه أي القاتل “قود به” أي يقتل به، إلا إن رضي وعفا ولي المقتول عن القاتل فلا يقتل ويخلى سبيله، وفي هذا إلغاء لإلزامية عقوبة الإعدام على القاتل، وأن المؤمنين كافة ملتزمون بالقيام بتوقيع عقوبة القصاص على القاتل في حال لم يرضى ولم يعف ولي المقتول عن القاتل.

(نص ٱلبند ٱلحادي وٱلعشرون: وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ).

البند الثاني والعشرون:

في هذا البند بين النبي عليه الصلاة والسلام كيفية التعامل مع الشخص “المحدث” وهو ما نسميه اليوم “بلطجي” “إرهابي” والذي يقوم بخرق ميثاق وعهد هذه الصحيفة ويقوم بأعمال من قبيل ما نسميها اليوم “احتجاز الرهائن، أو الخطف أو القتل الجماعي أو الاعتداء بعشوائية على الناس وترويعهم في دمائهم وأموالهم”، في حق أي قبيلة أو طائفة أو فئة ممن وقعوا على هذه الصحيفة، فلا يحل لمؤمن آمن بالله واليوم الآخر وأقر بما في هذه الصحيفة أن يؤوي ذلك المحدث “الإرهابي” أو ينصره أو يخفيه أو يتستر عليه.

(نص ٱلبند ٱلثاني وٱلعشرون: وَإِنّهُ لا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلا يُؤْوِيهِ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ).

البند الثالث والعشرون:

في هذا البند بين النبي عليه الصلاة والسلام السبيل عند حدوث اختلاف في أمر ليس فيه نص أو حكم بين المؤمنين وبعضهم بعضا أو بين المؤمنين وغيرهم من القبائل التي أقرت بما جاء في الصحيفة، فعليهم أن يردوه إلى الله وإلى محمد عليه السلام، والمقصود بالرد إلى الله أي بالرد إلى الحق لأن الله هو الحق والحق هو: الشيء الذي لا يختلف اثنان عقلاء على صحته وصوابه وإحكامه ومطابقته وموافقته لمواصفاته، والرد إلى الرسول ليحكم كذلك بالحق.

(نص ٱلبند ٱلثالث وٱلعشرون: وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ عليه ٱلسلام).

البند الرابع والعشرون:

في هذا البند بين النبي عليه الصلاة والسلام مصادر النفقات العسكرية أثناء القتال فبين أن المؤمنين واليهود الذين أقروا بما في هذه الصحيفة إذا اشتركوا معا في حرب عدو لهما أن تكون نفقات الحرب مشتركة بين المؤمنين واليهود إذا كانت الحرب مشتركة بينهما لدفع عدو لأحدهما.

(نص ٱلبند ٱلرابع وٱلعشرون: وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ).

البند الخامس والعشرون:

هذا البند هو بداية فصل من فصول الصحيفة خصصه النبي عليه الصلاة والسلام لترسيم وتوصيف وتقنين علاقة التعايش السلمي المشترك بين المؤمنين وبين جميع قبائل اليهود وغير المسلمين الموجودين في المدينة المنورة، ففي البند الخامس والعشرين قنن النبي عليه الصلاة والسلام حدود هذا التعايش ومبادئه مع يهود بني عوف ابتداء، فقام بتوصيف هذه العلاقة بقوله في الصحيفة: “وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين” إذا العلاقة بين المؤمنين ويهود بني عوف لم تكن علاقة بين مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية، كلا، بل كانت علاقة وصفها النبي عليه الصلاة والسلام في البند الأول من الصحيفة بـ “أمة واحدة”، ثم قنن النبي حدود هذه العلاقة بقوله: “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم” وفي هذا إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام بحق كل طرف في ما يسمى اليوم “حرية الاعتقاد” وألا يتدخل أي من الطرفين في دين الآخر ولا يعاديه فيه ولا يكرهه على غيره، وقال عليه الصلاة والسلام بعدها: “مواليهم وأنفسهم” أي كما لكل طرف الحق في اعتناق دينه وممارسته كذلك لكل طرف الحق في موالاة ومناصرة من يشاء من الناس، وأما قوله “وأنفسهم” أي لكل طرف الحق في نفسه وبنفسه أن يفعل ما يشاء ويختار، ثم وضع عليه الصلاة والسلام ضابطا لممارسة هذه الحقوق ألا وهو عدم فعل ما من شأنه إيقاع ظلم أو ارتكاب إثم في حق الطرف الآخر فقال عليه الصلاة والسلام: “إلا من ظلم وأثم”. أما في حالة وقوع ظلم أو إثم من أحد الأطراف فإنه لا “يوتغ إلا نفسه وأهل بيته” ووتغ أي وقع في بلية، أي من ارتكب ظلما أو إثما في حق أحد من الطرف الآخر فقد أوقع نفسه وأهل بيته في بلية لأنه حين سيعاقب على ظلمه أو إثمه سيتسبب في إلحاق الأذى بأهل بيته، وهذا يدل كذلك على حقيقة عظيمة وهامة ألا وهي: لو أن شخصا من أحد القبائل التي أقرت بما في الصحيفة ارتكب ظلما أو إثما لا يؤاخذ عليه سوى الفاعل فقط ولا تحمل بقية القبيلة أو الطائفة من وزره شيئا.

(نص ٱلبند ٱلخامس وٱلعشرون: وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ).

البنود من السادس والعشرين إلى الخامس والثلاثين والبند السادس والأربعون:

هذه البنود الإحدى عشر ذكر فيها النبي عليه الصلاة والسلام أسماء بقية طوائف اليهود المختلفة الذين أقر لهم وأقروا بنفس العهد ونفس الميثاق الذي كتبه النبي ليهود بني عوف في البند السابق رقم (25) وعددهم تسع طوائف هم: (يَهُودِ بَنِي النّجّارِ، ويَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ، ويَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ، ويَهُودِ بَنِي جُشَمٍ، ويَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ، ويَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وجَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ، وِبَنِي الشّطِيبَةِ، ومَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ، وبِطَانَةَ يَهُودَ، ومَوَالِيَ يهود الأوس).

نص البنود:

(ٱلبند ٱلسادس وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّارِِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلسابع وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلثامن وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلتاسع وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلثلاثون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلحادى وٱلثلاثون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.

ٱلبند ٱلثانى وٱلثلاثون: وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلثالث وٱلثلاثون: وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ.

ٱلبند ٱلرابع وٱلثلاثون: وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلخامس وٱلثلاثون: وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلسادس وٱلأربعون: وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.

البند السادس والثلاثون:

في هذا البند قرر النبي على الصلاة والسلام في الصحيفة أن الخروج للحرب هو قرار يتخذه حاكم الأمة العام وهو النبي عليه الصلاة والسلام بعد مشاورة جميع الطوائف فلا يحق لأي فئة أو طائفة الخروج للحرب بمفردها، ولا يحق لأحد من أهل الصحيفة أن يحجز أحدا عن أخذ ثأره أي قصاصه ولو كان القصاص في جرح، ومن فتك بشخص من أهل الصحيفة فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم، ثم أشهد الله على من بر وأوفى بهذا العهد والميثاق.

(نص ٱلبند ٱلسادس وٱلثلاثون: وَإِنّهُ لا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ عليه ٱلسلام وَإِنّهُ لا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا).

البند السابع والثلاثون:

في هذا البند إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام لكل طائفة من طوائف أهل هذه الصحيفة بأن لها الحق في إنفاق مالها والتصرف فيه كما تشاء دون تدخل من أي طرف آخر ممن أقروا بهذه الصحيفة، وإن على جميع الطوائف أن يتناصروا بينهم على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن من حق جميع طوائف هذه الصحيفة بعضهم على بعض أن يسود بينهم النصح والنصيحة، وأن يكون البر بينهم حاجزا للإثم، وإنه لا يحل لأي منهم أن يرتكب إثما في حق حليفه، وإن عليهم جميعا حق نصر المظلوم فيهم.

(نص ٱلبند ٱلسابع وٱلثلاثون: وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْحَ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ).

­

البند الثامن والثلاثون:

في هذا البند يبين النبي عليه الصلاة والسلام واجب مشاركة اليهود بالنفقة مع المؤمنين مادام المؤمنون لم يزالوا في حال الحرب.

(نص ٱلبند ٱلثامن وٱلثلاثون: وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ).

البند التاسع والثلاثون:

في هذا البند جعل النبي عليه الصلاة والسلام من كل من هو ومن كل ما هو داخل حدود يثرب “المدينة المنورة” حرام على أهل هذه الصحيفة، أي جعل النبي عليه الصلاة والسلام كل من وكل ما هو داخل حدود المدينة أشبه بالبلد الحرام أو البيت الحرام لا يحل لأحد من أهل هذه الصحيفة أن يعتدي على حرمة أحد أو عرضه أو دمه أو ماله أو أهله أو بيته، ولا يحل لأحد أن يظلم فيها أحدا أو يرتكب في حقه إثما أو بغيا أو عدوانا أو غدرا أو خيانة.

(نص ٱلبند ٱلتاسع وٱلثلاثون: وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ).

البند الأربعون:

في هذا البند جعل النبي عليه الصلاة والسلام حقوق وحرمة الجار كحقوق وحرمة النفس، والجار هنا ليس المقصود به من يكون داره بجوار دارك وإنما الجار هو الشخص الذي يستجير بك ويطلب منك أن تؤمنه على نفسه، ومنه قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره). (_ التوبة). هذا الجار حقوقه وحرمته كحقوق وحرمة نفس من أجاره، هذا في حال كون هذا الجار مظلوما أو مقهورا أو مضطهدا، أما لو وقع منه ضررا لأحد من الناس أو ارتكب إثما أو جرما في حق أحد من الناس فلا يحل لأحد أن يجيره)

(نص ٱلبند ٱلأربعون: وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ).

البند الحادي والأربعون:

في هذا البند يقرر النبي عليه الصلاة والسلام قاعدة هامة وهي: لو حدث نزاع بين طائفة وأخرى من أهل هذه الصحيفة لا يحل لطائفة أخرى التدخل لإجارة حرمة أي من الطائفتين إلا إذا طلبت إحدى الطائفتين المتنازعتين من طائفة أخرى وأذنت لها بالتدخل لإجارة حرمتها، وذلك حتى لا تتهم بالتحيز لطائفة ضد أخرى، أو تتهم بالتدخل في الشئون الداخلية لإحدى الطوائف. ويقابل هذه القاعدة في العصر الحالي مبدأ: “عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول”.

(نص ٱلبند ٱلحادي وٱلأربعون: وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا).

البند الثاني والأربعون:

في هذا البند يقرر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا حدث أمر بين أهل هذه الصحيفة لم ينص عليه في بنود الصحيفة أو حدث اشتجار لم ينص عليه في الصحيفة فإن على المشتجرين من الطوائف أن يردوا هذا الأمر إلى الله وإلى رسوله، ولا يعني أن الله سيحكم بذاته في المسألة ولكن يعني أن الله هو الحق ورسوله يحكم بالحق والحق هو: الشيء الذي لا يختلف اثنان عقلاء على صحته وصوابه وإحكامه ومطابقته وموافقته لمواصفاته. كذلك هذا البند يقرر النبي عليه الصلاة والسلام من خلاله ما يشبه قاعدة هامة معروفة اليوم وهي اللجوء إلى التحكيم إلى هيئة محلفين أو محكمين محايدين يحكمون بالحق والعدل والقسط عند حدوث نزاع أو تشاجر بين أهل هذه الصحيفة ولم تكن بنود الصحيفة قد تطرقت إليه.

(نص ٱلبند ٱلثاني وٱلأربعون: وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ).

البند الثالث والأربعون

في هذا البند حدد النبي عليه الصلاة والسلام بالاسم من هو العدو الذي لا يحل لأحد من أهل هذه الصحيفة أن يجيره ولا أن يجير من نصره، هذا العدو هو “أهل قريش” الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام والذين أمنوا معه من ديارهم وأموالهم وأبنائهم بغير حق.

(نص ٱلبند ٱلثالث وٱلأربعون: وَإِنّهُ لا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلا مَنْ نَصَرَهَا).

البند الرابع والأربعون:

في هذا البند يلزم النبي عليه الصلاة والسلام جميع الطوائف من أهل هذه الصحيفة بأن يتناصروا جميعا فيما بينهم على أي عدو خارجي يحاول مداهمة “يثرب” “المدينة المنورة” أو غزوها أو العدوان عليها.

(نص ٱلبند ٱلرابع وٱلأربعون: وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ).

البند الخامس والأربعون:

في هذا البند يقرر النبي عليه الصلاة والسلام قاعدة هامة وعظيمة في العلاقات الخارجية لطوائف أهل هذه الصحيفة ألا وهي: إن لكل طائفة من أهل هذه الصحيفة الحق في أن تعقد عهود صلح أو اتفاقات مع أي من القبائل أو الطوائف من خارج المدينة المنورة في حال تم دعوتهم لهذا الصلح لكن يجب على أي طائفة من أهل هذه الصحيفة أبرمت عهودا أو اتفاقات خارجية أن تلبس هذا الصلح أي تظهره في العلن لبقية الطوائف من أهل هذه الصحيفة ولا يحل لطائفة أن تبرم صلحا أو معاهدة خارجية في الخفاء من دون إعلام أهل هذه الصحيفة جميعهم، وإن أي معاهدات صلح أو اتفاق خارجي تبرمه أي طائفة من أهل هذه الصحيفة يصبح ملزما للمؤمنين أي الرسول وأتباعه إلا في صلح أو اتفاق تم مع قوم يحاربون في الدين كإبرام معاهدة مع قريش التي حاربت الرسول وأتباعه في دينهم، فعهد كهذا أو اتفاق يصبح غير ملزم للرسول وأتباعه وإنما حصته أي لزومه يكون على كل طائفة من جانبها بمفردها.

(نص ٱلبند ٱلخامس وٱلأربعون: وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلا مَنْ حَارَبَ فِي الدينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ).

{البند السادس والأربعون سبق ذكره عقب البند الخامس والثلاثون مباشرة}

البند السابع والأربعون “الأخير”:

في هذا البند الأخير ذَكَّرَ النبي عليه الصلاة والسلام أهل هذه الصحيفة بعدة مبادئ وقيم سلوكية عظيمة هي: أن يكون البر دون الإثم أي أن يكون عمل البر بين أهل هذه الصحيفة هو العمل الظاهر الذي يحجز ويحجب عمل الإثم، وإن أي فرد أقر بما في هذه الصحيفة كسب إثما أو خطيئة فإنما يكسبه على نفسه هو وحده لا يكسبه أحد غيره، وإن الله شهيد على صدق ما جاء في هذه الصحيفة وشهيد على أبر ما جاء فيها، وإن هذا الكتاب “الصحيفة” يمنع من أقر بما جاء فيها أن يحول بين ظالم أو آثم وبين المظلوم أو يحميه أو يمنعه من القصاص منه، وإن من أراد الخروج من المدينة من أهل هذه الصحيفة فهو آمن على ماله وداره وعياله حتى يرجع ومن قعد في المدينة فهو آمن على نفسه وماله ودراه وعياله، إلا من ظلم أو ارتكب إثما فلا أمان له حتى يرد المظالم وينال عقابه على ما ارتكب من الإثم، وإن الله هو جار أي حامي وناصر لمن بر وأوفي بما جاء في هذه الصحيفة ومحمد رسول الله جار له كذلك.

(نص ٱلبند ٱلسابع وٱلأربعون “الأخير”: وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ).

انتهى عرض وشرح بنود الصحيفة

***

  • · النص الكامل لبنود الصحيفة الدستورية للنظام المديني:

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ

هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ.

ٱلبند ٱلأول: إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ.

ٱلبند ٱلثانى: الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلثالث: وَبَنُو عَوْفٍٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلرابع: وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلخامس: وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلسادس: وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلسابع: وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلثامن: وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلتاسع: وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلعاشر: وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

ٱلبند ٱلحادى عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.

ٱلبند ٱلثانى عشر: وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ.

ٱلبند ٱلثالث عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى وَسِيعَة ظُلْمٍ أَوْ إثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ.

ٱلبند ٱلرابع عشر: وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ.

ٱلبند ٱلخامس عشر: وَإِنّ ذِمّةَ اللّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النّاسِ.

ٱلبند ٱلسادس عشر: وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُود فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ.

ٱلبند ٱلسابع عشر: وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ.

ٱلبند ٱلثامن عشر: وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

ٱلبند ٱلتاسع عشر: وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِئْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ.

ٱلبند ٱلعشرون: وَإِنّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ.

ٱلبند ٱلحادى وٱلعشرون: وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ.

ٱلبند ٱلثانى وٱلعشرون: وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.

ٱلبند ٱلثالث وٱلعشرون: وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ عليه ٱلسلام.

ٱلبند ٱلرابع وٱلعشرون: وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.

ٱلبند ٱلخامس وٱلعشرون: وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ* إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.

ٱلبند ٱلسادس وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّارِِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلسابع وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلثامن وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلتاسع وٱلعشرون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. ٱلبند ٱلثلاثون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

ٱلبند ٱلحادى وٱلثلاثون: وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.

ٱلبند ٱلثانى وٱلثلاثون: وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلثالث وٱلثلاثون: وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ.

ٱلبند ٱلرابع وٱلثلاثون: وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلخامس وٱلثلاثون: وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ.

ٱلبند ٱلسادس وٱلثلاثون: وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ عليه ٱلسلام وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا.

ٱلبند ٱلسابع وٱلثلاثون: وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْحَ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ.

ٱلبند ٱلثامن وٱلثلاثون: وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.

ٱلبند ٱلتاسع وٱلثلاثون: وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.

ٱلبند ٱلأربعون: وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ.

ٱلبند ٱلحادى وٱلأربعون: وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا.

ٱلبند ٱلثانى وٱلأربعون: وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ.

ٱلبند ٱلثالث وٱلأربعون: وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا .

ٱلبند ٱلرابع وٱلأربعون: وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ.

ٱلبند ٱلخامس وٱلأربعون: وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ.

ٱلبند ٱلسادس وٱلأربعون: وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.

ٱلبند ٱلسابع وٱلأربعون: وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ وَإِنّ اللّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ”.

(المصدر: السيرة النبوية لابن هشام)

  • · المبادئ الدستورية القرآنية للنظام المديني:

نعرض في هذا الفصل مبادئ النصوص الدستورية التي أنزلها الله في القرآن الكريم للنظام السياسي المديني والتي على أساسها كتب النبي عليه الصلاة والسلام الصحيفة الدستورية، وعلى أساسها أقام النظام السياسي الإسلامي المديني في (المدينة المنورة).

لم يصف الله هذه الأمة بأي صفة دينية، فلم يصفها بالأمة الإسلامية، ولا الدولة الإسلامية على الإطلاق، ولم ينسبها إلى لغة، ولا إلى قوم، ولا إلى عرق، ولا إلى جنس، ولم يحدد لها دينا رسميا كما نفعل في دساتيرنا اليوم، فلم يرد ذلك لا في القرآن الكريم، ولا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ولم يضع الله لهذه الأمة اسما سوى (أمة واحدة)، قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (92_ الأنبياء). هذه الأمة الواحدة اجتمع تحت لوائها كل قاطني (المدينة المنورة) من يهود ونصارى ومسلمين ووثنيين، ولقد وضع الله في القرآن الكريم عددا من المبادئ الحقوقية وهي مبادئ حقوقية إنسانية عامة لا تقتصر على المسلمين فحسب، بل تسري على جميع رعايا أمة المدينة مهما كان دينهم أو مذهبهم أو طائفتهم، وهي المبادئ التي يجب أن تقنن في دستور عام لأمة (مصرية واحدة)، وأن تكون هي المصدر الوحيد للحكم ولكل القوانين التي تنظم جميع إدارات الدولة، وهذه المبادئ هي:

  • · (لكل آدمي في النظام المديني كرامة وأفضلية مستمدة من الله لا من أحد غيره لكونه من بني آدم والله وحده هو الذي وهبه هذه الكرامة وهو وحده من فضله على سائر الأشياء أيا كان جنس هذا الآدمي أو لونه أو دينه أو مذهبه أو طائفته أو قبيلته وله الحق على أولي الأمر وعلى جميع المواطنين القادرين والأغنياء في حياة طيبة وكريمة وله الحق في أن يأكل طيبا ويشرب طيبا ويلبس طيبا ويسكن في مسكن طيب ويعيش بصحة طيبة وينشأ نشأة علمية طيبة).

قال تعالى :

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). (70_ الإسراء).

  • · (للآدمي في النظام المديني كفرد ذكر أو أنثى أو قوم أو جماعة أو طائفة أو قبيلة أو فئة حرمة فلا يسخر منه أحد بالقول أو بالفعل أو بالرسم أو بالصورة أو بالكتابة أو بأي لون من ألوان السخرية حتى ولو ارتكب خطئاً أو جرماً ولا يلمزه “يعيبه” ولا ينابزه بالألقاب “تلقيبه بلقب سيء” ويجرم القانون ذلك ويعاقب عليه).

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). (11_ الحجرات).

  • · (الآدمي في النظام المديني مبرأ من كل تهمة حتى تثبت تهمته ببينة حق، فلا يتم اتهامه بالظن أو بالشبهة ولا يؤاخذ بالظن أو بالشبهة، ولا يحق لأحد التجسس عليه أو اغتيابه، ويجرم القانون ذلك ويعاقب عليه، وإن دعت الضرورة لمراقبة شخص ما أو التجسس عليه فيكون بإذن من الحاكم “القاضي”).

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ). (12_ الحجرات).

  • · (لكل فرد من أفراد الأمة الواحدة الحق في الإيمان بما يشاء وما يختار من دين أو مذهب أو طائفة، ولكل فرد في الأمة الواحدة الحق في الارتداد عما يشاء وما يختار من دين أو مذهب أو طائفة، من دون إكراه أو إجبار أو ملاحقة وحسابه على الله يوم القيامة، وعلى حكومة الأمة أن توفر له كل سبل الحماية والأمن، وأن تعاقب كل من يحاول فتنته بالقوة عما اختار من دين أو مذهب أو عقيدة).

قال تعالى:

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ). (256_ البقرة).

وقد أمر الله بمقاتلة كل من يحاول فتنة الناس بالقوة عن دينهم أيا كان ذلك الدين، حتى يكون الدين، كل دين لله، هو وحده من يحاسب عليه يوم القيامة. وقال تعالى:

(وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). (39_ الأنفال).

  • · (يحق لكل طائفة ولكل فرد في النظام المديني أن يدعو إلى دينه أو مذهبه أو عقيدته ويقول ما يعتقد أنه الحق، ومن شاء من بقية أفراد الأمة أن يؤمن بما يدعو إليه ويستجيب إلى ما يقول فله ذلك، ومن شاء ألا يؤمن وألا يستجيب فله ذلك، ولا يحق لأحد في أمة المدينة أن يكره أحدا على الإيمان بدين أو عقيدة أو مذهب لا يريده، ولا يحق لأحد إجبار الناس على الهدى ما لم يتجاوز القانون، ويحق لكل أحد أن يذكر الناس بالله وبدينه ولكن من دون سيطرة على أحد، ومن يعرض عن الالتزام بطاعة الله ورسوله فليس لأحد أن يجعل من نفسه حفيظا أو وكيلا على الناس في إلزامهم بذلك رغما عنهم، ما لم يتجاوزوا على حقوق بعضهم البعض فيما يخالف القانون).

قال تعالى:

(وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (29_ الكهف).

(إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ). (41).

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). (99_ يونس)

(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ). (272_ البقرة).

(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ). (22_ الغاشية).

(مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً). (80_ النساء).

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً). (54_ الإسراء).

(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ) (48_ الشورى).

(وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ). (107_ الأنعام).

  • · (على جميع أفراد الأمة الواحدة واجب الدفاع عن دور العبادة لأتباع جميع الأديان، ودفع من يحاولون هدم “الصوامع، والبيع، والصلوات، والمساجد” التي يذكر فيها اسم الله).

قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا). (40_ الحج).

  • · (إقرار جميع طوائف الأمة الواحدة بحق كل طائفة من الطوائف الأخرى أن تدين بما تشاء من دين، وتعبد الله بما تراه من طرق العبادة).

قال تعالى:

(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). (6_ الكافرون).

(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). (48_ المائدة).

  • · (يجرم القانون ويمنع على أفراد الأمة الواحدة أكل أموال بعضهم البعض بالباطل سواء في صورة مسابقات أو سحب أو مقامرة، إلا في تجارة أو بيع أو شراء بطريقة مشروعة لا ظلم فيها ولا تدليس ولا غش ولا تغرير ولا إغراء ولا إيهام ولا بخس ولا هضم ولا جور، ويكون عاملا الرضا والمشروعية هما ضابطا المتعاملين في التجارة أو البيع أو الشراء).

قال تعالى:

(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). (29_ النساء).

  • · (يجرم القانون ويمنع على أفراد الأمة الواحدة حكاما ومحكومين إعطاء الرشا أو أخذها لأكل حقوق الناس أو أكل أموالهم بالباطل والإثم).

قال تعالى:

(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). (188_ البقرة).

  • · (يجرم القانون ويمنع التعامل بالربا الذي هو أخذ الدائن من المدين زيادة على أصل الدين بأي لون من ألوان الزيادة أو الفائدة أو النماء أو مضاعفة أي منها، ومن سبق له التعامل بالربا من أفراد أو مؤسسات فلهم رءوس أموالهم لا يظلمون ولا يظلمون، ومن دان شخصا فكان المدين ذو عسرة فعليه أن ينظره إلى أن يتيسر له سدادا، أو أن يتصدق الدائن على المدين بدينه إن كان ذو سعة من المال).

قال تعالى:

(وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). (275_ البقرة).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً). (130_ آل عمران).

(وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ). (39_ الروم).

(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ). (280_ البقرة).

(وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ). (279_ البقرة).

  • · (لا يؤاخذ ولا يعاقب شخص وقع عليه ظُلما بقوله السيئ أو بجهره بالسوء من القول، فقد راعى الله حرقة المظلوم وراعى شعوره بالقهر، فلا يؤاخذ مهما قال من قول تحت ضغط الظلم حتى ولو قال كفرا أو سبا أو طعنا).

قال تعالى:

(لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ). (148_ النساء).

  • · (الأصل في الناس البراءة فلا يعاقب أي فرد من أفراد الأمة ولا يعتقل ولا يسجن ولا يحاكم ولا يدان ولا يتهم ولا يُرمى بخطيئة أو يقذف بإثم ولا يُتقول عليه بالشبهة ولا بالظن، إلا أن يكون بحق ظاهر وبرهان قاطع جلي وبيِّنة لا لبس فيها ولا غموض، وإلا فيعاقب طبقا للقانون كل من يرمي بريئا بما ليس فيه ولم يقدم برهانه الواضح وحجته البينة على صدق ادعائه، كذلك يعاقب طبقا للقانون كل من يكسب إثما أو خطيئة أو جريمة ثم يرم بها بريئا، فيعاقب على جريمته ويعاقب ثانية على اتهامه لغيره بالباطل، كذلك من يرتكب جريمة أو يكسب إثما فلا يتهم غير الفاعل نفسه ولا يعاقب سواه).

قال تعالى:

(وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً). (28_ النجم).

(وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (112_ النساء)

(وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) (111_ النساء)

  • · (كل ما أفاء الله به على الأمة من خيرات الأرض وثروات الأمة كعائدات البترول والغاز وعائدات المناجم والسياحة وغيرها من العائدات فيجب تخصيص النصيب الأكبر منها للفقراء والمساكين إما في صورة دعم أو بزيادة أجورهم أو بعوائد تنمية أخرى لإصلاح أحوالهم ومعاشهم ويحصل الأغنياء على النصيب الأقل أو لا يعطى الأغنياء وذوي السعة منها شيئا حسبما يرى أولي الأمر والمختصون، حتى يتم تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وكي لا يزداد الأغنياء غنى ولا يزداد الفقراء فقرا، وحتى لا يكون الخير والمال والثروة دولة بين الأغنياء فحسب).

قال تعالى:

(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا). (7_ الحشر).

  • · (يجب على جميع أفراد الأمة إذا تداين أحدهم بدين أن يكتبه ضمانا لحق الدائن ولحق المدين، ولا يستنكف أحدا كتابة الدين، طلب منه ذلك أو لم يطلب، سواء من الأخ لأخيه أو من الوالد لولده أو من الولد لوالده أو من الجار لجاره أو من الصديق لصديقه أو من الزوج لزوجته، أو من الزوجة لزوجها، أو من أي شخص لأي شخص مهما كانت القرابة أو الصلة بعيدة أو قريبة بين بعضهم البعض، ومن أمن شخصا على أمانة أيا كانت هذه الأمانة فعليه أن يؤديها إلى أهلها متى طلبوها، ومن ضيع الأمانة فعليه ضمانها أو يعاقب على ضياعها كما يقرر القانون ذلك).

قال تعالى:

(إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) (282_ البقرة).

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). (58_ النساء).

  • · (عند نشوب قتال أو صراع بين طائفتين من طوائف الأمة الواحدة فيجب على أولي الأمر وعلى بقية ممثلي الأمة أو من ينوب عنهم التوجه إليهما للصلح بينهما، وإن وجدوا أن طائفة قد بغت على الأخرى وظلمت ولم تتوقف عن القتال فيجب على أولي الأمر وبقية الأمة قتال الطائفة الباغية حتى تعود إلى رشدها، فإن عادت فيتم إنصاف المظلوم والقصاص من الظالم وبعده يتم الصلح بينهما بالعدل والقسط، ويمنع القانون منعا باتا المجالس العرفية التقليدية التي تضيع فيها الحقوق ويساوى فيها بين الظالم والمظلوم).

قال تعالى:

(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ). (9_ الحجرات).

  • · (التزام الناس في الأمة الواحدة بالوفاء بالكيل والوزن بالقسطاس المستقيم، ليس في البيع والشراء والسلع فحسب، بل في القول والعمل في شتى مناحي الحياة، ومن يخالف ذلك يعاقب طبقا للقانون، وكذلك يمتنع على أفراد الأمة بخس الناس أشياءهم أو ازدرائها بغير حق أو بلا برهان أو حجة بينة لا لبس فيها ولا غموض، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ) (35_ الإسراء).

(وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ). (183_ الشعراء).

  • · (لا مجال في النظام المديني لأي عاطفة أو مشاعر أو روابط تمنع الفرد من أداء الحقوق والقيام بالعدل وقول الحق وشهادة الحق، فعلى جميع أفراد الأمة أداء الحقوق والقيام بالعدل وقول الحق وشهادة الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين أو الأقربين، ومن يتبع الهوى في شهادته أو لا يعدل فيها أو من يلوي في شهادته ليشهد بغير الحق أو من يعرض عن شهادة الحق أو من يكتم شهادة عنده في حق أو من لا يأتي بالشهادة على وجهها الحق أو من لا يقوم بالشهادة بالقسط أو من يشهد بغير علم يعاقب طبقا للقانون، ولا تقبل شهادة فاسق يرمي الناس بالباطل).

قال تعالى:

(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). (135_ النساء).

(كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ). (8_ المائدة).

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ). (140_ البقرة).

(وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ). (283_ البقرة).

(وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ). (106_ المائدة).

(ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا). (108_ المائدة).

(وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) (4_ النور).

(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ). (2_ الطلاق).

(وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا). (81_ يوسف).

  • · (لا يحول شأن قوم كانت بينهم وبين أحد من أفراد الأمة قرابة أو عداوة أو أي لون من صلة أو حميمية أو حتى اعتداء سابق أو أي شنآن آخر أن يحكم بالعدل أو يقول بالعدل أو يقوم بالعدل، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). (8_ المائدة).

  • · (يلتزم جميع أفراد الأمة بالعدل في أقوالهم سواء جاءت أقوالهم في صورة رواية أو قصص أو عرض أو إخبار أو إعلام أو نقل معلومات، حتى ولو لقريب له أو على عدو أو خصم له، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). (152_ الأنعام).

  • · (يمتنع على أفراد الأمة الاعتداء أو تبرير الاعتداء على أناس صدر منهم ظلم أو إجحاف أو اضطهاد فيما سبق، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). (2_ المائدة).

  • · (يلتزم جميع أفراد الأمة بألا يكلفوا من يتم تخويلهم بالمسئولية أو من يتم تكليفهم بأي عمل آخر إلا بقدر وسع كل نفس وبقدر ما تطيق إلا من تطوع من تلقاء نفسه، وألا يطالبوهم بأكثر مما كلفوهم به من دون زيادة أو نقصان، ومن يتضرر من مشقة في تكليفه فعليه اللجوء للقانون لإنصافه).

قال تعالى:

(لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا). (152_ الأنعام).

(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا). (7_ الطلاق).

  • · (أقر الله للأمة ما يسمى الآن بـ “الاعتصام والعصيان المدني” وجعله حق مشروع لجميع الناس في “النظام المديني” كفله لهم القرآن العظيم بل إن جميع أفراد الأمة مأمورون بعدم طاعة أي حاكم أو ولي من أولياء الأمر ومأمورون بعصيانه وعدم الالتزام بولايته عليهم وحكمه فيهم إن أسرف في ظلم الناس أو قام بسرقة أموالهم أو ظهر منه أي فساد في مباشرته لولايته أو لم يحكم بين الناس بالعدل ولم يقسط بينهم ولم يقم بالحق فيهم، وإن لم تفعل الأمة ذلك تأثم الأمة جميعها).

قال تعالى:

(وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ(151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ). (152_ الشعراء).

  • · (يلتزم جميع أفراد الأمة بالوفاء بالعقود والعهود ما لم يكن فيها إجحافا أو ظلما أو تغريرا أو إكراها أو باطلا، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). (1_ المائدة).

(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً). (34_ الإسراء).

  • · (يمتنع جميع أفراد الأمة عن اقتفاء أثار بعضهم بعضا بغير علم أو تتبع عورات بعضهم بعضا بغير علم لا بالقول ولا بالسمع ولا بالقصد، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً). (36_ الإسراء).

  • · (يحرم على جميع أفراد الأمة الزنى أو الاقتراب منه، والزنى لا يكون إلا بامرأة متزوجة، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون، ولا رجم في عقوبة الزني طبقا للشريعة الإسلامية، أما رجم الزاني فهو شريعة اليهود، أما شريعة الإسلام الجلد فحسب، ويحرم على أفراد الأمة مباشرة علاقة جنسية بين رجل وامرأة غير متزوجة في غير زواج شرعي كعلاقة (المخادنة) أو علاقة (المسافحة)، أو ما يسمى (بوي فرند) أو (جيرل فرند)، وهاتان العلاقتان لا تطبق فيهما عقوبة الزنى، إذ الزنى لا يكون إلا بامرأة متزوجة، وعقوبتهما تكون حسبما يرى ويقرر أولي الأمر، ولا تجريم ولا منع ولا تحريم لمهنة البغاء (الدعارة) (ممارسة الجنس مقابل أجر) ولكن بضوابطها المشروعة كما سنبين في فصل (البغاء “الدعارة” في “النظام المديني”) من هذا الكتاب.

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً). (32).

(مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ). (25_ النساء).

(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ). (5_ المائدة).

  • · (في حالة إثبات وقوع فاحشة المثلية الجنسية (السحاق) بين امرأة وامرأة، إما باعتراف أو بشهادة أربعة شهداء، أو بأي إثبات يقيني آخر فيجب إمساك هؤلاء النساء في البيوت ومنعهن من الخروج من البيوت حتى يتبن ويمتنعن عن هذا أو حتى يمتن، وكذلك في حالة إثبات وقوع فاحشة إتيان الذكران (اللواط) بين الرجال فيجب إيذاء هؤلاء بما يرى ويقرر أولي الأمر من عقوبة حتى يتوبا عن فعلهما هذا).

قال تعالى:

(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً(15) وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً). (16_ النساء).

  • · (لحياة الإنسان مسلما كان أو غير مسلم ولنفسه حرمة، فلا تزهق هذه النفس ولا تقتل ولا تنتهك حرمتها إلا بحق، ومن قتل نفسا متعمدا وظلما فالخيار لولي الدم (ولي المقتول) فهو مخير بين القصاص من القاتل بأن يقتل بالمقتول حين تثبت التهمة في حقه ببينة، أو يعفو ولي الدم عن القاتل، وإن عفا ولي الدم عن القاتل فلا يحق له الاعتداء على القاتل بعد ذلك، ومن اعتدى يعاقب وفقا للقانون، وعلى أولي الأمر إلغاء وجوب تطبيق عقوبة الإعدام في القتل العمد وحدها، ويستبدل بها القصاص من القاتل أو العفو من ولي الدم، ولا تؤخذ دية في القتل العمد، إنما الدية في القتل الخطأ فحسب، كما نص على هذا القرآن الكريم، وقد نظم القرآن الكريم مسألة القتل الخطأ في حال كان المقتول مسلما مؤمنا أو في حال كان من قوم أعداء محاربين، أو في حال كان من قوم بيننا وبينهم ميثاق وعهد، ففي حال كان المقتول خطئا مسلما مؤمناً فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وتحرير الرقبة هنا لا يقصد بها تحرير العبيد والجواري فحسب، بل وتنطبق على فك رقبة من كان مرهونا في دين لا يقدر على سداده، ودية مسلمة إلى أهل المقتول، أو أن يتصدق أهل المقتول خطئاً بالدية على القاتل ولا يأخذوها منه، أما لو كان المقتول خطئا من قوم أعداء محاربين، فيكتفي القاتل بفك رقبة مؤمن من دينه، وأما لو كان المقتول خطئا من قوم غير مسلمين وبين المسلمين وبينهم ميثاق وعهد، فعلى القاتل أن يقوم بتسليم الدية إلى أهل المقتول، وعليه أن يقوم بتحرير رقبة مؤمن من دينه، وإن لم يجد ما يعتق به رقبة مؤمن من دينه فعليه أن يصوم شهرين متتابعين).

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً). (33_ الإسراء).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (178_ البقرة).

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً). (92_ النساء).

  • · (لمال اليتيم حرمة فعلى حكومة الأمة أو من يقوم على كفالته رعاية ذلك المال والمحافظة عليه حتى يبلغ رشده ويعاقب طبقا للقانون من يقوم بتبديد ذلك المال).

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (34_ الإسراء).

  • · (على حكومة الأمة أن تأخذ من أموال القادرين والأغنياء صدقة معلومة ومقدرة بقدر، وعلى الأغنياء ألا يكتفوا بالقدر الذي تأخذه الدولة من أموالهم فحسب، بل عليهم حق آخر في أموالهم عليهم أن يخرجوه هم من دون إلزام أو إجبار، وعلى الدولة أن تقوم بتوزيع هذه الصدقات على الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، بالصورة التي يحددها ويوصفها القانون وباللون الذي يراه أولي الأمر والمختصين، ويقصد بالمؤلفة قلوبهم كل من يمكن تأليف قلبه بإبعاده عن الظلم والإجرام والانحراف وقطع الطريق وغيرهم بإصلاح شئونهم الحياتية وإبعادهم عن الإجرام والانحراف، أما الغارمين فهم من عليهم ديون ولا يستطيعون سدادها، أما الرقاب فهم المرتهنين والمحتجزين والمدينين من أبناء الأمة في دول أخرى فيتم فك رقابهم كذلك بأموال الصدقات).

قال تعالى:

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). (103_ التوبة).

(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). (19_ الذاريات).

وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ(24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). (25_ المعارج).

(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). (60_ التوبة).

* (لو أرادت امرأة أو فتاة في النظام المديني أن تعتنق الإسلام فعلى المسلمين أن يمتحنوها فإن علموا بإيمانها حقيقة فلا يردوها إلى أهل ملتها السابقة وإن كانت متزوجة فهي ملزمة برد مهر زوجها السابق ورد نفقاته التي أنفقها في عقد نكاحه منها وينفسخ عقد زواجها من زوجها السابق بمجرد اعتناقها للإسلام، كذلك لو أرادت امرأة مسلمة أو فتاة مسلمة أن ترتد عن الإسلام وتلحق بأهل ملة غير ملة الإسلام فلا يحق منعها من ذلك وإن كانت متزوجة فينفسخ عقد زواجها بمجرد اعتناقها ملة غير ملة الإسلام وهي ملزمة برد مهر زوجها السابق ونفقاته التي أنفقها على عقد النكاح).

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (10_ الممتحنة).

  • · (يمتنع على أفراد الأمة قتل أولادهم خشية الفقر والحاجة والعوز، وكذلك يمتنع على جميع أفراد الأمة بيع الأولاد من الحاجة أو الفقر أو العوز، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ). (151_ الأنعام).

  • · (للوالدين على الأبناء حقوق، منها الإحسان إليهما قولا وعملا ولا يقولوا لهما إلا قولا كريما، والامتناع عن نهرهما وزجرهما، ولهم عليهم خفض جناح الذل من الرحمة، وليس ذلك للوالدين فحسب، بل ولذوي القربى حق على الأقارب في معاملتهم بالتي هي أحسن ولذوي القربى حق في مال وإحسان أقربائهم الأغنياء والقادرين، وكذلك للجيران القريب منهم والجار بالجنب والصحاب بالجنب لهم حقوق على جارهم الغني القادر إن كانوا فقراء ومساكين، بل وللعاملين والأجراء والخدم حقوق على من يعملون لهم ومن يخدمونهم، وإن أغمضهم أصحاب الأعمال حقوقهم مما يملكون ومما يستطيعون فعليهم التوجه إلى أولي الأمر لإلزامهم بهذه الحقوق، ويعاقب كل من يخالف هذا طبقا للقانون).

قال تعالى:

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ). (83_ البقرة).

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). (36_ النساء).

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً). (24_ الإسراء).

(وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً). (26_ الإسراء).

  • · (على جميع أفراد الأمة من المسلمين أن يعاملوا غير المسلمين سواء من مواطني الأمة المصرية أو من هم من أمم أخرى بالبر والقسط ما لم يقاتلوا المسلمين في دينهم وما لم يخرجوهم من ديارهم، أما من قاتلوهم في الدين أو ظاهروا أعداءهم عليهم فلا يحق لأفراد الأمة من المسلمين موالاتهم).

قال تعالى:

(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). (9_ الممتحنة).

  • · (على أولي الأمر وعلى جميع المواطنين في النظام المديني الالتزام بالعهود والمواثيق التي تم إبرامها مع الأمم الأخرى، ولا يحل نقض هذه العقود والمواثيق حتى ولو دخلت أمة من هذه الأمم في حرب وقتال مع مسلمين آخرين من غير مواطني الأمة، فلا يحق للمسلمين في النظام المديني مناصرة المسلمين من خارج النظام المديني على أمة بينها وبين المسلمين في النظام المديني عهد وميثاق حتى ولو كانت غير مسلمة، فلا يحق للمسلمين في النظام المديني نقض هذا العهد ولا ذلك الميثاق).

قال تعالى:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). (72_ الأنفال).

  • · (إن قامت فئة من المسلمين في النظام المديني أو من خارجه بالوقيعة بين المواطنين في النظام المديني أو بين أمة أخرى من خارج النظام المديني وقامت بترويع الناس والاعتداء عليهم فعلى أولي الأمر في النظام المديني وعلى مواطني النظام المديني أن يقاتلوا هذه الفئة أينما وجدوها ويقتلوهم من دون محاكمة، وإن خرجوا من النظام المديني ووصلوا ودخلوا في جوار أمة بيننا وبينها ميثاق فلا يتعرض لهم أحد).

قال تعالى:

(فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوَهُمْ وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً(89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً(90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوَهُمْ وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوَهُمْ وَأُوْلائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً). (91_ النساء).

  • · (حق على جميع أفراد الأمة الواحدة التواصي فيما بينهم بالحق والتواصي بالصبر).

قال تعالى:

(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). (3_ العصر).

  • · (يلتزم أولو الأمر بإعداد ما استطاعوا من قوة في كافة المجالات (البشرية، والعسكرية، والاقتصادية، والعلمية، والصحية، والإنتاجية) لردع وإرهاب أي عدو ظاهر أو خفي من التفكير في الاعتداء على الأمة أو تهديد أمنها، وعلى جميع أفراد الأمة التطوع بالإنفاق بما يقدروا عليه من مال وغيره عبر صندوق يتم إنشاؤه تحت اسم (صندوق بناء قوة الأمة).

قال تعالى:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ). (60_ الأنفال).

  • · (إذا أبرمت الأمة عهدا وميثاقا مع إحدى الأمم، فلابد أن يكون لهذا العهد مدة معلومة يجدد عند انتهائها وفق مصلحة الأمة العامة، ولا تبرم الأمة عهدا إلى أجل غير مسمى، والأمة ملزمة بإتمام العهد إلى مدته، وملزمة بالاستقامة في الالتزام بالعهد ما استقام الطرف الآخر، فلا يحل لها نقضه ما لم ينتقص الطرف الآخر شرطا من شروط ذلك العهد وما لم يبدأ الطرف الآخر بنقضه وما لم يتعاون الطرف الآخر مع عدو للأمة في عدوانه عليها).

قال تعالى:

(إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ). (4_ التوبة).

(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ). (7_ التوبة).

  • · (لبيوت الناس في النظام المديني حرمة، لا يحق لأحد انتهاكها أو دخولها من دون استئذان أصحابها والاستئناس بأهلها والتسليم عليهم، وإذا دعت الحاجة إلى دخولها لضرورة قصوى أو دفع ضرر أو لتفتيشها فلابد من إذن مسبق من الحاكم (القاضي).

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). (27_ النور).

  • · (على الأمة ألا تكون هي البادئة بحرب أو قتال أي من الأمم الأخرى، وإنما تقاتل حين تنقض أي من الأمم الأخرى عهودها ومواثيقها مع الأمة وتتآمر عليها باجتياح أو احتلال أو ترويع لمواطني الأمة أو حين تكون أمة ما من الأمم هي البادئة بالعدوان).

قال تعالى:

(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). (13_ التوبة).

  • · (للمساجد ولدور العبادة الأخرى في النظام المديني مهام محددة هي: ذكر الله والصلاة والدعوة لله وحده ولا يدعى فيها لأحد ولا لشيء غير الله وحض الناس على التقوى والتطهر، أما المسجد أو أي من دور العبادة الأخرى يتم فيها الدعوة لشيء أو لأحد أو لحزب أو لطائفة أو لأي أمر من أمور الدنيا أو من اتخذ منها مقرا لإلحاق الضرر بالناس والتفرقة بينهم أو من اتخذ منها مراصد لإشعال الحروب والفتن في المجتمع فهذا المسجد أو دار العبادة الأخرى يجب إغلاقها تماما ويمتنع على بقية أفراد الأمة القيام أو الصلاة فيها).

قال تعالى:

(وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً). (18_ الجن).

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ). (108_ التوبة).

  • · (على جميع المواطنين في النظام المديني أن يلتزموا بالإشهاد على عمليتي البيع أو الشراء أو كتابتهما، وإن تعذر الإشهاد فيجب كتابة ما تم بيعه أو شراؤه، وهو ما يعرف اليوم بنظام (الفاتورة)، والفاتورة تقوم مقام الشاهد، وللكاتب وللشاهد على الدولة والمجتمع توفير الحماية لهما بعد الكتابة أو الشهادة على عملية البيع أو الشراء فلا يضار كاتب ولا شهيد).

قال تعالى:

(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ). (282_ البقرة).

  • · (يلتزم الناس في النظام المديني حكاما ومحكومين بأن يجيروا من استجار بهم أو لجأ إليهم من أبناء الأمم الأخرى حتى ولو كان من أمة عدوة للأمة، فيجب إجارته وتأمينه إلى أن يرحل هو من نفسه).

قال تعالى:

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ). (6_ التوبة).

  • · (على أولي الأمر في النظام المديني تتبع كل التشكيلات العصابية والإجرامية ممن يطلق عليهم (البلطجية) الذين يقومون بإرجاف المجتمع وتروعيه وتفزيع المواطنين، وعند إثقافهم والإمساك بهم يقتلون على الفور ومن دون محاكمة).

قال تعالى:

(لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً(60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلاً). (61_ الأحزاب).

* (عند حدوث أي نزاع بين مواطني الأمة وبعضهم البعض أو بين أولي الأمر وبعضهم البعض أو بين المواطنين وبين أي من أولي الأمر في أي موقع من مواقع ولاية أمور الناس في أي شيء لم يسن له قانون أو تشريع لجوء المتضرر إلى المحكمة المستقلة التي لا تخضع لولاية الأمر والتي تم إنشاؤها خصيصا للفصل بالحق في هذه المنازعات، وهذه المحكمة تقوم على الحكم بالحق والحق هو الله فهو يقضي بالحق ويحكم بالحق والحق كما سبق تعريفه هو: “مطابقة وموافقة الشيء لحقيقته وصحته وأصله ومواصفاته وهو نقيض الباطل والظن والهوى والضلال”).

قال تعالى:

(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ). (10_ الشورى).

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ). (6_ الحج).

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ). (20_ غافر).

(قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ). (112_ الأنبياء).

(اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ). (17_ الشورى).

  • · (لو نشبت حرب بين الأمة في النظام المديني وبين أمة من الأمم وأثناء القتال طلب فرد أو فرقة أو جماعة من الأعداء المحاربين الأمان والسلام فلا يحق لجنود الأمة قتلهم أو العدوان عليهم حتى يتبين أمرهم فربما يكونوا مخادعين وربما يكونوا مسالمين).

قال تعالى :

(إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). (94_ النساء).

  • · (جميع المواطنين المسلمين في النظام المديني منهيون عن أن يجعلوا من الله عرضة لأيمانهم، فلا يستخدم المسلم اسم الله عرضة للقسم به أو حلف اليمين به كي يثبت للناس أنه بقسمه هذا أو بيمينه هذه بارا وصادقا وتقيا ومصلحا فيما يقول وفيما يفعل، ومن هذا المنطلق يُحْظَر كذلك على المسلمين في النظام المديني استخدام اسم الله أو أي من آيات القرآن أو أي من شعائر الإسلام سواء برسم أو كتابة أو صورة لوضعها على المحال التجارية أو المؤسسات الخاصة أو العامة القاصدة للربح أو لترويج السلع أو بقصد إقبال الناس عليها، أو وضعها على أي شيء آخر بهدف جذب الناس أو تجميعهم، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى :

(وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (224_ البقرة).

  • · (يُحْظَر على جميع المواطنين في النظام المديني إفساد الأرض بكل ما من شأنه تلويثها أو تشويهها أو تسميمها مما يقلل من عائد خيرها على جميع الناس، ومن يخالف هذا يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى :

(وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ). (85_ الأعراف).

(ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). (41_ الروم).

  • · (رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام رسالة لكل الناس وليست حصرا على أتباعه من المسلمين فحسب، فلا منع لأحد من الناس مهما كان دينه أو مذهبه أو طائفته من التزام تعاليمها أو مناقشتها أو طرح الأسئلة عليها أو فهمها أو دراستها أو البحث فيها حتى وإن كان لا يدين بالإسلام).

قال تعالى :

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً). (158_ الأعراف).

  • · (لجميع المواطنين في النظام المديني حق الاختلاف في الفكر وفي الدين وفي المذهب وفي التوجه وفي الرأي وفي التعبير وفي الثقافة وفي الاختيار ما لم يكن في هذا ظلم للآخرين أو انتقاص من حقوقهم وما لم يكن فيه مخالفة للقانون).

قال تعالى :

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ). (119_ هود).

  • · (يٌقَدَّم للمحاكمة بتهمة الاعتداء والظلم ويعاقب طبقا للقانون كل من يقوم بتضليل الناس أو التغرير بهم أو إيهامهم أو الإيقاع بهم أو إلحاق الضرر بهم أو أخذ أموالهم بأي وسيلة من الوسائل بغير علم أو تخصص في المجال الديني أو الطبي أو الهندسي أو الإعلامي أو بالسحر والشعوذة أو في أي مجال من المجالات التي تقتضي ممارستها العلم والتخصص وإفادة الناس، وتضاعف له العقوبة إن تسبب عمله ذلك في إلحاق الضرر المحقق بالآخرين).

قال تعالى :

(وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ). (119_ الأنعام).

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِّيُضِـلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ). (144_ الأنعام).

(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). (25_ النحل).

  • · (لا يؤاخذ المواطن في النظام المديني بخطئه غير المتعمد أو غير المقصود، ويؤاخذ بالخطأ المقصود والمتعمد والناتج عن التقصير والإهمال).

قال تعالى :

(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ). (5_ الأحزاب).

  • · (كل نفس في النظام المديني تكسب جرما أو إثما فعقوبته تقع عليها هي وحدها ولا يعاقب أحد من ذويها ولا يضار أحد منهم ولا أي شخص آخر بعقوبتها، ولا تحمل نفس من وزر سوى وزرها هي فحسب ولا يحمل أحد من أبنائها أو زوجها أو أقاربها شيء من وزرها ولا يُعَايَرون به ولا يلامون عليه، وكل نفس رهينة “ثابتة ممسكة” وحدها بما كسبت، ويعاقب طبقا للقانون من يخالف هذا).

قال تعالى :

(وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). (164_ الأنعام).

(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). (38_ المدثر).

  • · (يعاقب طبقا للقانون كل من يقول قولا يتسبب قوله ذلك في النزغ والوقيعة بين الناس).

قال تعالى :

(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ). (53_ الإسراء).

  • · (من أوقع عقابا بشخص في النظام المديني وهو لا يستحقه عن عمد وقصد يعاقب بمثل ما عاقب به، ولمن وقع عليه العقاب ظلما الحق في أن يصبر ويغفر ويعفو عمن عاقبه من دون إكراه أو إجبار).

قال تعالى :

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). (126_ النحل).

  • · (القصاص في النظام المديني عقوبة غير قاصرة على جريمة القتل والجروح فحسب بل القصاص عقوبة حياتية عامة يعاقب بها في كافة الجرائم والآثام التي يصلح فيها تطبيق القصاص).

قال تعالى :

(وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). (179_ البقرة).

  • · (الأشهر الحرم فريضة دينية إسلامية عظيمة تم نسيانها والغفلة عنها وتُرِك العمل بها، فعلى أولي الأمر في النظام المديني إعادة تذكير الناس وتعريفهم بهذه الفريضة العظيمة وإلزام المسلمين في النظام المديني بمراعاة حرمة هذه الأشهر الأربعة وهي: (ذو الحجة ـ محرم ـ صفر ـ ربيع الأول). وعلى أولي الأمر تعريف المسلمين وتوعيتهم عن طريق مناهج التعليم الخاصة بالمسلمين وعن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بماهية هذه الأشهر وبحرمتها وكيف تكون أفعال المسلمين فيها وأن شن الحروب والقتال محرم ومحظور في هذه الأشهر الأربعة وأن العمل الصالح فيها مضاعف كما أن عقوبة الجرائم والآثام والظلم فيها مضاعفة كذلك، كي يستشعر الناس عظمة هذه الأشهر في قلوبهم فتقل الجرائم والآثام والظلم والخطايا وكي يأمن المجتمع من كافة الشرور في هذه الأشهر الأربعة إذا علم الناس أن العقوبة فيها مضاعفة، وعلى أولي الأمر تقنين ذلك وتشريعه في قانون العقوبات وإلزام الناس به والعمل به في المحاكم).

قال تعالى :

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). (36_ التوبة).

  • · (من انتهك حرمة الأشهر الحرم من الأمم الأخرى وشن حربا على الأمة فعلى مواطني الأمة أن يدفعوا عنهم العدوان ويقاتلوا عدوهم حتى ولو كانوا في الأشهر الحرم قصاصا حقا، فمن انتهك حرمات الأمة واعتدى على أهلها فعلى الجيش في النظام المديني القصاص والاعتداء على حرماتهم، وقياسا على ذلك لو قصفت دولة العدو المدنيين في الأمة فعلى مقاتلي الأمة قصف مدنييهم بالمثل ورد الصاع بصاع مثله، وأي حرمة من الحرمات ينتهكها العدو فيحل للجيش في النظام المديني أن ينتهك حرمة العدو بالمثل، وفي هذا رد على الذين يقولون لا يجوز قتل المدنيين على الإطلاق، فبالفعل لا يجوز في النظام المديني قتل مدنيي العدو إلا لو بدأ العدو بقتل مدنيي الأمة فعندها يجب قتل مدنيي العدو قصاصا، فمن انتهك حرمات الأمة مهما كانت تلك الحرمات يجب انتهاك حرماته بالمثل قصاصا).

قال تعالى :

(الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). (194_ البقرة).

  • · (عند نشوب حرب بين الأمة وبين غيرها من الأمم فلا يحق لمقاتلي الأمة أن يقاتلوا إلا الجنود المقاتلين المحاربين فحسب، ولا يحق لجيش الأمة العدوان على المدنيين غير المحاربين في دولة العدو من الشيوخ والأطفال والنساء ولا الذين لم يشتركوا في القتال من الرجال والشباب ولا يحل لهم أن يتعرضوا لغير المقاتلين بأي لون من العدوان ما لم ينضموا لصفوف المقاتلين).

قال تعالى :

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ). (190_ البقرة).

  • · (عند إبرام الأمة عهدا مع إحدى الأمم ثم اعتادت تلك الأمة على نقض عهدها في كل مرة ونشبت حربا على إثر ذلك فعلى مقاتلي الأمة إذا ثقفوهم أي ظفروا بهم وتمكنوا منهم أثناء الحرب أن يشردوا بهم من خلفهم لعلهم يراعون عهودهم ولا ينقضونها في المرات القادمة).

قال تعالى :

(الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ(56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). (57_ الأنفال).

  • · (عند إبرام الأمة عهدا مع غيرها من الأمم ثم استشعرت الأمة خوفا ما من أن هذه المعاهدة قامت على خيانة وغدر فلا حرج أن تقوم الأمة بنبذ ذلك العهد وإلغائه والانسحاب منه).

قال تعالى :

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ). (58_ الأنفال).

  • · (إذا نشبت حرب أو صراع بين الأمة وبين غيرها من الأمم ثم جنحت تلك الأمة إلى السلم وطالبت بوقف الحرب ودعت إلى السلم فعلى الأمة أن تجنح إلى السلم وتوقف القتال على الفور).

قال تعالى :

(وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ). (61_ الأنفال).

  • · (عند قيام جيش الأمة بأسر بعض الجنود الأعداء في حرب ما من الحروب فعلى أولي الأمر أن يتعهدوا هؤلاء الأسرى ويخبروهم بأنهم لو أثبتوا حسن نيتهم وأبدوا أنهم لن يشاركوا في أي حرب أخرى ضد الأمة فعلى أولي الأمر أن يقوموا بتعويضهم عما خسروه في الحرب بل ويزيدوهم بأكثر مما خسروه).

قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (70_ الأنفال).

* (الجزية في النظام المديني هي أثر من الآثار المترتبة على نتيجة الحرب بين المسلمين وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فلو نشبت حرب بين المسلمين وغير المسلمين من غير أهل الكتاب أي بين المسلمين والوثنيين أو المجوس مثلا وانتهت الحرب لصالح المسلمين فيترتب على ذلك الاستمرار في قتال المحاربين منهم والمقاتلين أينما وجدوا ولا يتوقف قتالهم إلا في حال استسلامهم كأسرى أو إعلانهم التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أما لو نشبت الحرب بين المسلمين وبين أهل الكتاب سواء من اليهود أو النصارى وانتهت الحرب لصالح المسلمين فعلى المسلمين الاستمرار في قتال المقاتلين المحاربين منهم إلى أن يطلبوا إيقاف الحرب ودفع الجزية في مقابل عدم استسلامهم أو اتخاذهم أسرى أو عدم إعلان توبتهم، وفي هذا امتياز وتفضل لأهل الكتاب عن غيرهم من غير المسلمين المحاربين لا ينتبه له كثير من الناس، فالجزية هي أثر من آثار الحرب وليست تشريع يتم فرضه على أهل الكتاب في غير القتال، بل ولا يدفع الجزية من المحاربين منهم إلا القادر على الدفع لقوله تعالى: (عن يد وهم صاغرون). واليد هنا بمعنى القدرة والاستطاعة، مما يعني أن حتى غير القادرين على دفع الجزية من المحاربين من أهل الكتاب فلا تؤخذ منهم ويتم إعفاؤهم منها.

قال تعالى في شأن المحاربين من غير أهل الكتاب:

(فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (5_ التوبة).

وقال تعالى في شأن المحاربين من أهل الكتاب:

(قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). (29_ التوبة).

  • · (حين يحتدم القتال ويحمى الوطيس بين جيش الأمة وجيش دولة معادية فعلى جنود الأمة ضرب رقاب العدو حتى يثخنوهم أي ينهكوهم ويضعفونهم فإذا ضعف جنود العدو وأُنْهِكًوا فلا يحل لجيش الأمة قتلهم بل على جنود الأمة أن يشدوا وثاقهم ويمسكوا بهم ويقبضوا عليهم فإما أن يمنوا عليهم بإطلاق سراحهم أو يفتدوا بهم أسرى الأمة الذين وقعوا في قبضة العدو).

قال تعالى :

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوَهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا). (4_ محمد).

  • · (الأسرى في النظام المديني يعاملون معاملة إنسانية كريمة ويطعمون من أحب وأزكى الطعام في الأمة من دون مَنٍ عليهم أو أذى لهم وإنما إكراما لوجه الله ومن دون انتظار جزاء منهم أو شكر).

قال تعالى :

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً). (9_ الإنسان).

  • · (إذا تعرض المسلمون في النظام المديني إلى سماع الأذى القولي أو اللفظي أو رأوا هزوا ولعبا من غير المسلمين بأي من شعائرهم فعلى المسلمين أن يلتزموا عزم الأمور بالصبر والتقوى وعدم التعرض لهؤلاء بأي رد أو انتقام).

قال تعالى.

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ). (98_ الحجر).

(فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ). (76_ يس).

* (لا عقوبة في النظام المديني تسمى “حد الردة” وهي عقوبة القتل التي يقال أنها يعاقب بها من ارتد عن الإسلام، فالمرتد لا عقوبة له في الدنيا وإنما عقوبته عند الله يوم القيامة، وآيات القرآن قطعت بهذا، بل إن الله أمرنا حتى بعدم الحزن على من يكفر بالإسلام أو يرتد عنه، أما ما يسمى بـ “حد الردة” الذي قال به بعض الفقهاء القدامى، فقد قالوا به نتيجة فهم خاطئ لبعض أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي جاء فيها أن رسول الله قال: (‏من بدل دينه فاقتلوه‏). (‏رواه البخاري من حديث ابن عباس. والحديث الآخر: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهَ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ذكر منها: (التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ). فأما الحديث الأول فلم يرد في نصه “الردة عن الإسلام” وإنما تحدث عن “تبديل الدين” ونلحظ هنا أنه تحدث عن تبديل الدين ولم يتحدث عن “الردة عن الدين” وكذلك وردت كلمة “دينه” نكره والنكرة تفيد عموم الدين أي دين وليس الإسلام، فلو قلنا أن من بدل دينه يقتل فيلزم هذا ليس قتل من بدل دين الإسلام فحسب بل يلزم قتل كل شخص على دين آخر غير الإسلام يقوم بتبديل دينه، فمن بدل المسيحية بدين آخر يقتل ومن بدل اليهودية بدين آخر يقتل ومن بدل ديانته الوثنية بدين آخر يقتل، بل هذا يوجب قتل من بدل دينه ودخل الإسلام كذلك، إنما الفهم الصواب لهذا الحديث أن من بدل دينه وليس الدين هنا بمعنى “الإيمان أو العقيدة” وإنما بمعنى من بدل “عهده أو ميثاقه أو ذمته” إذ “العهد والذمة والميثاق” بين الناس دوما ما تكون في المعاهدة على السلم والأمان وكف العدوان، فمن بدل هذا العهد وغدر وخان من تعاهد معهم وقام بعدوان أو تفزيع للناس أو تهديد لأمنهم هذا هو من يجب قتله. أما الحديث الآخر فيقول: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ذكر منها: (التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ). كذلك هذا الحديث لا يعني أن من ارتد عن الإسلام من المسلمين يقتل، بل الحديث يقول لو أن الجماعة في النظام المديني اتفقوا وتوافقوا على إبرام عهد أو ميثاق أو ذمة مع أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات البشرية الأخرى يصبح هذا العهد دينا يلتزم به جميع أفراد الجماعة فلا يحل لفرد من الجماعة ترك هذا العهد أو نقضه أو الخروج على هذا العهد بمفرده ومفارقة بقية الجماعة ودون وجه حق فهذا هو من يجب قتله. أما الخروج من الإسلام والردة عنه فلا عقوبة له في الدنيا بل لا يجب حتى الحزن على من فعل هذا.

قال تعالى :

(وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً). (176_ آل عمران).

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ). (41_ المائدة).

(وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا).ِ (23_ لقمان).

  • · (يحظر في النظام المديني صناعة الخمور والمخدرات بكافة أنواعها ويحضر تداولهما وبيعهما وشراؤهما، ولا يسمح باستخدامهما إلا في الشأن الطبي والعلاجي، ويحظر مزاولة الميسر (القمار) بكافة صوره وأشكاله، ومن يخالف يعاقب طبقا للقانون).

قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ). (91_ المائدة).

  • · مؤسسات وآليات نظام الحكم في “النظام المديني”:

يعتقد أكثر الناس أن الإسلام ليس به نظاما سياسيا يقوم على مؤسسات كتلك التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الغربي، وأقصد بالمؤسسات هنا البرلمانات الشعبية والهيئات القضائية المستقلة وأجهزة الرقابة التي تقوم بمراقبة الحكومة كالإعلام والصحافة والبرلمان وغيرها، وكذلك يعتقد أكثر الناس أن الإسلام ليس به آليات لاختيار الحاكم أو عزله كتلك التي في النظام الديمقراطي الغربي كآلية الترشح للرئاسة ولعضوية البرلمان وآلية الانتخابات أو التصويت أو الاقتراع، أما التيارات الإسلامية وفي أحسن ظنونهم وأقوالهم ومدى مبلغهم من العلم يردون على هؤلاء بالقول: إن الإسلام به نظام الشورى ونظام البيعة ونظام أهل الحل والعقد. ذلك ظن الذين لا يعلمون من هؤلاء وأولئك.

إن ما لا يعلمه هؤلاء وأولئك أن الإسلام الدين العظيم قد أرسى قواعد “النظام السياسي المديني” الذي هو في حقيقته أكثر روعة وإنسانية وأخلاقا وقيمة من كل الأنظمة السياسية الغربية مجتمعة وعلى رأسها النظام الديمقراطي الليبرالي، إلا إن آليات ومؤسسات النظام السياسي الإسلامي المديني، لم يسبق وأن تم ترجمتها في مؤسسات واقعية حقيقية ولم يسبق وأن تم ترسيخها في مواد وتشريعات دستورية وقانونية كالتي نراها الآن في عصرنا الحالي، وذلك يعود لسببين رئيسيين قد سبق ذكرهما في هذا الكتاب، الأول: إن الفكر الإنساني بشكل عام والفكر السياسي بشكل خاص في القرن السابع الميلادي وقت وجود الرسول وصحابته لم يكونا قد تطورا إلى الشكل الحديث للمؤسسات والآليات السياسية. السبب الآخر: ذلك الانقلاب السياسي المؤسف الذي قام به بعض صحابة الرسول في سقيفة بني ساعدة عقب موته عليه الصلاة والسلام مباشرة. إلا إن كل ذلك لم يمنع من بقاء المؤسسات السياسية الإسلامية المدينية والآليات السياسية الإسلامية المدينية لنظام الحكم المديني مجرد أوامر وتوجيهات قرآنية ونبوية حبيسة القرآن الكريم وحبيسة كتب السير لأربعة عشر قرنا من الزمان، وقد آن الأوان لاستخراج هذه المؤسسات والآليات السياسية الإسلامية المدينية إلى النور وتقنينها في قوانين دستورية وتشريعية وتحويلها إلى مؤسسات رسمية حقيقية تُمَارَس السياسة من خلالها بطريقة عادلة مقسطة نظيفة طاهرة محترمة لا تقصي أحدا ولا تتجاوزه.

ولقد قدمت في الفصلين السابقين الوثيقة الدستورية الإسلامية المدينية العالمية التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيفة، وكذلك قدمت المبادئ الدستورية القرآنية المدينية العالمية اللتان تصلحان للتطبيق في أي دولة من دول العالم. أما الفصول التالية فأقدم فيها عرضا مفصلا للمؤسسات السياسية والآليات السياسية والمعايير السياسية لنظام الحكم السياسي الإسلامي المديني كما ورد في آيات القرآن الكريم.

  • · القيادة والزعامة في النظام المديني:

هل تموت الأمم بموت قادتها؟، سؤال يجيب عليه القرآن الكريم لينفي أكذوبة وخدعة ومهزلة “القائد الكارزمي” و”الزعيم الملهم” لقد ظل القرآن الكريم يوجه الذين آمنوا واتبعوا النبي محمد عليه الصلاة والسلام منذ اليوم الأول لبعثته إلى تعميق الفصل التام في نفوسهم بين حياة أو موت شخص النبي عليه الصلاة والسلام وبين وجود وبقاء الإسلام كدين، ما يعني أن وجود أو غياب أو حياة أو موت شخص النبي عليه الصلاة والسلام لا يمثل عاملا أساسيا في وجود وبقاء الإسلام كدين، لذلك ظلت التوجيهات الربانية تتوالى في هذا الصدد لتربية الفرد المؤمن على تنمية الشعور بحريته واستقلالية كيانه الآدمي وتعويده على أن يكون مسئولا وحده وبمفرده عن كل أفعاله وقناعاته واختياراته، وكذلك تعويده وتربيته على ألا يربط مصيره وحياته وتصوراته وفكره ومعتقداته وخياراته بزعيم ما أو قائد ما حتى ولو كان ذلك القائد أو الزعيم هو شخص النبي محمد عليه الصلاة والسلام. فقد أمر الحق سبحانه رسوله بأن يعلن للناس جميعا أنه بشر مثلهم لا فضل له ولا تفضل عليهم رغم تكليفه بمهمتي الرسالة وإبلاغ الوحي، بل طالب من آمن بما جاء به الوحي أن يلتزم بمسئولية وبمحض اختياره بمقتضيات هذا الوحي من عمل صالح ونبذ الخضوع والعبودية لأحد إلا الله وحده، فقال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (110_ الكهف).

بل زاد الله لهم في تأكيد ذلك الفصل بين شخص النبي وبين الدين كدين حين أخبر أن ما يقوله محمد عليه الصلاة والسلام لكم من وحي ودين ما كان له أن يتقوله من تلقاء نفسه أو يكذب عليكم أو يخادعكم ولو فعل ذلك لكان جزاؤه التالي: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ(46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (47_ الحاقة). بل أكد لهم الحق سبحانه ذلك الفصل التام بين شخص النبي وبين الرسالة التي يقوم بتبليغها للناس حين أمره سبحانه أن يخبر الناس بأنه مكلف مثلهم بما يقوله لهم وبما يأمرهم به وأنه ليس استثناء في أن يخالف ما يدعو الناس إليه وليست له مزية في أن يقول شيئا ويفعل خلافه بل لو فعل وخالف ما يدعو إليه سيناله من العقوبة أضعاف ما سيناله غيره من الناس، فقال: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (15_ الأنعام).

بل قرر لهم الحق سبحانه حقيقة كبرى وهي أن اختيارنا لمحمد عليه الصلاة والسلام للقيام بأداء هذه المهمة وبتبليغ تلك الرسالة لا يعني له أن يكون وصيا على الناس أو وكيلا عليهم أو حفيظا، فقال: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) (107_ الأنعام). وقال: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (80_ النساء). بل لقد زاد الله لهم الأمر فصلا وتفريقا بين شخص النبي وبين ما يدعو إليه من دين وما يقوم بتبليغه للناس من رسالة، وأن حياته عليه الصلاة والسلام ليست مرتبطة ارتباطا عضويا بإقامة هذا الدين، وكذلك حياته عليه الصلاة والسلام ليست ضرورية لوجودكم كأمة آمنت بهذا الدين، وليست ضرورية لبقاء هذا الدين واستمراره، فأعلنها الحق سبحانه صريحة مدوية: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) (30_ الزمر)، يا لها من توجيهات وحقائق وتربية تطيح بكل صور وأشكال الخضوع والتبعية وربط مصائر الأمم بالزعماء والقادة حتى ولو كان ذلك الشخص أو ذاك القائد هو شخص النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن هو دونه؟؟.

وقد يسأل سائل ويقول: وهل أثمرت التوجيهات الربانية العظيمة هذه والتربية القيمة تلك شيئا ملموسا في نفوس الذين تربوا على هذه التوجيهات من أتباعه عليه الصلاة والسلام؟. أقول نعم، بل كانت لهذه التوجيهات وهذه الحقائق الربانية وهذا الفصل التام بين شخص النبي محمد وبين الرسالة التي يقوم بمهمة تبليغها للناس أهمية قصوى لا يدركها إلا الراسخون في العلم، تبرز هذه الأهمية في تكوين أمة حية حرة فعالة تشعر بكيانها وتقوم بمسئولياتها في شتى الظروف ولا تربط مصائرها ولا حاضرها ولا مستقبلها بزعيم أو قائد تحيى بحياته وتموت بموته، ولقد أينعت ثمار ذلك التوجيه الرباني في نفس الصحابي النموذج المسئول أنس بن النضر حين فشت شائعة مقتل النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد، فماذا حدث يومها؟؟.

أخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. يا قوم إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم. قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك ممَّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. فشد بسيفه فقاتل حتى قتل. فأنزل الله قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (144_ آل عمران). يا لها من تربية وتعاليم ربانية تعلم الأمة إن هي أرادت أن تتعلم كيف تقود مصيرها بنفسها فردا فردا حتى وإن مات قائدها أو قتل في ساحات الوغى.

وكذلك قد تمثلت معالم هذه التربية الربانية العظيمة في الصديق أبي بكر، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ الله فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَقَالَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). (رواه البخاري: كتاب المناقب).

ونعود لنجيب على سؤال المقال (هل تموت الأمم بموت قادتها؟)، أقول: نعم تموت الأمم حين يموت قادتها، وتمرض الأمم حين يمرض قادتها، ذلك حين تخلو الأمم من فكرة وقيمة إنسانية وأخلاقية تجمع الشعوب والقادة في ظلالها، فإن وجد الفكر ومات القادة يبقى الفكر تستظل به الشعوب وتلتف حوله، فالأفكار لا تموت بموت القادة ولا بموت الشعوب، أما إذا خلت الشعوب من الفكر وأوكلت أمرها إلى قادتها يعبثون بمصائرها وحاضرها ومستقبلها فحتما تموت الشعوب حين يموت قادتها، وتمرض الأمم حين يمرض قادتها، إن الأمة التي تربط حياتها ومصيرها وحاضرها ومستقبلها بحياة القائد وبقائه وزعامته وكارزميته لهي أمة لا تستحق الحياة، بل عار على الحياة أن يكون على قيدها أمة كهذه.

  • · المؤسسة الرئاسية في “النظام المديني”:

قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء : 59).

هذه الآية الكريمة تقنن لما يسمى الآن “المؤسسة الرئاسية” فبدأت بإلزام جموع الأمة ابتداءً بوجوب طاعة الله وطاعة الرسول، أما طاعة الله فهي الالتزام بالمبادئ القرآنية الدستورية التي عرضناها في فصل “المبادئ القرآنية لدستور “النظام المديني”. وأما طاعة الرسول فهي وجوب الالتزام بالبنود الدستورية لصحيفة “النظام المديني”. أو ما يطلق عليهما الآن الالتزام بـ “الدستور والقانون”. أما قول الله في الآية: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ). هذا الجزء من الآية يقنن لعدة أمور هامة هي:

الأمر الأول: لم يأت نص الآية هكذا: “وأطيعوا أولي الأمر منكم”، وإنما أتي هكذا: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ). من دون ذكر كلمة (وأطيعوا)، وفي هذا دلالة قاطعة على أن “أولي الأمر” ليست لهم على الناس طاعة مستقلة عن طاعة الله وطاعة الرسول “الدستور والقانون”، أو ما يسمى اليوم :حكم الفرد”، لذلك تم عطف أولي الأمر على طاعة الله وطاعة الرسول لتبيان أن طاعة أولي الأمر تكون في التزامهم بـ “طاعة الله وطاعة الرسول” أي في التزامهم بـ “الدستور والقانون”، وتقنين هذا يقضي على حكم الفرد.

الأمر الثاني: عبارة (أُوْلِي الأَمْرِ)، وردت بصيغة الجمع، ولم ترد بصيغة المفرد هكذا: (ولي الأمر)، وورودها بصيغة الجمع يؤكد أن الرئاسة العامة أو الولاية العامة تتكون من عدد من أولي الأمر أو عدد من الرؤساء ولا يتولاها شخص بمفرده، وهذا يقنن لأن تكون المؤسسة الرئاسية عبارة عن “مجلس رئاسي” يشارك فيه ممثل من كل طائفة من الطوائف المكونة للأمة الواحدة، ويرأس هذا المجلس الرئاسي شخص واحد يتم اختياره من بين أعضاء المجلس الرئاسي عن طريق “القرعة” وليس الانتخاب، كضمانة لعدم التلاعب بالانتخاب وعدم تحيز بقية ممثلي المجلس لشخص على آخر، وقد تأتي آلية “القرعة” بشخص مسلم أو مسيحي أو سني أو شيعي أو بهائي أو كاثوليكي أو إخواني أو سلفي أو أي شخص آخر من ممثلي الطوائف الأخرى، والقانون هو الذي يحدد صلاحيات المجلس الرئاسي ويحدد صلاحيات رئيسه طبقا للمبادئ القرآنية الدستورية للنظام المديني وطبقا لبنود الصحيفة الدستورية للنظام المديني.

الأمر الثالث: قوله: (مِنكُمْ). هذه الكلمة تقنن لمعيار مهم من معايير اختيار “أولي الأمر” فكلمة: (مِنكُمْ). تقنن لمن يلي أمر الناس في هذه الأمة يجب أن يكون من مواطني الأمة، وكذلك كلمة: (مِنكُمْ). تقنن أن يكون هذا الشخص ممن يلتزم بمبادئ الدستور المديني وبنود الصحيفة الدستورية المدينية، ولا يكون ممن يعرف عنه خرق مبادئ الدستور المديني أو خرق بنود الصحيفة المدينية، ويؤكد هذه الدلالة لكلمة: (منكم) قوله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ). (56_ التوبة). إذن ليس كل من يدعي كذبا أنه من هذه الأمة وهو غاش لها ضار لأهلها يعتبر من أهل هذه الأمة المخلصين.

الأمر الرابع: كذلك قوله: (مِنكُمْ). يقنن لمعيار مهم آخر من معايير اختيار “أولي الأمر” ألا وهو أن يكون ولي الأمر أو المسئول من اختيار أفراد الأمة بأنفسهم وليس هو الذي يعرض نفسه على الناس لينتخبوه كما يحدث الآن في المهازل الانتخابية الديمقراطية، إنما أفراد الأمة في كل طائفة هم من يختارون بأنفسهم ويتوافقون على من يمثلهم ومن يلي أمرهم ممن يرضون خلقه وعلمه وأمانته من دون الدخول في مهزلة ما يسمى بـ “الانتخابات”، فأفراد الأمة هم من يشهدون لمن يمثلهم وهم من يختارون من يلي أمرهم بأنفسهم من دون أن يعرض أحد نفسه عليهم. وفي حال تعدد الاختيارات فتستخدم عندئذ آلية “القرعة” التي لا هزل فيها ولا محاباة ولا تحايل ولا تضليل.

الأمر الخامس: قوله في الآية: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ). هذا الجزء من الآية يقنن لتأسيس محكمة مستقلة تحكم بين أفراد الأمة وبين أولي الأمر عند نشوب تنازع بين بعضهم بعضا، والرد إلى الله يكون بالاحتكام إلى المبادئ الدستورية القرآنية المدينية سالفة الذكر، والرد إلى الرسول يكون بالاحتكام إلى بنود الصحيفة الدستورية المدينية سالفة الذكر التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام لأمة المدينة.

الأمر السادس: تطبيق آليات هذه الآية ليس في المؤسسة الرئاسية فحسب، بل في كل مواقع المسئولية وولاية أمر الناس في جميع مؤسسات الأمة كالوزارات، والمحافظات، ورئاسة الجامعات، وعمادة الكليات، ورئاسة المجالس المحلية، وعمدة القرية وفي غيرها من مؤسسات الأمة.

  • · مناقشة هذه الآية في ضوء فهم الفقهاء:

لو عدنا لنص الآية وقمنا بقراءتها مرة أخرى لوجدنا أن المنطوق الحرفي الحقيقي لنص هذه الآية لا يعني جملة وتفصيلا ما قصده الفقهاء والأصوليون من مفهوم يقول إن على المسلمين طاعة أولي الأمر في التشريع الديني ويقصدون بهم المجتهدين وفقهاء الدين، فنص الآية يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء : 59]، هذه الآية توجه الخطاب إلى الذين آمنوا كل الذين آمنوا بأن يطيعوا الله ورسوله، إلا أن الفقهاء ظنوا أن ذكر عبارة (أولي الأمر) بعد عبارة: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) أن (أولي الأمر) ينضمون إلى الله والرسول في وجوب طاعتهم وأن لهم طاعة مستقلة عن طاعة الله ورسوله وأن طاعتهم مفروضة وواجبة على الذين آمنوا كفرض ووجوب طاعة الله ورسوله، ومن هنا كانت الكارثة التي حلت بالمسلمين طيلة تاريخهم الديني.

وبالعودة إلى نص الآية مرة أخرى سنجد أن الأمر بالطاعة لم يسبق عبارة (أولي الأمر منكم)، وإنما اقتصر فقط على الله ورسوله دون أولي الأمر، قال تعالى: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، فلم يأت في الآية الكريمة الأمر بطاعة أولي الأمر، فلم يقل الله مثلا: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم) هذا غير موجود في نص الآية على الإطلاق، وهذا يعني أن الخطاب الإلهي موجها إلى الذين آمنوا جميعهم بما فيهم أولوا الأمر بطاعة الله ورسوله، أي أن الله أمر الذين آمنوا بأن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم كذلك واجب عليهم أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول وتطيعوهم أنتم في تنفيذهم لطاعة الله وطاعة رسوله، ويؤكد هذا المعنى ما جاء في ختام الآية من توجيه لعامة الذين آمنوا ولأولي الأمر إذا تنازعوا في شيء أن يردوه لله ولرسوله فقط، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء : 59]، فلو كان الله كما فهم الفقهاء والأصوليون قد فرض على الذين آمنوا طاعة أولي الأمر كما فرض طاعة الله وطاعة رسوله، فلماذا لم يذكر أولي الأمر في حال الرد عند تنازع الذين آمنوا؟، بل ذكر أن الرد عند التنازع يكون لله والرسول فقط، فعدم ذكر أولي الأمر في الشطر الثاني من الآية يؤكد على أن أولي الأمر لم يفرض الله لهم طاعة مستقلة على الذين آمنوا كما فهم الفقهاء والأصوليون، بل لو كانت طاعة أولوا الأمر مفروضة على الذين آمنوا لوجب الرد إليهم عند التنازع كذلك.

كذلك زعم فقهاء أصول الفقه ما يلي: (أن الله سبحانه في القرآن كما أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله أمرهم بطاعة أولى الأمر منهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء : 59] ولفظ الأمر معناه الشأن وهو عام يشمل الأمر الديني، والأمر الدنيوي، وأُولي الأمر الدنيوي هم الملوك والأمراء والولاة وأولو الأمر الديني هم المجتهدون وأهل الفتيا. وقد فسر بعض المفسرين على رأسهم ابن عباس أُولي الأمر في هذه الآية بالعلماء، وفسّرهم آخرون بالأمراء والولاة، والظاهر التفسير بما يشمل الجميع وبما يوجب طاعة كل فريق فيما هو من شأنه. فإذا أجمع أولو الأمر في التشريع وهم المجتهدون على حكم وجب اتّباعه وتنفيذ حكمهم بنص القرآن) انتهى.

الآية السابقة طبقا للقائلين بوجوب طاعة (أولي الأمر) كوجوب طاعة الله وطاعة رسوله قد تخبطوا كثيرا في تحديد من المقصود بأولي الأمر، فطائفة قالت: هم الأمراء والملوك والحكام، وطائفة قالت: هم المجتهدون وأهل الفتيا، وطائفة قالت: هم الاثنان معا وكل في مجاله، فتجب طاعة الحكام والملوك والأمراء في شئون الحكم والدنيا، وتجب طاعة العلماء والفقهاء وأهل الفتيا في الأمور الدينية، لكنهم لم يذكروا لنا ماذا لو تعارضت طاعة الحكام والأمراء مع طاعة الفقهاء وأهل الفتيا؟، فهل يطيع الناس الفقهاء وأهل الفتيا ويعصوا الأمراء والحكام؟، أم هل يطيعوا الأمراء والملوك ويعصوا الفقهاء وأهل الفتيا؟، وألا يمكن أن يحدث ذلك انشقاقا وربما اقتتالا بين أنصار الملوك والأمراء وبين أنصار الفقهاء وأهل الفتيا؟ هذه الأسئلة وغيرها لم يجب عليها فقهاء أصول الفقه وتركوها خالية من أي مناقشة أو تحليل أو جواب. وكذلك لم يذكر لنا فقهاء أصول الفقه ما هي حدود طاعة أولي الأمر؟، هل هي طاعة مطلقة؟، أم مقيدة؟، وهل إيجاب طاعة أولي الأمر يجعل من أحكامهم وتشريعاتهم أحكاما وتشريعات دينية تضاهي أحكام الله؟، وإذا لم تكن أحكامهم وتشريعاتهم أحكاما وتشريعات دينية يحق للمرء الأخذ منها والرد عليها فلماذا أوجب الله على المؤمنين طاعتهم؟، مع الأخذ في الاعتبار أن أولي الأمر سواء كانوا أمراء وملوكا أو فقهاء وأهل فتيا هم أناس غير معصومين من الخطأ، بمعنى أنه من الممكن ومن المتوقع أن يصدر منهم الظلم والجور والخطأ، فكيف يوجب الله طاعة من يمكن أن يصدر منهم الخطأ والظلم والجور؟.

كل هذه الأسئلة وغيرها تركها فقهاء أصول الفقه دون جواب، وترك الجواب على هذه الأسئلة منذ قرون طويلة قدم لكثير من الأمراء والحكام مبررات مشروعة ومسوغات دينية في ظلم الناس وقهر الشعوب مستظلين في ذلك بوجوب طاعة ولي الأمر فيما يقول وفيما يفعل، وكذلك شرعن لكثير من فقهاء الدين عبر العصور الإسلامية إلزام الناس بأحكام وفتاوى وتشريعات عدوها أحكاما وتشريعات دينية، وهي محض آراء بشرية فيها الصواب وفيها الخطأ. إذ لا يمكن أن يأمر الله بطاعة أولي الأمر طاعة مطلقة في كل آرائهم، سواء الصواب منها أو الخطأ، بل ومن المحال أن يظن عاقل مجرد الظن أن آراء أولي الأمر وفتاواهم التي لا تتعدى كونها اجتهادا بشريا من المحال أن تكون أحكاما دينية أو تشريعات دينية تضاهي تشريعات وأحكام الله ورسوله كما قال فقهاء أصول الفقه.

ولو قلنا إن الآية تفرض على الناس طاعة أولي الأمر، وأن طاعتهم واجبة كطاعة الله ورسوله، فالأمر لا يتعدى أن تكون طاعتهم واجبة في تنفيذ طاعة الله ورسوله، بدليل أن الله لم يذكر في الآية (وأطيعوا أولي الأمر منكم)، وإنما قال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، مما يدل على أن الطاعة الواجبة والمفروضة هي في الأساس طاعة الله ورسوله، أما طاعة أولي الأمر فتكون في تنفيذهم لطاعة الله ورسوله، ونظير ذلك في العصر الحالي في وجوب التزام أولي الأمر وبقية الناس بالقانون والدستور، والناس في ذلك واجب عليهم طاعة ولاة الأمر في تطبيقهم وتنفيذهم للقانون والدستور، أما إذا خرج ولاة الأمر على القانون وعلى الدستور العام الذي ارتضاه الناس لحكمهم فعندها لا طاعة لولاة الأمر على الناس.

  • · اختيار أولي الأمر وعزلهم في “النظام المديني”:

اختيار الحاكم أو ولي الأمر في المؤسسات السياسية والقانونية والعلمية والإقليمية المحلية في “النظام المديني” لا يتم عبر مهازل ما يسمى بـ “الترشح” وما يسمى بـ “الانتخابات” أو “التصويت”، هذه المهازل التي يقوم عليها “النظام الديمقراطي” لا وجود لها على الإطلاق في النظام السياسي المديني، ولا ينبغي لها أن توجد، بل يجب أن يمنعها القانون ويجرمها كذلك، تجنبا لما يحدث في هذه المهزلة الديمقراطية من غش وخداع وتدليس وتزوير وشراء أصوات وكذب على الناخبين واستخفاف بهم وشراء ذممهم وإهدار مئات الملايين من أموال الأمة على الدعايات الانتخابية وعلى إجراء عملية الانتخابات وغير ذلك مما تسببه الانتخابات من نزاع وقتال واقتتال وإشاعة لروح التشاحن والعداوة والبغضاء بين الناس، وكذلك تجنبا لتلاعب وسائل الإعلام المأجورة والإعلاميين المأجورين في توجيه الناس نحو ما يريد أصحاب المال والنفوذ من تجار المخدرات وتجار السلاح وأصحاب الشركات العملاقة وأصحاب النفوذ والأغنياء الجهلاء ورجال الأعمال اللصوص الذين يستأجرون الكتاب والصحفيين والمذيعين والمذيعات للدفع بهم نحو توجيه الرأي العام إلى الوجهة التي يريدها هؤلاء الشياطين.

أما آلية اختيار أولي الأمر في أي مؤسسة في “النظام المديني” هي آلية قرآنية عظيمة لا مثيل لها في قيمتها وعدالتها ونظافتها وقسطها في أي نظام سياسي آخر على الإطلاق، وهي آلية: “الشهادة على الناس”. وآلية الشهادة هذه هي حق قرآني عظيم منحه الله لجميع أفراد الأمة بلا استثناء، وقد قنن الله هذا الحق العظيم لجميع طوائف الأمة بقوله تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. (143_ البقرة).

وقوله تعالى:

{وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. (23_ الحج).

فجميع أفراد الأمة من جميع الطوائف مهما كانت أحوالهم أو أعمارهم أو مواقعهم لهم الحق في اختيار من يحكمهم ومن يمثلهم من أبناء طوائفهم المختلفة بأنفسهم وبتوافقهم عليه من دون أن يعرض أحد نفسه عليهم، بل هم من يختاروا لأنفسهم وبأنفسهم الأنسب والأصلح، فهم شهداء للناس وشهداء على الناس، فلكل طائفة أن تختار من أبناء طائفتها من تشهد له بالنزاهة والشرف والأمانة والعلم والتخصص ليمثل الطائفة في المجلس الرئاسي أو في أي موقع آخر، وإن تعددت الاختيارات واختار الناس أكثر من شخص يتم استخدام آلية إجراء “القرعة” عليهم ليتولى أحدهم من دون ظلم أو جور أو محاباة أو تحيز لأحدهم، ويمكن للشعوب أن تنظم مؤسسات مدنية للشهادة على الناس وفق الطريقة التي يرونها مناسبة لهم.

أما حق الشعوب في عزل الحاكم أو ولي الأمر فقد قرره الله في قوله:

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. (105_ التوبة).

يقنن هذا النص القرآني العظيم أن الناس في “النظام المديني” لهم كامل الحق الذي يكفله لهم الدستور المديني في عزل ولي الأمر أو الحاكم أو المسئول لكن لا يكون ذلك إلا بعد أن يأخذ الحاكم أو ولي الأمر أو المسئول مهلة وفترة من الوقت ولتكن سنة أو أكثر أو أقل حسب ما ينص عليه القانون ليرى الناس عمله ويراقبوه ويحاسبوه فإن أحسن وأصلح وأصاب فهم شهداء له، وإن رأى أبناء أي طائفة أن من يمثلهم في أي موقع اختاروه ليس كفئا وليس أمينا على ما ائتمنوه عليه فهم شهداء عليه ولهم كامل الحق في عزله على الفور ويختاروا من هو أنسب وأصلح لهم منه، وهكذا في كل مواقع المسئولية وولاية الأمر، ويحق لهم تنظيم عملية رؤية عمل المسئولين ومراقبتهم ومحاسبتهم في مؤسسات مدنية ينظمها ويحددها القانون وهذا حق قانوني لجموع الناس يكفله لهم الدستوري المديني بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. (105_ التوبة).

أما آلية ما يسمى الآن “الاعتصام والعصيان المدني” فهو حق مشروع لجميع الناس في النظام المديني كفله لهم القرآن العظيم بل إن جميع أفراد الأمة مأمورون بعدم طاعة أي حاكم أو ولي من أولياء الأمر ومأمورون بعصيانه وعدم الالتزام بولايته عليهم أو حكمه فيهم إن أسرف في ظلم الناس أو قام بسرقة أموالهم أو ظهر منه فساد ما في مباشرته لولايته أو لم يحكم بين الناس بالعدل ولم يقسط بينهم ولم يقم بالحق فيهم، وإن لم تفعل الأمة ذلك تأثم الأمة جميعها.

قال تعالى:

(وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ(151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ). (152_ الشعراء).

ضوابط الشهادة على الناس:

الضابط الأول: لم يكن الله سبحانه ليشرع هذه الآلية من دون ضوابط تضبطها حتى لا يُظْلَم أحد أو يُجَار عليه، من هذه الضوابط أن تكون شهادة الأمة لشخص أو على شخص بعلم وليس بظن أو شك أو ريب لقوله تعالى: {وما شهدنا إلا بما علمنا} (_ يوسف).

الضابط الثاني:

أن تكون شهادة الأمة على الناس مستندة في شرعيتها إلى شهادة الرسول عليهم، وشهادة الرسول عليهم تكون في التزام جموع الأمة في الشهادة على الناس بما جاء في بنود الصحيفة الدستورية التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة. كذلك تكون الشهادة على الناس مستندة في شرعيتها إلى الاعتصام بالله والاعتصام بالله يكون بالالتزام في الشهادة على الناس بالمبادئ الدستورية القرآنية سالفة الذكر، وقد أقر الله ذلك في الآيتين التاليتين:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. (143_ البقرة).

وقوله تعالى:

{وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. (23_ الحج).

وعند التنازع أو الاختلاف يتم اللجوء إلى المحكمة المستقلة التي تستند في الفصل بين الناس على المبادئ الدستورية القرآنية للنظام المديني وعلى بنود الصحيفة الدستورية للنظام المديني.

وبذلك يصبح جميع أفراد الأمة هم حراس المبادئ الدستورية وحراس لبنود الصحيفة ومراقبين لتنفيذهما ومراقبين لأداء وعمل أولي الأمر بهما، وقد منح الله جميع أفراد الأمة هذا الحق لأنهم مكلفون بالشهادة على الناس، وهذه الشهادة استمدتها الأمة من شهادة الرسول التي أوردها في الصحيفة الدستورية، واستمدتها من الاعتصام بالمبادئ القرآنية الدستورية سالفة الذكر، وهذا يعني أن شهادة جموع الأمة ليست شهادة فوضوية وليست شهادة مزاجية وليست شهادة طائفية وليست شهادة كيدية وليست شهادة زور، إنما شهادة تستمد شرعيتها من الاعتصام بالله أي الاعتصام والتمسك بالمبادئ الدستورية وتستمد الشرعية عليها كذلك من شهادة الرسول التي أدلى بها عليه الصلاة والسلام في بنود الصحيفة التي كتبها لأهل المدينة. فالأمة بشهادتها على الناس وبهذه الشرعية تصبح هي وحدها من لها الحق في أن تقرر من يستمر في ولاية الأمر وهي وحدها من لها الحق في أن تقرر من يجب أن يعزل من ولاية الأمر، وهكذا تكون الأمة بشهادتها على الناس هي وحدها مصدر السلطة ومصدر ولاية الأمر.

  • · معايير اختيار الحاكم في “النظام المديني” :

لقد حدد الله عدة معايير على أساسها تختار الأمة من يحكمها ومن يلي أمرها ومن يمثلها في مواقع المسئولية المختلفة، وذلك على النحو التالي:

1. لا يُنْظَر إلى صحاب المال لماله وغناه ولا إلى الفقير لفقره وإنما يجب أن يكون من يتم اختياره للمسئولية والولاية صاحب علم وتخصص وألا يكون أميا أو جاهلا، وأن يكون صحيح البدن غير مصاب بأمراض تعوقه عن المسئولية وأن يكون قوي الجسم.

قال تعالى:

(قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ). (247_ البقرة).

2. أن يكون ممن يهدي بالحق وبه يعدل.

قال تعالى:

(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). (181_ الأعراف).

3. أن يكون مستقيما على أمره لا يدعوا بقوله إلى شيء ويخالفه في فعله، ولا يتبع أهواء الناس، وأن يكون معروفا بين الناس بعدله وقسطه.

قال تعالى:

(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ). (15_ الشورى).

4. أن يكون لينا رحيما غير فظ ولا غليظ القلب وأن يكون مشهورا بالعفو عن الناس ويشاورهم في الأمر.

قال تعالى:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ). (159_ آل عمران).

5. أن يكون معروفا بأنه يحكم بالحق ولا يتبع الهوى ولا يجامل في الحق.

قال تعالى:

(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى). (26_ ص).

6. أن يكون “أُذُنٌاً” أي ذو أُذُن صاغية للناس يستمع لهم في كل ما يريدون أن يحدثوه به، ولا يتعالى عليهم وأن يأمن الناس جانبه ويأمنوه على أنفسهم.

قال تعالى:

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ). (61_ التوبة).

7. أن يكون ممن يهتم بالناس ويعز عليه معاناتهم وأن يكون حريصا عليهم ورءوف رحيم بهم.

قال تعالى:

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). (128_ التوبة).

  • · منظمات المجتمع المدني في “النظام المديني”:

يحق لمواطني الأمة تأسيس وإشهار مؤسسات مجتمع مدني تطوعية مستقلة ومعلنة ومرخصة ومراقبة من الدولة والناس ولها صفة قانونية مشروعة، فقد نص القرآن الكريم على تأسيس مؤسسات كمؤسسة الأمر بالصدقات وجمعها من الناس وصرفها في مصارفها المشروعة، وكذلك مؤسسة الحض على المعروف والخير بين الناس، وكذلك مؤسسات للإصلاح بين الناس في المنازعات التي ليس فيها نص تشريعي أو تجاوز قانوني، وكذلك إنشاء مؤسسات لتحريض الناس وحضهم على التسابق في فعل الخيرات، وكذلك إنشاء مؤسسات للإصلاح الأسري بين الزوجين وبين الآباء والأبناء عند حدوث شجار أو نزاع فيما بينهم للحفاظ على الأسرة من التصدع والانهيار. وكذلك إنشاء مؤسسات للتعاون على البر والتقوى والنهي عن عدم التعاون على الإثم والعدوان. وتنتشر هذه المؤسسات في كل مدينة وكل قرية وكل حارة وكل حي.

قال تعالى:

(لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). (114_ النساء).

وقال تعالى:

(فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ). (48_ المائدة).

وقال تعالى:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). (2_ المائدة).

وقال تعالى:

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا). (35_ النساء).

  • · الشورى في “النظام المديني”:

يتم تأسيس عددا من مجالس الشورى يضم كل مجلس عددا من نخبة المختصين كل في مجاله، إذ لا يصح استشارة جاهل أو أمي في القضايا العامة، فمثلا يؤسس مجلس لشورى الزراعة والتجارة والصناعة والري والموارد المائية والعلاقات الخارجية والصحة والهندسة والعلوم والبحث العلمي والإعلام والقانون والتعليم  والأمن وغيرها من التخصصات، يكون دور كل مجلس مناقشة أوضاع البلاد كل في مجاله لتقديم التقارير والأبحاث والدراسات التي تساهم في النهوض بالأمة ودفع المضار عنها في كافة المجالات وإعداد الرؤى والخطط العلمية والعملية لكل وزارة لتنفيذها وتحقيقها ومتابعتها ومراقبة منفذيها في كل وزارة، وتنظم هذه المجالس وفق القانون ويختار أعضاءها من دون انتخاب كما يحدث في “النظام الديمقراطي” وإنما يتم اختيارهم وفق آلية “الشهادة على الناس”.

قال تعالى:

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ). (38_ الشورى).

  • · آلية فقه الدين في “النظام المديني”:

منذ أن بدأ الساسة بالسطو على الشعوب بمعاونة ومباركة من يسمون بـ “رجال الدين”، قامت المؤسسات الدينية الرسمية في القرون الأولى من تاريخ الأمة الإسلامية كما هو الحال في كل المؤسسات الدينية في كافة الأمم والأديان بإيهام الجماهير بأن عملية فقه الدين هي عملية مقصورة فحسب على العاملين في المؤسسات الدينية الرسمية التابعة للحاكم، وأنهم هم وحدهم المنوط بهم فقه الدين دون غيرهم، ثم استشرى هذا الوباء ليطال كل الطوائف والفرق الدينية عبر العصور، ما دعا كل فرقة وكل طائفة دينية أن تدعي أنها وحدها من تمتلك الأحقية والأفضلية في فقه الدين دون غيرها، وتم ذلك كمحاولات ترويضية لأدمغة الناس يقوم بها محتكروا فقه الدين لتجميع وجلب أكبر عدد ممكن من الأنصار والأشياع لترسيم وقولبة أفكارهم وتطويعها وفق النظام السياسي الذي يعملون لخدمته أو خدمة لمصالحهم الشخصية أو الطائفية أو السلطوية، وقد ترتب على احتكار فقه الدين تمزيق الدين الواحد وانقسامه إلى سوق مزدهرة من الأنواع والتشكيلات الدينية المختلفة لهذا الدين أو ذاك.

وقد ترتب على هذا ما قد ترسخ في وعي الناس أن الفقيه أو رجل الدين بمفهومه المعروف الآن أو بمفهومه المتوارث هو الشخص المختص وحده بفقه الدين، وكذلك قد ترسخ لدى الناس أن المؤسسة الدينية بهيئتها المعروفة الآن أو بهيئتها المتوارثة هي وحدها المختصة بفقه الدين من دون الناس جميعا، بل لقد ترتب على هذا ما هو أفظع، ألا وهو استباحة اختطاف فقه الدين من قبل بعض الأشخاص أو بعض الجماعات وانعزالهم عن بقية المجتمع لإنشاء مجتمع منعزل شعوريا وفكريا ودينيا وسلوكيا داخل المجتمع الأم لحاجات شخصية كإشباع شهوة السلطة لدى الزعماء الدينيين ومناوئة المجتمع الأم ومن ثم السطوة عليه أو تمزيقه وتحويله إلى أحزاب متنافرة أو شيع متناحرة.

ويحق للمرء أن يتساءل عن مهمة فقه الدين: هل أوكلت الرسالات الإلهية مهمة فقه الدين أو شرح الدين أو تبيين الدين لأشخاص بعينهم دون غيرهم؟، وهل أباحت الرسالات الإلهية لكل شخص أن يقوم بفقه الدين بمفرده ثم يقوم بوضع النظريات الخاصة به وكأنه وحده من يملك مفاتحه؟، أقول: لا يوجد على الإطلاق نص ديني واحد في أي رسالة دينية إلهية سواء (التوراة، الإنجيل، القرآن) تلزم فئة بعينها أو طائفة بعينها أو شخص بعينه بفقه الدين نيابة عن بقية الناس، ما يدل على أن فهم الدين وفقهه هي مهمة عامة تلزم المجتمع بأكمله، وأن أي شخص في أي ديانة يزعم أو يدعي أنه هو أو غيره ممن يسمون برجال الدين هم الأحق دينيا بفقه الدين أو أن الله قد اختصهم هم وحدهم بفقه الدين هم أناس دجالون كذابون ينتفعون ويرتزقون من هذا الادعاء. ولنرجع إلى القرآن الكريم لنرى كيف عالج القرآن الكريم هذه المسألة.

لقد عالج القرآن الكريم قضية فقه الدين معالجة علمية آلية رائعة لم يسبق ولن يلحق بها مثيل على الإطلاق، لقد جعل القرآن الكريم مهمة فقه الدين مهمة عامة منظمة منضبطة مقننة تلزم المجتمع بأكمله، لكن ما يؤسف له أن أحدا في تاريخ الأمة الإسلامية لم ينتبه لهذا الأمر كما لم ينتبهوا لكثير غيره من الأمور، ربما غفلة منهم أو خدمة للأهواء والمطامع الشخصية أو خضوعا وخنوعا لإرضاء أو مهادنة أو مداهنة السلطة السياسية، ووردت هذه المعالجة الربانية المعجزة في الآية التالية: (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (122_ التوبة).

في هذا النص القرآني العظيم نجد أن فقه الدين ليس بذلك التصور العنصري الضيق المحدود القاصر على مؤسسة بعينها أو طائفة بعينها، وليس بتلك الفردية المتشرذمة المنتشرة اليوم، التي تجعل كل من يستهويه الحديث في الدين أو عن الدين أن يرى لنفسه الحق في أن ينفرد وحده بفقه الدين ويقوم باختطافه من دون الناس جميعا، ثم يقوم بتكوين حزب خاص به لتجميع المناصرين والأشياع من حوله، إنما قال: (مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ)، ولكن قبل أن نسترسل في فهم عمق ومغزى هذه الآية علينا أن نعلم أولا ما المراد بالطائفة من كل فرقة؟ وما الفرق بين الفرقة والطائفة؟، الفرقة أو الفريق: هما عدة أشخاص في جماعة (أم) من الجماعات البشرية، لكنهم متميزون عمليا أو فكريا أو وظيفيا أو مهنيا أو في أي تخصص من التخصصات يجعل لهم فارقا واضحا وتميزا جليا يفرقهم ويميزهم عن بقية أفراد الجماعة الأم، أو من يطلق عليهم الآن مسمى (نخبة) أو (صفوة)، وللعلم إن مسمى (فرقة) أو (فريق) ليس شرطا أن يطلق على النخبة أو الصفوة في الخير والأعمال الصالحة فحسب، بل ويطلق كذلك مسمى (فرقة) و(فريق) على النخبة والصفوة في أعمال الشر والسوء، لأن كل جماعة بشرية (أم) فيها فرق ما، لها فارق ما، يميزها عن بقية الجماعة (الأم) في أعمال السوء والشر. قال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير) (7_ الشورى). هذا هو مفهوم الفرقة، أما مفهوم الطائفة فهو: مسمى يطلق على مجموعة من الناس كثيرة الطواف بشيء أو شيئين أو أكثر ما يزيد في معرفتها به، أي يطوفون ويدورون بشيء أو بين شيئين أو أكثر أو يدورون عليهم، فالطواف أو الدوران بين الأشياء أو على الأشياء يجعل الطائف ملما وخبيرا وعارفا بهذه الأشياء، لأن كثرة الطواف والدوران بالأشياء أو بين الأشياء يكسب الطائف معرفة أكثر بحقيقة الأشياء.

وبالعودة لنص آية التوبة: (مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، نجد أن الجماعة البشرية التي آمنت بهذا الدين هي جماعة كأي جماعة بشرية أخرى، بها كثير من الفرق (النُخَبْ) أي المجموعات التي تمتاز بفارق ما عن بقية أفراد الجماعة الأم، قد تكون تلك الميزات أو الفوارق ميزات وفوارق اجتماعية أو ثقافية أو علمية أو جغرافية أو عرقية أو قومية أو فكرية أو مهنية أو وظيفية أو أي لون آخر من الميزات والفوارق، هذه الفرق أمر الله أن ينفر من كل فرقة (نخبة) منها طائفة لتتفقه في الدين، وعلينا أن نلحظ هنا أن الأمر لم يأت للفرقة بأكملها، إنما جاء لطائفة من الفرقة وليس كل أفراد الفرقة (النخبة)، إنما أمر أن ينفر من كل فرقة طائفة، والطائفة هنا في هذه الآية هم الأشخاص كثيري الطواف بالمعرفة الدينية، أي الذين لهم اهتمام وإلمام بالمعرفة الدينية.

وأضرب مثلا للتوضيح: فمثلا الأطباء هم فريق متميز ومفترق عن بقية الجماعة الأم بتخصصه في الطب، فهم بذلك يطلق عليهم فرقة الأطباء أو فريق الأطباء، وداخل هذه الفرقة من الأطباء من المؤكد أن بينهم طائفة أي مجموعة مهتمة بفقه الدين أو بالمعرفة الدينية، هذه المجموعة تسمى طائفة لأنها تطوف وتدور بين الاهتمام بالطب والاهتمام بفقه الدين، فهذه الطائفة بهذا المفهوم هي المقصودة والمعنية بالمشاركة في فقه الدين، وهكذا في كل فرقة أخرى كفرقة المهندسين وفرقة المدرسين، وفرقة التاريخيين، وفرقة الجغرافيين، وفرقة الصحفيين، وفرقة السياسيين، وفرقة الاقتصاديين، وفرقة العسكريين، وفرقة المزارعين، وفرقة التجاريين، وفرقة الاجتماعيين، وفرقة الأدباء، وفرقة اللسانيين (اللغويين)، وكذلك كل الفرق المعتبرة الأخرى التي تتكون منها الجماعة الأم.

وبذلك يكون فقه الدين ليس حكرا على فرقة بعينها أو طائفة بعينها أو رجال بعينهم، بل يصبح المجتمع كله بكل فرقه وطوائفه مشاركا في عملية فقه الدين، وكي يتم القضاء على الاختيار العشوائي وغير المبرر للأشخاص المشاركين في عملية فقه الدين يجب أن يقدم كل فرد في كل طائفة تتقدم لفقه الدين ما يثبت أنه مهتم بفقه الدين، كتقديم أفكار أو كتابات أو أبحاث أو دراسات أو غيرها من الأشياء التي تثبت جدارته بهذه المهمة، ولا يجوز منع أي شخص من المشاركة مهما كان توجهه أو فكره مادام سيقدم ما يثبت اهتمامه بالأمر، وبذلك يتم القضاء نهائيا على ظاهرة (رجال الدين) أو (دعاة الدين) المحتكرين وحدهم للدين ولفهمه من دون الناس جميعا، وكذلك يتم الإطاحة بكل صور وأشكال احتكار الدين واحتكار فهمه.

وبهذا تتحقق عدالة الحق سبحانه بين الناس، وبهذا تتحقق الغاية العظيمة لهذا الدين القيم في تحرير رقاب العباد والبلاد من قبضة فريق بعينه يتحكم فيهم باسم الله أو باسم الدين، وهذا يعني أن الله سبحانه قد ألقي بمسئولية فقه الدين على عاتق المجتمع كله بكل فرقه وطوائفه وليست المسئولية حكرا على شخص بعينه ولا مؤسسة بعينها ولا فرقة بعينها ولا طائفة بعينها، ذلك أن الدين يمس كل فرق المجتمع وكل أفراده فرداً فرداً، فكان من العدل والإنصاف أن يأمر الله بأن يشارك المجتمع كله بكل فرقه وطوائفه في فقه الدين ثم تقوم هذه الطوائف المشاركة بإنذار قومهم إذا رجعوا إليهم بما فقهوا من الدين وبما اتفقوا فيه وعليه. هذه هي آلية فقه الدين التي لا يمكن أن تجد لها نظيرا في أي رسالة دينية أخرى سوى في القرآن الكريم فحسب، بل هي آلية عظيمة من خصائص هذا الدين القيم التي لم يلتفت إليها أحد من قبل.

هذه الآلية تعني أن جميع شرائح المجتمع معنية بل وملزمة بالمشاركة في فقه الدين، بل وحق لها أن تشارك في فقه الدين. ذلك أن الدين بتشريعاته وأحكامه وعباداته ومعتقداته ليس محض أفكار مجردة عن الواقع وليس محض قواعد نظرية قاصرة على فئة بعينها أو طائفة بعينها، إنما الدين هو تنظيم وتنسيق وضبط لكل تفاصيل الحياة اليومية لجميع الناس، فمن الظلم والجور قصر فقه الدين ووقفه وحصره على طائفة بعينها أو فرقة بعينها دون أخذ بقية الطوائف والفرق الأخرى بعين الاعتبار، مراعاة لمصالحهم وظروفهم وشئون عيشهم التي قد تتفق أو لا تتفق مع ما تم فقهه من الدين على يد شخص بعينه أو طائفة بعينها.

إلا أن التاريخ الإسلامي لم يعرف سوى الاستبداد الطائفي أو الفئوي أو الشخصي أو المؤسسي أو السياسي لفقه الدين وتحييد وحرمان جميع فرق وطوائف المجتمع الأخرى من المشاركة في فقه الدين. والنتيجة كانت ما نراه الآن من اختلافات وتفرق وتحزب وتشرذم، وكل ذلك كان منشأه ومصدره الاستبداد بفقه الدين، ذلك أن استبداد طائفة واحدة أو فرقة واحدة أو مؤسسة واحدة بفقه الدين _أي دين_ وفرض ذلك الفقه أو ذاك الفهم على بقية الطوائف والفرق الأخرى يعني أن ذلك الدين لا يعني إلا هذه الفرقة أو تلك، ويعني أن بقية الجماعة الأم غير مؤهلين لفهم الدين وبالتالي فهم في حاجة لمن يصوب لهم فهمهم ودينهم ورأيهم، وهذا يتنافى مع طبيعة الدين الذي أنزله الله للعالمين أي لكل الناس فقيرهم وغنيهم كبيرهم وصغيرهم ذكورهم وإناثهم، ثم ماذا ربحنا من استبداد طائفة أو مجموعة بعينها بفقه الدين؟، سوى أننا أصبحنا أسرى وسجناء لفقه وفهم السلف، وأسرى وسجناء لفهم رجال الدين ودعاته وأدعيائه.

أما لو تم الانتباه لآلية فقه الدين هذه والتزمنا بها كما أمرنا الله لكنا قد رأينا في حياتنا كل جديد وكل إصلاح وتقدم وخير، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن من جهل وتخلف وأمية وضعف وهوان وتمزق واستبداد يستشري ويسري في دمائنا، ولكننا لم ننتبه لهذا لأن من استبدوا بفقه الدين قد قيدوا الناس وأوثقوهم في فقه واحد وتصور واحد قامت به طائفة واحدة وفرقة بعينها لم تأخذ في حسبانها تبدل الزمان والأحداث والثقافات، وعجزوا عن تقديم أي جديد للناس، حتى أصبحت معارفنا وعلومنا وحياتنا ومفاهيمنا وواقعنا ليس سوى نسخ مكررة ومتشابهة من الماضي ومن بعضنا البعض وليس هناك من شيء جديد غير ما هو موجود في أذهان الناس منذ قرون طويلة سواء كنا فقهاء أو حكاما أو محكومين. وأخيرا، لابد من إنشاء مؤسسة مستقلة لفقه الدين تضم إليها كل فرق وأطياف المجتمع ولا تستبعد أحدا على الإطلاق مهما كان فكره مادام أنه سيلتزم بمنهج فقه الدين وسيلتزم بتقديم ما سيثبت أهليته العلمية والفكرية للمشاركة في هذه المهمة، وبجانب آلية فقه الدين هذه هناك منهج فقه الدين ولكن ليس هنا محل عرضه.

  • · المؤسسات الرقابية في “النظام المديني”:

يعتقد أكثر الناس أن القرآن العظيم ليس به ما يلزم الأمة بالقيام على رقابة مؤسسات الحكم وتتبع الفساد فيها وكشف المفسدين وأن المؤسسات الرقابية هي اختراع غربي بامتياز على حد زعمهم، هذا الاعتقاد ينم عن عدم وعي وعدم إلمام بتشريعات وأحكام القرآن العظيم، بل إن القرآن العظيم استبق كل النظم السياسية الغربية الحديثة بالأمر ليس بتتبع الفساد وكشف المفسدين فحسب، بل استبقهم بأمره الناس أن يكلفوا فئة منهم بالنهي عن الفساد في الأرض جميعها وليس في مؤسسات الحكم فحسب، وأمر هذه الفئة بالعمل على تجفيف منابع الفساد ومحاصرته قبل أن يبدأ وليس فقط ملاحقته بعد ظهوره وانتشاره، بل إن القرآن العظيم حذر الأمة ولفت انتباهها إلى أن تقاعسهم عن ملاحقة الفساد والمفسدين سيؤدي حتما إلى تضخم ثروات المفسدين واحتكارهم للترف المادي والنعيم الدنيوي لأنفسهم من دون الناس جميعا ومن ثم يَتَّبع الذين أفسدوا رعاية ترفهم وما هم فيه من نعيم وينشغلوا بترفهم ونعيمهم عن بقية الأمة مما يعمل على هلاك الأمة، بل إن القرآن العظيم أخبر أن دور المؤسسات الرقابية التي يقوم عليها المصلحون والتي تلاحق الفساد أينما وجد في الأرض وتحاصره قبل ظهوره هو ضمانة حقيقية وحصن حصين وحفظ لأوطانهم من الهلاك والانهيار على أيدي المفسدين.

قال تعالى

(فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ). (117_ هود).

كذلك لم يقتصر القرآن العظيم على ندب أن تكون هناك مجموعة أو مؤسسة لملاحقة الفساد والمفسدين فحسب، بل إن القرآن العظيم أمر بأن تكون هناك أمة أي مجموعة أو ما يطلق عليه الآن “مؤسسة” تكون مهمتها “دعوة الناس إلى عمل الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر” وهذه المؤسسة تعتبر مؤسسة وقائية توجهه الناس إلى ما فيه خيرهم وتنذرهم بعاقبة أخطائهم إن أخطئوا وتحذرهم من عاقبة الفساد قبل وقوعه، فدورها يكون في الإشراف على جميع مؤسسات الدولة ومتابعة ومراقبة قرارات ومهام أولي الأمر قبل تنفيذها وأثناء تنفيذها وبعد تنفيذها.

قال تعالى:

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ). (104_ آل عمران).

كذلك لم يقتصر دور مؤسسة “الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فقط على متابعة المسئولين ومتابعة أداءهم الوظيفي، بل أضاف الله في آية أخرى مهمة رابعة لمهام هذه المؤسسة ألا وهي مهمة “حفظ حدود الله” وحدود الله هي القوانين والمبادئ الدستورية أي متابعة تطبيق وتنفيذ القوانين على الجميع ودون تأخير أو تأجيل أو تمييز أو تفريق بين الناس، بل وتقوم بتعريف الناس بحقوقهم القانونية والتزاماتهم الدستورية حتى لا يتم التغرير بهم.

قال تعالى:

(الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ). (112_ التوبة).

هذه هي المؤسسات الرقابية التي دعا إليها القرآن العظيم منذ أربعة عشر قرنا ولم يتم بلورتها في مؤسسات حقيقية رسمية حتى الآن، وهذه هي المهام العظيمة الموكلة إلى هذه المؤسسات، وليس اختزال هذه المهام العظيمة في ملاحقة شخص يدخن سيجارة، أو ملاحقة شاب مراهق تافه يجلس مع فتاة مراهقة تافهة مثله، أو ملاحقة فتاة لا تغطي شعرها، أو فتاة تلبس “جيبة” قصيرة أو فتاة تلبس “بنطلوناً” ضيقاً، كما يفعل بعض معتوهي وسفهاء التيارات الإسلامية.

  • · تنظيم عمل الصحافة والإعلام في النظام “المديني”:

لقد نظم القرآن العظيم إذاعة الأخبار والأنباء أيا ما حملته تلك الأخبار أو الأنباء من أمور وأيا كانت مصادرها وأيا كانت صفة ناقلها، هذا التنظيم جاء على النحو التالي:

لم يحظر القرآن الكريم على الإطلاق إذاعة أي من الأخبار أو الأنباء، وإنما دعا إلى عرض ما قد يثير الخوف في المجتمع وما قد يثير الذعر بين الناس من أخبار أو أنباء إلى أولي الأمر، ليس كل أولي الأمر وإنما هم مجموعة من أولي الأمر يقومون على مؤسسة تسمى “مؤسسة الاستنباط” تقوم هذه المؤسسة باستنباط أمور الأخبار والأنباء التي قد تثير خوف الناس وذعرهم لاستخراج حقائق تلك الأخبار أو تلك الأنباء قبل إذاعتها على الناس، وهذا معمول به الآن في كل دول العالم.

قال تعالى:

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ). (83_ النساء).

بل إن القرآن العظيم قد أولى لنبأ الفاسق كل الاهتمام وكل الاعتبار وأمر بعدم تكذيبه ابتداءً حتى يتم التبين منه فربما يكون ما نبأ به صدقا، إذ ليس كل ما ينبئ به الفاسق كذبا، وكذلك لكشف الفاسق إن كان كاذبا أو تصديقه إن كان صادقا، وكذلك لرد الاعتبار لمن أصابه الخبر الكاذب بسوء ومعاقبة الفاسق على كذبه، فالقرآن العظيم لم يحظر على الإطلاق على أي شخص أو جهة حتى ولو كان ذلك الشخص أو تلك الجهة مشكوكا في مصداقيتها وليست محلا للثقة والأمانة، بل أمر القرآن العظيم المؤمنين عند مجيء أو إذاعة خبر ما أو نبأ ما من مصدر غير موثوق به أن يتبينوا من حقيقة ومصداقية ذلك الخبر أو ذاك النبأ.

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). (6_ الحجرات).

من هنا ومن خلال توجيهات القرآن العظيم يستطيع “أولو الأمر” في “النظام المديني” إنشاء “مؤسسة الاستنباط” هذه المؤسسة تشبه في دورها دور ما يسمى اليوم بـ “ميثاق شرف العمل الصحفي” وهو ذلك الميثاق الذي لا عمل له ولا شرف، إنما هو مجرد كلام في الهواء لا يلتزم به أحد ولا يطبقه أحد ولا يُحَاسَب من خلاله أحد، أما مؤسسة الاستنباط فهي مؤسسة ينتدب لها مجموعة من أولي الأمر الإعلامي والصحفي ممن يشهد لهم بالعدل والشرف والنزاهة والعلم للقيام بمتابعة كل ما ينشر في الأخبار بعد نشره بالطبع وليس قبل نشره للتحقق من حقيقة مصادر هذه الأخبار ومدى حرفية وموضوعية وصدق ومهنية ناقلها، ويكون لهذه المؤسسة الحق الكامل في التعرف على مصادر الخبر من الصحافي الذي نقل الخبر إذا استدعى الأمر والضرورة ذلك، ويحظر تماما وبنص قانوني ما يسمى الآن بـ “الحفاظ على سرية المعلومات الخبرية”، لسد الطريق أمام مرتزقة الصحافة والأخبار الذين يقومون بابتزاز الناس وإرهابهم وإجبارهم على دفع الإتاوات لمنع نشر تلك الأخبار، وكذلك لمنع مرتزقة الصحافة الذين يقومون بانتهاك حرمات الناس وتشويه سمعتهم بأخبار كاذبة وملفقة انتقاما من بعض الناس أو لرفض الناس الانصياع لابتزاز هؤلاء الصحافيون الأشرار الذين يتسترون بأعمالهم الشيطانية الشريرة هذه خلف ما يسمى بـ “الحفاظ على سرية المعلومات الخبرية”، ويكون لمؤسسة الاستنباط الصلاحية الكاملة في التحقيق مع أي صحفي نشر خبرا ملفقا أو لم يكشف عن مصادر معلوماته المشروعة بطريقة سليمة وواضحة، ويناط بهذه المؤسسة صلاحية تلقي الشكاوى من الأفراد أو الهيئات أو المؤسسات العمومية أو الخاصة للطعن والتظلم فيما نشر من أخبار يروا أنها كاذبة أو غير صحيحة أو ملفقة وفي حال ثبوت شيء من ذلك يتم وقف ناقل الخبر عن العمل وعرض موضوعه على المحكمة المختصة للبت في أمره، وبذلك يضمن الناس إعلاما نظيفا لا كذب فيه ولا غش ولا خداع ولا ابتزاز.

كذلك يناط بهذه المؤسسة إلزام جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بالامتناع عن تقديم أو عرض كل ما من شأنه الاستخفاف بالأفراد أو الهيئات أو المنظمات أو المؤسسات العمومية أو الخاصة أو الجماعات العرقية أو الدينية أو الفئوية أو القبلية أو التصيد لهم أو التحريض عليهم أو تشويههم أو السخرية منهم أو الاستهزاء بهم أو ازدرائهم أو تسفيههم بأي صورة أو لون من صور وألوان الاستخفاف أو التصيد أو التحريض أو التشويه أو الازدراء أو التسفيه أو السخرية أو الاستهزاء سواء بالكلمة أو الحركة أو الإيماءة أو الإيحاء أو الرسم أو الصورة حتى ولو كان ذلك الفرد أو تلك الهيئة أو المنظمة أو المؤسسة أو الفئة أو القبيلة أو الجماعة أو الطائفة قد فعلوا ما يخالف القانون، ومن يثبت هذا في حقه يتم وقفه عن أداء عمله مؤقتا لحين التحقيق معه وتبين أمره أمام جهة التحقيق في مؤسسة الاستنباط أو أمام الجهات القضائية المختصة.

كذلك تحظر مؤسسة الاستنباط كل ما يسمى بـ “مقالات الرأي” وما يسمى ببرامج “التوك شو” التي لا تعتمد على المختصين كل في مجاله، وكذلك يحظر على غير المتخصصين الإدلاء بآرائهم في أي وسيلة إعلامية مقروءة أو مسموعة أو مرئية في أي قضية أو موضوع ليسوا بمختصين فيه، والمختص هو الباحث أو الأستاذ الجامعي أو الدكتور أو الدارس أو المتخصص في الشأن السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الديني أو القانوني أو العلمي أو الطبي أو الفلسفي أو النفسي أو غيرها من التخصصات.

كذلك تعمل مؤسسة الاستنباط على توثيق التفريق بين عمل الصحفي كناقل للخبر فحسب وبين الإدلاء برأيه فيه، ويحدد للصحفي عمله في حدود نقل الخبر أو إجراء الحوار أو التحقيق بأمانة وموضوعية ومن دون إبداء رأيه فيه، وذلك للحفاظ على وعي الناس وعلى أفكارهم من الجهلاء والمتقولين والسفهاء والذين لا يعلمون، وكذلك للحفاظ على هذه المهنة العظيمة من استخدام من يعملون فيها تحت مسمى “أصحاب الرأي” أو من يسمون بالمفكرين أو كتاب المقالات والأعمدة أو من المذيعين والمذيعات أو غيرهم من استخدامهم أو شرائهم أو استئجارهم من قبل أصحاب النفوذ أو المال أو الأعمال أو من أي شخص أو جهة بهدف التحريض أو التشويه أو المزايدة أو التلميع أو الإثارة أو الاستخفاف أو لأي هدف آخر غير مشروع.

وفي “النظام المديني” لابد من محاصرة وملاحقة الجهلاء والسفهاء والمرتزقة الذين يقومون على وسائل الإعلام من غير المختصين تحت دعوى “حرية الرأي والتعبير” التي يتشدقون بها وإلزامهم فقط بعملهم كناقلين للخبر فحسب، أما حرية الرأي والتعبير التي ينادي بها هؤلاء ويتسترون خلفها هم لا يسمحون بها سوى لأنفسهم فحسب ولمن يستأجرونهم ومن يستخدمونهم لأغراضهم ومصالحهم الشريرة، فمعظم هؤلاء من أصحاب الأقلام المأجورين وأصحاب البرامج المأجورين وأصحاب الفكر والرأي والكتابة المأجورين هم أناس من السهل شرائهم وبيعهم بأبخس وأرخص الأثمان، فإذا كانت حرية الرأي والتعبير حق من حقوق الإنسان فلماذا تقتصر على فئة بعينها من هؤلاء ويحرم منها الآخرون؟، ولماذا يسمح لهؤلاء فقط من دون الناس جميعا أن يخرجوا في وسائل الإعلام ويترك لهم الوقت الكافي للتعبير عن رأيهم هم فحسب ويتم تجاهل أراء وتعبيرات عشرات الملايين من المصريين؟، وإن كان التعبير عن الرأي حق من حقوق الإنسان فالناس جميعا متساوون وشركاء فيه بالعدل والقسط من دون تفريق أو تمييز، والمساواة في هذا الحق تقتضي السماح لجميع المصريين بلا استثناء أن يكتبوا آراءهم ويعبروا عنها في كل الصحف أو الإدلاء بها في كل وسائل الإعلام الأخرى وقتما شاءوا، وإن تعذر تحقيق ذلك فعندها لا يسمح لأشخاص بعينهم الإدلاء بآرائهم سوى للمختصين فحسب، أما ترك الأمر هكذا وتحت مسميات كاذبة وشعارات مخادعة كـ “حرية الرأي والتعبير” و”الديمقراطية” و”الليبرالية” لتسيطر قلة شريرة لا تعرف للأخلاق ولا للقيم معنى وبغير حق ومن دون الناس جميعا هم ومن يمولونهم ويستأجرونهم على الدعاية والإعلام والكلام والآراء والتعبير، فهذا ما لا وجود له في “النظام المديني”.

ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن الإعلام أن نسوق نموذجا واحدا فقط يدل على مدى وضاعة ومدى خسة ما يقوم به أبناء الأفاعي ممن يقوموا على الإعلام في مصر الآن، فقط أريد من القارئ أن يدخل إلى مواقع الصحف المصرية القومية والخاصة ويدخل على مواقع القنوات الفضائية القومية والخاصة في فترة شهر مارس 2011م ليقرأ ويشاهد كم “الردح” وكم “الشرشحة” والكذب والتهويل والنفاق والدجل والتفزيع والإثارة التي أثاره من يقوموا على وسائل الإعلام ومن يعملون بها ومن يأتوا ضيوفا عليها كمحللين ومناقشين ومتابعين لمدة شهر كامل ونصف الشهر حول حادثة “قطع أذن المواطن المسيحي “أيمن متري” في محافظة قنا على أيدي بعض عوام المسلمين الذين وصفهم الإعلام بأنهم “سلفيون”، ثم بعد أن يقرأ القارئ ويشاهد ما جاء في وسائل الإعلام في تلك الفترة يتوجه مباشرة إلى نفس هذه الوسائل الإعلامية مرة أخرى ولكن بتاريخ 22 إبريل 2011م ثم يبحث بميكروسكوب إلكتروني مجهري عن الخبر التالي:

(ألقت أجهزة الأمن بأكتوبر القبض على 3 أشقاء لاتهامهم بقتل شقيقتهم وزوجها ونجلها 5 سنوات وإصابة نجلتها.. وكشفت تحريات المباحث والتحقيقات عن أن الضحية أشهرت إسلامها منذ 7 سنوات.. الأمر الذي أثار استياء أسرتها فقرروا الانتقام منها، رغم ترددهم عليها وزيارتها طوال السنوات الماضية.

تلقى اللواء عمر الفرماوى مساعد أول وزير الداخلية ومدير أمن 6 أكتوبر إخطارا من شرطة النجدة بوجود حادث قتل، بناحية برك الخيام دائرة مركز شرطة كرداسة.

وقد انتقل إلى مكان الواقعة العميد جمال عبد البارى مدير المباحث.. وعثر على جثة القتيلة سلوى عادل عطا (33 سنة) ربة منزل ونجلها محمود خالد إبراهيم 5 سنوات وزوجها خالد إبراهيم 48 سنة عقيد متقاعد، كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة داخل مستشفى بولاق الدكرور، عقب وصوله إليها مصابا بإصابات خطيرة. كما تبينت إصابة نجلتها ندى خالد (6 سنوات) بسحجات حول الرقبة.

تبين من تحريات المباحث أن المجنى عليها تزوجت منذ 7 سنوات وأشهرت إسلامها بتاريخ 15 / 3 / 2005 بمشيخة الأزهر.. الأمر الذى أثار استياء أسرتها فقرروا الانتقام منها، مع أنهم كانوا يترددون عليها.

وأضافت التحريات أن ليلة الحادث حضر شقيقها عيسى عادل (28 سنة) عامل، وتناول العشاء معهم وعقب استغراقهم فى النوم، قام بتسهيل دخول شقيقيها يوسف ( 26 سنة سائق ) ورأفت (35 سنة عامل )، ثم قاموا بالتعدى عليهم جميعا بأسلحة بيضاء. وأثناء ذلك تمكن الجيران من ضبطهم وبمواجهتهم اعترفوا بارتكابهم الواقعة، انتقاما من شقيقتهم لإشهارها إسلامها.. وقد تحرر محضر بالواقعة وجارٍ العرض على النيابة). “انتهى الخبر نقلا عن جريدة الأهرام”.

فلن يجد القارئ لهذا الخبر أثر يذكر سوى في صحيفتين أو ثلاث وربما في صفحة الحوادث، ولن يجد القارئ برنامجا واحدا من البرامج الحوارية أو برامج “التوك شو” المسائية والصباحية والنهارية في كل القنوات الفضائية المصرية القومية والخاصة قد ناقشت هذه الحادثة البشعة أو علق أحد عليها أو توقف أحد عندها على الإطلاق. والسؤال الآن أيهما أولى بالإثارة وأيهما أولى بالتحليل والمناقشة “أذن مسيحي قطعها بعض العوام” وهي جريمة، أم مقتل “مواطنة وزوجها وطفلها لأنها أشهرت إسلامها؟. وأترك الجواب والتقدير للقارئ، وما أود قوله في هذه القضية تحديدا أن هذا النموذج يؤكد بكل وضوح وجلاء أن وسائل الإعلام المصرية المرئية والمسموعة والمقروءة يخضع أكثر القائمين عليها وأكثر العاملين فيها بشكل مخزي ومريب ومحير لعطايا وهدايا وإنعامات أحد رجال الأعمال وهو رجل دين مسيحي متطرف يدعي العلمانية والمدنية إلا إن الحقيقة والواقع يقولان بكذب هذا الرجل وخداعه.

  • · مناقشة آية الاستنباط في ضوء فهم الفقهاء:

قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (83_ النساء)

اعتمد جمهور الفقهاء والمفسرين في الماضي والحاضر على هذه الآية في إثبات حجية الإجماع، حيث اعتبر جمهور الفقهاء والمفسرين أن إجماع الفقهاء في أي عصر من العصور على حكم حادثة ما من الحوادث والاتفاق فيما بينهم على حكم معين فيها يعد ذلك الحكم تشريعا دينيا، ومن الآيات التي استند إليها الفقهاء في إثبات حجية الإجماع هي آية “الاستنباط” هذه، حيث رأوا أن الله من خلال هذه الآية أمر جموع المسلمين بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر فيما يجد من أمور وحوادث كي يقوم أولو الأمر بإصدار أحكامهم التشريعية فيها، ويصبح ما يتفق عليه الفقهاء من حكم في أي مسألة حكما شرعيا دينيا لا يجوز مخالفته أو العمل بغيره، هذا ما قال به الفقهاء والمفسرون منذ قرون طويلة ومازال المسلمون في شتى بقاع العالم إلى يومنا هذا يعتقدون أن الإجماع وفقا لهذا الفهم للآية السابقة يعد مصدرا من مصادر التشريع الديني في الإسلام.

لكن عند إمعان النظر قليلا في الآية، وحين نعيد قراءتها من جديد نجد أن نص الآية لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى اعتبار الإجماع مصدرا من مصادر التشريع الديني في الإسلام، وكذلك لا يشير نص هذه الآية على الإطلاق إلى أن ما يصدره أولي الأمر “الفقهاء” من أحكام تعد أحكاما تشريعية دينية تضاهي تشريعات الله سبحانه، بل الأمر غير ذلك تماما، فعندما نعيد قراءة الآية مرة أخرى على النحو التالي: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (83_ النساء). سنجد أولا: أن الآية تتحدث عن أولي الأمر هنا بوصفهم الحكام والأمراء وليسوا بوصفهم الفقهاء أو المفسرين أو المفتين أو رجال الدين أو الدعاة.

ثانيا: الآية تتحدث عن بعض الناس الذين يعلمون بمجيء أمر من الأمن أو الخوف فسرعان ما يقومون بإذاعته وإشاعته بين عموم الناس من دون تروي أو توثيق لهذا الأمر قبل معرفة صدقه من كذبه وحقه من باطله، فقد أمر الله في هذه الآية بأنه عند مجيء أي أمر من أمور الدنيا أو أمور الحكم أو أمور القتال والحروب التي تدعو للخوف أو تهديد أمن المجتمع بعدم إذاعة أو إشاعة هذا الأمر على عامة الناس، بل عليهم برد هذا الأمر إلى الرسول أو إلى أولي الأمر لاستنباطه ومعرفة حقيقته، حتى لا تسود الفوضى ولا يسود الخوف والرعب في المجتمع، ونصت الآية أن يكون الرد في مثل هذه الحوادث إلى الرسول في حال وجود شخص الرسول أو إلى أولي الأمر في حال غياب شخص الرسول، وأولي الأمر المقصودون في الآية هم الحكام وليسوا الفقهاء والمفتين كما يظن معظم الناس.

ثالثا: ليس في الآية ما يشير بأي وجه من الوجوه ولا بأي دلالة من الدلالات على أن الأمر له علاقة بالأمر الديني، إذ لو كان الأمر يتعلق بالشأن الديني لما كان هناك ما يدعو إلى الخوف أو تهديد أمن الاجتماعي، كذلك لا يوجد في الآية على الإطلاق ما يشير إلى أن إجماع الفقهاء في أي عصر من العصور على حكم معين في حادثة بعينها يعد هذا الحكم تشريعا دينيا لا يجوز الخروج عليه وعدم الامتثال به، بل ولم تشر الآية على الإطلاق إلى السماح لأولي الأمر سواء كانوا من الحكام والأمراء أو من الفقهاء والمفتين بأن يشرعوا ويصدروا أحكاما تشريعية دينية من دون الله، فهذا الفهم للآية من قبل الفقهاء في الماضي والحاضر هو كارثة دينية تدعو إلى الشرك بالله، هذا في حال كان أصحاب هذه الدعوة متعمدين السماح لأي أحد بأن يشرع أحكاما من عند نفسه ومن دون الله ثم ينسبها إلى الدين، فهذا هو الشرك بعينه والتحريف الواضح لنص الآية وتحميله ما لم يحتمل وتقويله ما لم يقل، لأن ما لا يجهله أحد أن التشريع الديني تحديدا هو خاصية من خصائص الله وحده الذي لا يشاركه فيها ملك ولا نبي ولا رسول، فكيف بمن هم دونهم من الناس.

  • · العلم في “النظام المديني”:

إن مما يؤسف له وما يدعو للحزن والأسى أن فقهاء الدين على مر العصور في الأمة الإسلامية منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا قد رسخوا في نفوس ووعي أكثر المسلمين أن كلمة “العلم” لا دلالة لها سوى حفظ القرآن الكريم أو حفظ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أو معرفة الاختلافات الفقهية بين فقهاء الشريعة أو محو أمية الكتابة والقراءة، أما في أيامنا هذه فقد انتشر بين الناس أن العلم هو الحصول على الشهادات والمؤهلات والإجازات المدرسية والجامعية.

أما العلم في القرآن العظيم فلا يعني على الإطلاق حفظ الكتب ولا حفظ الأقوال أيا كانت الكتب وأيا كانت الأقوال ولا يعني محو أمية القراءة والكتابة ولا يعني الحصول على الشهادات والمؤهلات والإجازات المدرسية والجامعية، العلم في القرآن العظيم بكل بساطة هو: “اليقين والتحقق من أثر بالشيء به يعرف” وبشيء من التوضيح أضرب مثلا على ذلك: وجود الأب في الحياة قبل ابنه حقيقة علمية يقينية لا يختلف اثنان من البشر في كوكب الأرض على صحتها وصوابها وانتشار أثرها في الحياة، إذن مقولة “وجود الأب في الحياة قبل ابنه واستحالة حدوث العكس” هذه حقيقة علمية، وهذا هو العلم، إذن العلم هو أثر بَيِّن واضح لا لبس فيه ولا خفاء ولا غموض ولا خلاف عليه بين أحد من الناس. مثل آخر: “الإنسان مهما طال عمره ومهما امتد بقاؤه في الحياة لابد أن يموت في نهاية المطاف”. هذه حقيقة علمية وهذا هو العلم. كذلك حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام قومه من مشركي مكة من خلال آيات القرآن العظيم أن ما تعبدون من أصنام هذه الأصنام لا تملك لكم نفعا ولا ضرا، كانت هذه المقولة من الرسول لقومه هي حقيقة علمية يقينية لا لبس فيها ولا غموض، لأنه بالفعل هذه التماثيل المصنوعة من الحجر هي أحجار صماء بكماء لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت.

كذلك حين قام نبي الله إبراهيم بتحطيم أصنام قومه وأحضروه ليحاكموه على ما فعل، أراد إبراهيم عليه السلام أن يقرر لهم حقيقة علمية يقرون بها هم بأنفسهم، فلما سألوه: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ(62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ). (63_ الأنبياء). فجاء رد إبراهيم عليه السلام ليحيلهم إلى العلم وإلى الحقيقة اليقينية التي لا لبس فيها ولا خفاء ولا غموض، ولا يمكن أن يختلفوا هم أنفسهم معه عليها، بل أراد أن يقروا هم بأنفسهم بها قبل أن يقررها هو لهم، فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ). (65_ الأنبياء). إذن هم أقروا قبل إبراهيم بالحقيقة العلمية التي تقول أن التماثيل والأصنام المصنوعة من الحجارة والتي يعبدها قوم إبراهيم هي أحجار صماء بكماء لا يمكن لها أن تنطق أو تتكلم، وعليه فمن لا يستطيع النطق أو الكلام أو الحركة لا يمكن أن يصلح إلها يعبده الناس ويرجون منه خيرا ويدفعون به عن أنفسهم ضرراً.

هذا هو معنى ومفهوم العلم في القرآن العظيم بكل بساطة، وعليه فإن العلم في حقيقته لا علاقة له بحفظ الكتب ولا بحفظ الأقوال ولا علاقة له بمحو أمية القراءة والكتابة ولا علاقة له بالحصول على الشهادات والمؤهلات المدرسية والجامعية، العلم هو الوقوف على حقائق ويقينية الأشياء كما هي في ذاتها وتكوينها وكما يعلمها من علمها وكما يعلمها من سيعلمها فيما بعد من دون خلاف بين من يعلمها على حقيقتها ويقينيتها. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نتصور مدى حرص القرآن على العلم بهذه الكيفية وبهذا المفهوم كي يهتدي الناس إلى حقائق ومفاهيم الأشياء بشكل صحيح وكي ينعم الناس بخيرات الحياة ويكتشفون منافعها من أضرارها وكي يسود الحق بين الناس فبدون العلم بحقيقته هذه فلن يكون للحق وجود في هذه الحياة الدنيا على الإطلاق، والعلم له وجهان: نظري وعملي، النظري يكون بإدراك حقيقة ويقينية الأشياء بالفكر كعلم الرياضيات 1+1=2، أما العملي فيكون بإدراك حقيقة ويقينية الأشياء بالوقوف على ذات الأشياء وفحصها كالعلوم الطبية والفيزيائية وعلم الآثار وغيرها من العلوم الطبيعية أو ما يطلق عليها العلوم “التجريبية”

وأقدم للقارئ الكريم مجموعة من آيات القرآن تبين له كيف يكون العلم وما المقصود به في القرآن العظيم على النحو التالي:

قال تعالى:

(قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). (4_ الأحقاف).

وقال تعالى:

(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ). (18_ آل عمران).

قال تعالى:

(هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ). (66_ آل عمران).

وقال تعالى:

(مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً). (157_ النساء)

وقال تعالى:

(وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ). (119_ الأنعام).

وقال تعالى:

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِّيُضِـلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ). (144_ الأنعام).

وقال تعالى:

(قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ). (148_ الأنعام).

وقال تعالى:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ). (20_ لقمان)

وقال تعالى:

(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). (25_ النحل)

وقال تعالى:

(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ). (15_ النور).

وقال تعالى:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ). (9_ الزمر).

وقال تعالى:

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً). (36_ الإسراء).

وقال تعالى:

(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). (43_ النحل).

وقال تعالى:

(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً). (114_ طه).

وقال تعالى:

(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). (85_ الإسراء).

وقال تعالى:

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ). (76_ يوسف).

  • · التكليف الإلهي العلمي لأمة “النظام المديني”:

لم يسبق في تاريخ البشرية جميعها على الإطلاق أن وجد تكليف ديني إلهي للناس في أي كتاب ديني غير القرآن الكريم يوجب على الناس مهمة السير في الأرض والبحث لمعرفة كيف بدأ الخلق، فالقرآن العظيم هو الكتاب الوحيد في تاريخ البشرية الذي كلف أتباعه بهذه المهمة العلمية الكونية “كيف بدأ الخلق”، وهي المهمة التي يقتضي تنفيذها استخدام جميع العلوم من “طب، وكيمياء، وفيزياء، ورياضيات، وفلك، وآثار، وحفريات” وغيرها من العلوم.

قال تعالى:

(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (20_ العنكبوت).

  • · عقوبة السجن وصمة عار في جبين البشرية:

هل من أسباب ما تقف وراء شح الدراسات والأبحاث والمقالات التي تتناول تاريخ ونشأة السجون على الشبكة العنكبوتية (الانترنت)؟؟، وهل من سر ما يقف وراء الصمت المطبق من الكتاب والمثقفين والمفكرين والمتخصصين حول تقييم عقوبة السجن؟؟، وهل خطر ببال أحد يوما أن ينظر ويبلو ويُقَيِّمَ عقوبة السجن ويرى مدى صلاحية تلك العقوبة في إنزالها بالجنس البشري؟؟ وهل مثل تلك العقوبة تليق بآدمية الإنسان أم أنها مهينة وسالبة لآدميته؟؟. إن الكتاب والمثقفين والمفكرين هم أكثر الناس عرضة لمهانة وإذلال عقوبة السجن إلا أنني ألمس منهم صمت مخيف حول تفنيد ومناقشة وتقييم تلك العقوبة القذرة.

كل ما اطلعت عليه من كتب ومصادر ودراسات حول علم العقاب والمؤسسات العقابية وجدتها لم تتناول عقوبة السجن سوى من جانب التعريف بالسجون وأنواعها ونشأتها وتاريخها وأطوارها عبر العصور المختلفة وحقوق السجناء وطرق معاملتهم. وقد خلت كل تلك الدراسات والأبحاث والمصادر تماما من أي تقييم يذكر لتلك العقوبة القذرة التي تعد وصمة عار في جبين الجنس البشري كله، الذي تواضع على تلك العقوبة وقَبِلَ أن يُعَاقَبَ بها بني جنسه من دون أي تقييم لها أو وضعها في ميزان العدالة والحق والأخلاق، ومن جهتي هذه محاولة متواضعة مني لتقييم عقوبة السجن وكشف أنها عقوبة غير صالحة لعقاب الجنس البشري، وكذلك محاولة مني لشحذ همم الكتاب والمثقفين والمفكرين لتكثيف الدراسات والمقالات حول تلك العقوبة وتقييمها من جهة مدى عدالتها وإنسانيتها وأخلاقيتها من عدمه، وتبيين مدى صلاحيتها أو عدم صلاحيتها للجنس البشري، ومحاولة مني كذلك لإثارة أفكار الكتاب والمثقفين والمفكرين لإعادة النظر في الفكر العقابي الحالي وتقييمه وخاصة عقوبة السجن، ومحاولة إيجاد عقوبات بديلة لها.

(وللعلم والإفادة: كاتب هذه السطور سجين سياسي سابق لمدة ثلاث سنوات، ونزيل ثلاث سجون مصرية (أبو زعبل- استقبال طرة- مزرعة طرة) في الفترة من 1992 إلى 1995، وكان عمري وقت أن قبض علي تسعة عشر عاما). ولكن قبل تقييم تلك العقوبة وتبيين عدم صلاحيتها للجنس البشري أرى أنه من الضروري ذكر نبذة تعريفية بالسجون كمؤسسة عقابية، وذكر نبذة أخرى عن نشأة السجون عبر العصور المختلفة من بعض مصادر ومراجع علم العقاب لشح وجود مثل تلك الكتابات، وأذكر القارئ قبل أن يتلو هذه الفقرات أن يجعل لنفسه فرقانا بين ما يكتبه المتخصصون في كتبهم وأبحاثهم ودراساتهم من لوائح وشروط وآداب وحقوق مثالية للسجناء وما يجب أن يكون عليه السجن والسجناء وبين الواقع المهين والأليم لحال السجن والسجناء على الأرض.

عقوبة السجن صناعة من؟؟ :

عقوبة السجن صناعة بشرية شيطانية بامتياز، لم يأت بها نص على الإطلاق في أي تشريع إلهي، ولم يحدث أن عاقب بها أي من الأنبياء والمرسلين أحدا من الناس، ولم يشرعها الله في أي رسالة من رسالات الأنبياء والمرسلين على مدار التاريخ الديني الإلهي كله، وإنما كانت تلك العقوبة من بنات أفكار شواذ الطغاة والمستكبرين في كل عصور التاريخ، وسجن فرعون موسى الذي ذكر في القرآن وكذلك سجن عزيز يوسف شر شاهدين على ذلك.

التعريف بالمؤسسات العقابية (السجن):

بعد أن يصدر القضاء كلمته في قضية ما، ويتم تحديد نوع المعاملة أو العقوبة التي يلتزم المذنب بتأديتها سواء في صورة عقوبة بأنواعها المختلفة أو كانت تدبيرا احترازيا كرد فعل لهذه الجرائم أو الذنب الذي وقع من المتهم، تبدأ مرحلة تنفيذ هذه العقوبات وذلك في أماكن مخصصة لذلك وهي ما تعرف باسم المؤسسات العقابية أو مؤسسات التنفيذ العقابي (السجون). فيقع الدور الأساسي في ذلك على عاتق إدارة هذه المؤسسات لوضع الحكم الصادر موضع التنفيذ والقيام بتطبيقه طبقا لما تحكم به اللوائح والقوانين المنظمة لتلك المؤسسات والتي ينص عليها القانون في مثل هذه الشئون.

تطور المؤسسات العقابية (السجون) في العصور السابقة :

“لم تكن السجون قديما إلا مكانا يعزل فيه المحكوم عليهم بعقوبات بدنية انتظارا لتنفيذ الحكم، ومع التطور وظهور العقوبات السالبة للحرية أعدت هذه المنشآت لاستقبال المحكوم عليهم وبقائهم فترة العقوبة داخلها، ولم تكن أيضا أسعد حالا بالرغم من هذا التطور حيث بقيت مكانا لعزل النزلاء عن المجتمع اتقاء شرهم حتى لحظة الإفراج عنهم. وبالتالي فإن فكرة السجون أو المؤسسات العقابية ليست حديثة بل هي من أقدم العصور. وإليك التطور التاريخي لنشأة السجون في مختلف العصور:

السجون في زمن فرعون موسى وعزيز يوسف :

يعتقد بعض الناس أن المؤسسات العقابية أو السجون وهي أقدم النظم والمؤسسات العقابية ظهورا في التاريخ لا يتعدى عمرها قرنا واحدا من الزمان، ولكن الحقيقة غير ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم أن السجون كانت موجودة منذ عصر فرعون موسى، وكانت موجودة في عهد عزيز مصر الذي اشترى النبي يوسف عليه السلام، وقد ذُكِرَ السجن في القرآن الكريم عشر مرات مرة عن سجن فرعون موسى، وتسع مرات عن سجن عزيز مصر الذي سجن النبي يوسف، قال تعالى عن فرعون:

(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ) (29_ الشعراء).

وقال تعالى عن يوسف:

(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (35_ يوسف).

(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ) (36_ يوسف).

السجون في النظام العقابي الإسلامي :

وقد عرف النظام العقابي ومؤسساته في فترة صدر الإسلام “فقد عرف المسلمون نظام المؤسسات العقابية (السجون) منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان عمر قد اشترى بيتا أو دارا في المدينة وخصصها لإنزال الأشخاص المحكوم عليهم في جرائم التعذير، وقد تبعه كل ولاة البلدان الإسلامية، فاتخذوا بدورهم سجونا، يوضع فيها كل من يحكم عليه بحكم من التعذير أو غيره من الأحكام. إذن ليست فكرة العقاب في أماكن منعزلة أو فكرة إنشاء السجون أو المؤسسات العقابية جديدة بل هي قديمة قدم التاريخ.

نظام السجون في العصور الوسطى :

تعتبر إنجلترا من أولى دول العالم التي عرفت نظام وتنظيم السجون، وقد كان الأفراد المحكوم عليهم قبل ذلك يودعون في القلاع والحصون الحربية، ويعتبر السجن الأول الذي أقامته إنجلترا وهو سجن (بريد ويل) وقد أطلقت عليه وقتئذ دار الإصلاح قد أنشئ هذا السجن في عام 1552 م. وقد خصصت الحكومة البريطانية هذا السجن أو هذا الدار للمسجونين غير الخطرين، وكان يتبع فيه نظام إخضاع المسجونين للعمل والنظام حتى يمكن إصلاحهم وردع الآخرين دون الاهتمام بحقوقهم أو أشخاصهم ودون مراعاة لسنهم أو لحالاتهم الصحية بل كانت القسوة والعنف هي الغالبة على التعامل داخل هذا السجن.

نظام السجون في القرن الثامن عشر :

“شهد القرن الثامن عشر بداية حقيقية لتطور السجون أو بالأصح بداية ظهور السجون في الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا حيث كانت مكانا لإيداع المحكوم عليهم، دون الاهتمام بهم سواء من حيث العلاج أو الغذاء، أو الكساء أو الجانب الأخلاقي مما أدى إلى تفشي الأمراض وانتشار العادات السيئة اللاأخلاقية بينهم. من الملاحظ هنا أن كل السجون التي ظهرت في هذه الآونة وفي تلك البلاد بالتحديد لم تكن تحظى باهتمام الحكومات أو الجماعات المسئولة عنها بل كانت تعاني من الإهمال الجسيم.

مراجع هذا البحث:

1. مبادئ علم العقاب ، د.نور الدين هنداوي ، دار الكتب ، ص154 .

2. دروس في علم العقاب ، د. محمد مصباح القاضي ، دار الأرقم ، ص162 .

3. مذكرات في علم العقاب ، د. نور الدين هنداوي ، جامعة الكويت ، ص114.

4. علم العقاب ، ط1 ، د . أسامة قايد ، دار النهضة العربية ، ص99 .

  • · إلغاء عقوبة السجن في “النظام المديني”:

المرء الذي يرتكب جرما ما لابد من إيقاع العقاب عليه هو وحده نظير ما ارتكب من جرم من دون أن يتضرر غيره بشيء نظير عقوبته تلك، لكن في نظام عقوبة السجن تنفق الدول الأموال الطائلة وترصد الميزانيات الضخمة لبناء السجون وتأمينها وحراستها وتوفير قدرا من الطعام والشراب والملابس والأدوية وغيرها من الخدمات التي تبقي على المساجين أحياء خارج أسوار الحياة، فلك أن تتخيل تلك المبالغ الطائلة التي تنفقها الدول سنويا وبصفة مستمرة على ماذا؟؟ على عقاب المذنبين والمجرمين!!!، فهل يقر ببال عاقل أن تقتطع الدول من أقوات الشعوب تلك المبالغ الطائلة التي تنفقها على السجون والمسجونين لعقاب المذنبين والمجرمين، في حين أن الشعوب البريئة الآمنة والمواطنون الصالحون لا يجدون لقمة العيش، أي خلل هذا وأي نظام للعقوبة ذلك؟؟!!.

ناهيك عن أن عقوبة السجن ليس لها أي أثر على تراجع معدلات الجريمة في العالم فلم تمنع عقوبة السجن جرما ولم تحد من جريمة، فالجريمة في ازدياد مستمر حتى ممن سبق وأن عوقبوا بالسجن على جرائم قد ارتكبوها من قبل. بل إن عقوبة السجن قد تزيد المجرم إجراما وتفقده الثقة بنفسه وتشوهه أمام نفسه والآخرين، فلم يفلح السجن يوما في إصلاح كل سجين أو تحويله إلى مواطن صالح، ولم يفلح السجن كذلك في إحداث تغييرات في معتقدات السجناء أو أفكارهم إن لم يتغيروا هم من أنفسهم وبأنفسهم، ناهيك عن عدم عدالة عقوبة السجن لمماثلة ما يسمى بجرائم الفكر والنشر والتعبير في عالمنا العربي، وهل يصلح السجن عقوبة لمثل تلك القضايا؟؟!!، وهل من الحق والعدل في شيء أن نطلق على مثل تلك القضايا (جرائم) ثم نعاقب أصحابها بسلب حرياتهم والقذف بهم خارج أسوار الحياة؟؟،

ناهيك عن بعض الجرائم التي لا تتناسب مع العقوبة إطلاقا سواء بقصر مدة العقوبة أو بطولها، فالعدالة في العقاب تقتضي أن تتماثل السرعة في إنجاز العقوبة كالسرعة في إنجاز الجرم وهذا ما لا يتوافر في عقوبة السجن قط، فالجاني يرتكب جرمه في دقائق أو ثواني معدودة أو سويعات معدودة، أما المجني عليه في المقابل يتألم من جرم الجاني ولكن سرعان ما يتبدد الألم ويزول في ساعات أو أيام معدودة، بينما الجاني يتألم كل لحظة وكل ثانية وكل دقيقة وكل ساعة لسنوات طويلة أو لشهور طويلة داخل السجن، والمجني عليه يتركز ألمه في جزئية واحدة، بينما الجاني المسجون آلامه في كل شيء، وذلك قمة الإجحاف والظلم في حق المذنب. فهل من العدالة مثلا أن يسرق شخص من شخص ألف جنيه أو أكثر فيسجن لمدة عام وتترك أسرته من ورائه من دون عائل يقوم على رعايتها مدة تنفيذ العقوبة. بل وانظر لحاله بعد خروجه من السجن حين يجد زوجته مدينة وأولاده مشردون وغير ذلك من تبعات بشعة تلحق بأسرة السجين أثناء سجنه وبعده، فعقوبة السجن لا تقع على السجين وحسب بل هي عقوبة لأهله وذويه كذلك، ويكفي عقوبة السجن إجحافا وظلما وسفاهة ومهزلة أنها لم تُرْجِعْ يوما حقا واحدا مسلوبا لمُعْتَدَى عليه، إذ ما الفائدة التي ستعود على المجني عليه من سجن الجاني؟؟!!، فمثلا شخص ما سُرِقَ منه مبلغ ألف جنيه وهو بحاجة ماسة له، ثم تم حبس الجاني لمدة عام أو أقل أو أكثر فما الفائدة وما العوض الذي سيعود على المجني عليه من جراء سجن الجاني؟؟!! (قمة السفاهة)، ناهيك عن العبارة المضحكة المبكية التي يطلقونها على عقوبة السجن التي تقول: (السجن إصلاح وتأهيل)، والحق إن السجن (تخريب وإهانة لآدمية السجين وتشريد وضياع لأهله وذويه من بعده).

وإن من الخطأ الفادح الذي وقعت فيه البشرية أن جعلت لمعظم الجرائم إن لم يكن كل الجرائم عقوبة واحدة هي السجن خاصة بعد إلغاء عقوبة الإعدام في أوروبا، وهذا ليس من العدل في شيء، فالعدالة في العقاب تقتضي أن يكون العقاب من جنس الجرم إن أمكن وبمثله، أو يتنوع العقاب وفق وزن الجرم، إذ هل من العدل في شيء أن تكون عقوبة المفكر مثلا في دولنا العربية كعقوبة اللص والمرتشي والمحتال والمختلس وتاجر المخدرات والجاسوس والقاتل؟؟!!، ناهيك عن أن السجين يكون في معزل عن عيون الناس مما قد يعرضه ذلك لصنوف شتى من العقاب النفسي والبدني وعدم الاهتمام به كإنسان، ثم إن جنس عقوبة السجن هو الحرمان من الحرية أما جنس الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن لا يرقى في معظمها إلى قسوة تلك العقوبة البشعة. وإذا كان القانون قد وُضِعَ لصون أموال الناس وممتلكاتهم وحرماتهم، فقد وضعت عقوبة السجن لقطع المذنبين من الحياة قطعا وحشرهم في قبور تكتظ بالأحياء فترة من الزمن ويتم تشريد ما لا جرم لهم من ذوي المذنبين وأهليهم، بل إن عقوبة السجن تفقد السجين الكثير والكثير من الأشياء النافعة التي فاته الحصول عليها من الحياة وتفوته الكثير والكثير من الفرص أثناء قبره داخل السجن، ناهيك عن أن السجون والسجناء ليسوا سواء، فعلية القوم من لصوص البنوك والفنانين والوزراء والمسئولين وذوي السلطان والجاه لهم سجون سوبر ستار متوفر بها كل رغد الدنيا وزينتها ولهم امتيازات ليست لغيرهم من عامة الشعب والغوغاء والدهماء أمثالنا.

كذلك في قوانين السجون تفرد العقوبة وفق كل جرم على حدة ففوق سلب حرية السجين وقطعه من الحياة وسلب آدميته فلكل جريمة سجن خاص تنفذ فيه العقوبة وفق فظاعة الجريمة، فكلما كانت الجريمة خطيرة كلما كان السجن الذي ستنفذ فيه أكثر صرامة وقسوة وإذلالا للسجين وامتهانا لكرامته، ويتم تقسيم السجون على أساس التفريق بين الرجال والنساء وصغار السن (الأحداث) فحسب، بينما لم يراعي التقسيم شخصية السجناء ومؤهلاتهم العلمية وميولهم الثقافية وبيئاتهم المنحدرين منها مما يضاعف السجن إلى سجنين سجن العقوبة وسجن معاشرة أناس ليسوا منه وليس منهم، ناهيك عن أن جميع السجون في البلدان العربية والنامية عموما تخضع لوزارات الداخلية مما يزيد من معاناة السجناء وقهرهم وإذلالهم، ولقد ظن أصحاب الفكر العقابي الذين شرعوا تلك العقوبة القذرة للآدميين أن مضمون العقوبة هو سلب الحرية وعزل الجاني عن المجتمع فحسب، وفاتهم أن سلب حرية الإنسان وعزله في مكان ما وراء الحياة يعد مئات بل آلاف من العقوبات المترابطة والمتشابكة والمتداعية والمتكاثرة في كل لحظة للسجين ولذويه طيلة فترة سجنه.

ناهيك عن جرائم التعذيب والتنكيل الوحشية غير الآدمية البشعة التي ترتكب في حق السجناء وخاصة المعارضين السياسيين خارج أسوار الحياة والتي لا يدري أحد عنها شيئا ولا يعلم بها أحد إلا الله، ناهيك عن أن عقوبة السجن من أنسب العقوبات وأشهاها وأوفرها حظوة عند الطغاة والمستبدين والديكتاتوريين، فهي العقوبة الوحيدة التي من خلالها يستطيع كل طاغية ديكتاتور مستبد أن يجد له فيها لونا من الشرعية في استخدامها لإسكات الشعوب وقهرها وإرهابها وقمعها وإخراجها من مسرح الحياة وإزاحتها من طريق المعارضة له ولحكمه، وذلك عن طريق سن قوانين الطوارئ والحبس الاحتياطي وقرارات التحفظ والاعتقال، ناهيك عن السجون السرية التي لا يعلم بها أحد إلا سجانيها، ناهيك عن حملات الاعتقال التعسفي لمئات وآلاف الأشخاص بحجة الحفاظ على أمن البلد والأمن القومي، ناهيك عن مئات بل آلاف الأبرياء الذين يسجنون ظلما في أي أحداث شغب أو اعتصام أو إضراب أو محاولات انقلاب لمجرد الاشتباه أو الشكاوى الكيدية فيمضون سنين طويلة من أعمارهم وراء جدران الحياة بسبب أحداث لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وما العقوبة التي تعين كل طاغية مستبد على فعل كل هذا سوى عقوبة السجن القذرة.

  • · عدم صلاحية عقوبة السجن للآدميين:

عقوبة السجن من أبشع وأحط العقوبات التي استخدمها الجنس البشري في تاريخه كله لعقاب الفرد المذنب، بل إن عقوبة السجن أبشع وأحط من أي جرم يمكن أن يرتكبه إنسان بحق أخيه الإنسان، فالمذنب يخلع على أعتاب السجن أول ما يخلع آدميته وكرامته واختياره وحريته وحياته، فالسجن ليس عقوبة واحدة كما يخال للبعض إنما السجن مئات بل آلاف من العقوبات والجرائم النفسية والجسدية والاجتماعية التي تُرْتَكَبْ في حق المذنب وأهله وذويه والمجتمع كله في مقابل جرم واحد فعله أو عدد قليل من الجرائم، فعقوبة السجن تخلو تماما من أي عدالة في العقاب نسبة إلى أي جرم قد يرتكبه أي مذنب. فالسجن مقبرة للآدميين الأحياء، بل إن مقبرة الآدميين الموتى لهي أكثر كرامة وعزة وصونا وشرفا وأمنا وراحة وسعة وأنسا على ضيقها وظلمتها ووحشتها من مقبرة الآدميين الأحياء.

فحين تطأ قدم الإنسان السجن لأول مرة وتخطو أولى خطواتها نحو اللاحياة يحرم السجين ليس من حريته فحسب بل يحرم من الحياة بكل ما فيها من متع وملاذ وتبدأ رحلة اللاحياة في شكل حياة كاذبة مهينة، وتنهال عليه في كل لحظة وفي كل حين عقوبة جديدة حتى اللحظة الأخيرة في مدة سجنه، فيجد السجين نفسه في قبر مكتظ ببقايا حياة حيث لا خصوصية ولا ستر ولا خلوة وتصبح حركاته وسكناته ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ساحة مباحة منتهكة من كل ناظر، وكلماته وآهاته ودقات قلبه وصوت أنفاسه ساحة مباحة منتهكة من كل أذن صاغية، فاكتظاظ السجون والزنازين بالآدميين عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من اتصاله بأهله وأبنائه وزوجه وإخوانه وأصدقائه وجيرانه وزملائه وبقية البشر عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من متابعة أبنائه وتربيتهم عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مواصلة عمله الذي هو مصدر قوته وقوت أبنائه وذويه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مشاركة بني جنسه في أن يكون له دور وبصمة في الحياة عقوبة بمفردها، وفرض طعام بعينه على السجين طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وفرض لباس بعينه على السجين طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، واحتقار السجين من قبل سجانيه وإذلاله وازدرائه طيلة فترة سجنه وبعد سجنه عقوبة بمفردها، والإهمال الصحي والعلاجي للسجين عقوبة بمفردها، وإجبار السجين على ممارسة مهنة الطهي والغسل وتنظيف الزنازين والمراحيض بغية الإهانة والإذلال عقوبة بمفردها، والاعتداءات المتكررة على السجين فيما يسمى بحفلات الاستقبال عقوبة بمفردها، وتشغيل السجين في مهن شاقة وقاسية كتكسير الأحجار وحمل الأثقال وغيرها من الأشغال الشاقة عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من ممارسة الجنس مع زوجه طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مشاركة أهله وذويه في أفراحهم وأحزانهم طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من الاطلاع على تطورات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عقوبة بمفردها، ومعاناة أسرة السجين النفسية والاقتصادية والاجتماعية طيلة فترة سجنه عقوبة أخرى للسجين ولأسرته، وموت السجين في سجنه بعيدا عن أهله عقوبة بمفردها له ولأهله، وموت أحد أقرباء السجين أو عدد منهم أثناء فترة سجنه وحرمانه من تشييعه وتقبل العزاء فيه عقوبة بمفردها، وحرمانه من حضور زواج أحد أبنائه أو أحد أفراد عائلته عقوبة بمفردها.

أما أحوال النساء السجينات وخاصة الأمهات منهن فسينزف القلم ألما ولن تطيعني يدي في الكتابة عنهن وعن معاناة أبنائهن وسأترك للقارئ أن يتذوق بخياله مدى قسوة ومرارة وبشاعة وانحطاط عقوبة سجن النساء وخاصة الأمهات.

ولو أخذت أعدد وأحصي ما يحويه السجن من عقوبات لن يكفيني عشر مجلدات، فهل من العدالة في شيء إنزال مثل تلك العقوبة اللعينة مركبة العقوبات بشخص ارتكب جرما واحدا أو أكثر قد سبب ذلك الجرم إيلاما واحدا في جهة واحدة لشخص واحد هل في ذلك مثقال ذرة من العدالة أو القسط أو الحق؟؟.

ما العمل؟؟ :

أولا: على جميع منظمات المجتمع المدني وخاصة منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ونقابات المحامين واتحاد المحامين وكليات الحقوق والمراكز البحثية ومراكز البحوث الاجتماعية والجنائية ووزارات العدل في جميع أنحاء العالم وكل آدمي يحمل بين جنبيه شيئا من بقايا الإنسانية أن يساهم بكل ما يستطيع في المطالبة بإلغاء عقوبة السجن واعتبارها عقوبة ضد الإنسانية وغير لائقة لعقاب الجنس البشري، واستبدالها بعقوبات أخرى أكثر عدالة وإنصافا وسرعة للمعتدين والمعتدى عليهم.

ثانيا: على جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة كالصحف والمجلات والقنوات الفضائية ومواقع الإنترنت الفكرية والعلمية والثقافية والقانونية والدينية والسياسية والحقوقية والاجتماعية بإجراء استفتاءات حول مدى صلاحية عقوبة السجن للجنس البشري، وإقامة حملات تضامنية حول إلغاء عقوبة السجن واستبدالها بعقوبات أخرى مناسبة وأكثر إنسانية وعدالة وكرامة وحياة للجاني والمجني عليه.

ثالثا: على كل الإعلاميين والصحافيين والكتاب والمثقفين والمفكرين والمتخصصين في علم العقاب بتكثيف المقالات والأبحاث والدراسات حول عقوبة السجن وأضرارها ومفاسدها على الإنسان قبل السجن وأثناءه وبعده، واختبار مدى صلاحيتها لعقاب الجنس البشري.

رابعا: أهيب بكل المتخصصين في علم العقاب وكل المفكرين والباحثين بأن ينذروا أنفسهم لإعادة النظر والتقييم في المنظومات العقابية الحالية والفكر العقابي الحالي، ومحاولة وضع فكر عقابي جديد أكثر عدالة وكرامة وصونا لآدمية وحقوق الجاني والمجني عليه.

خامسا: عقد ندوات تضم نخبة من المتخصصين في شتى المجالات ذات الصلة  لمناقشة هذه القضية من كافة جوانبها القانونية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية وتقديم أوراق عمل بها عددا من التوصيات الهامة بشأن تلك العقوبة.

سادسا: تحفيز همم الجماهير المختلفة إلى الاهتمام بمثل تلك القضية الهامة عبر برامج التلفاز المختلفة وعبر مواقع الإنترنت للإدلاء بآرائهم وتعليقاتهم وأفكارهم حول تقييم تلك العقوبة.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: (إن الفكر العقابي الذي قنن عقوبة السجن هو فكر منحط غير آدمي يجب تجريمه).

  • · تجربتي الشخصية في سجون الطاغية “حسني مبارك”:

لقد تم اعتقالي سياسيا لمدة ثلاث سنوات في عام 1992م وكنت يومها في التاسعة عشرة من عمري بسبب إلقائي خطبة جمعة انتقدت فيها الرئيس مبارك وذكرت فيها أن هذا الرجل تبدو عليه غلظة القلب وقساوته، ويبدو عليه أنه رجل عنيد جبار متكبر يحتقر الشعب المصري ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة، وطالبت يومها بالثورة عليه وعزله من الحكم وإيداعه السجن، وبعد أن فرغت من الخطبة ومن أداء صلاة الجمعة رجعت إلى بيتي، فلما جن الليل وبعد انتصافه بساعتين إذا بزوار الفجر يقرعون الباب قرعا وكأن القيامة قد قامت، فهرع أبي إلى الباب ليفتحه، ولما فتحه وجد قوة من مباحث أمن الدولة مدججة بالأسلحة الآلية والعربات المصفحة، وجنود الأمن المركزي تحيط بالبيت، وتم إغلاق كل الشوارع التي تؤدي إلى البيت، وتم إلقاء القبض علي واقتادوني إلى مبنى فرع مباحث أمن الدولة بأسيوط بعد أن وضعوا عصابة سوداء على عيني وربطوا يدي من خلفي وقيدوا قدمي ووضعوا فيهما القيود الحديدية، ثم حملوني وألقوا بي على ظهر سيارة نقل (لوري)، كان بها عددا ممن ألقوا القبض عليهم قبلي من بعض البلاد والقرى المجاورة.

وبعد التحقيقات معي في مقر أمن الدولة بأسيوط لمدة عشرة أيام قرروا اعتقالي، فقاموا بترحيلي إلى سجن (استقبال طرة) بالقاهرة، وبعد أربعين يوما جاءني إفراج قضائي بناء على تظلم تقدم به بعض إخوتي إلى المحكمة، لكنهم لم يطلقوا سراحي، وقاموا بترحيلي مرة أخرى من (سجن استقبال طرة) بالقاهرة إلى حيث مبنى مباحث أمن الدولة بأسيوط، ومكثت في مبنى أمن الدولة ما يقرب من أسبوعين، وبعدها قرروا اعتقالي مرة ثانية وقاموا بترحيلي إلى (السجن الصناعي بأبي زعبل) التابع لمحافظة القليوبية فمكثت بهذا السجن ما يقرب من عامين، وطلبت من أهلي يومها بألا يرفعوا لي دعوة تظلم مرة أخرى لأنني أعلم أنهم سيعيدوا اعتقالي مرة أخرى، كي أتجنب المعاناة المفرطة والقاسية التي ألاقيها في عملية الترحيل ذهابا وإيابا بين القاهرة وأسيوط في عربة الترحيلات في عز البرد وفي عز الحر، فاستجابوا لي ولم يرفعوا دعوة تظلم مرة أخرى،

وأنا هنا لن أتحدث عما لاقيت أنا ومن معي في السجن من اضطهاد وذل وتعذيب وقهر داخل سجون الطاغية الأثيم (حسني مبارك)، ولن أتحدث عن نوعية الطعام التي كانت تقدم للسجناء السياسيين التي تعاف البهائم عن تناولها، ولن أتحدث عن مدى التفنن الذي كان يتفننه زبانية الطاغية الأثيم (حسني مبارك) وجنوده الأشرار في التنكيل بنا وإذلالنا وإهانتنا ودهس كرامتنا بأحذيتهم بطريقة يخجل فرعون موسى عن فعل مثيلها، ولن أتحدث عن افتعال إدارة السجن لأزمة ومشكلة في أواخر عام 1993م بإيعاز من مباحث أمن الدولة لإغلاق السجن علينا غلقا كاملا ومنعنا من الفسحة خارج الزنازين، ومنع زيارات الأهالي لمدة عام ونصف العام، ومنع دخول أي طعام يأتينا من خارج السجن، ولن أتحدث عن أنهم قاموا بتجريدنا من ملابسنا جميعها ولم يبقوا لكل سجين سوى قطعتين فقط من الملابس الداخلية، وأخذوا كل ما لدينا من بطاطين ننام عليها أو نتغطى بها، وتركونا هكذا ننام على أرضية بلاط الزنازين دون فراش ودون غطاء لمدة شهرين ونصف، وكان ذلك في شهر نوفمبر وديسمبر ويناير 1993م، أي في عز زمهرير الشتاء السام، وقاموا بإخلاء جميع زنازين السجن تماما من كل شيء ومن أي آنية للأكل أو الشرب، وكانوا يضعون لنا طعام (الفول) و(العدس) في أكياس بلاستيكية أو على ورق كارتون أتوا به من حاويات زبالة المساجين الجنائيين في (سجن ليمان أبي زعبل) المجاور لنا.

لن أتحدث عن كل هذا ولا عن آلاف الأشياء والتفصيلات غيرها، إذ كل ذلك لم يؤلمني نفسيا ولم يترك بداخلي أي آثار سيئة، لكن ما آلمني حقا وترك بالغ الأثر في نفسي هو ذلك الأثر الذي يشبه كي جمرة نار لا تنطفئ وظلت تغلي في دمي وفي عروقي وأوردتي وشراييني حتى استجاب الله دعوتي في الطاغية الأثيم (حسني مبارك) وملأه وجنوده، ففي أواخر العامين اللذين قضيتهما في السجن الصناعي بأبي زعبل يبدو أن أحدا من أهلي تقدم بتظلم إلى القضاء للإفراج عني، وليته ما فعل، فبالفعل جاءني إفراج، فقاموا بترحيلي إلى (قسم شرطة شبرا) ومكثت فيه ما يقرب من ستة أيام، وذات صباح نادوا علي وعلى من معي من المعتقلين لترحيلنا مرة أخرى إلى (سجن أبي زعبل الصناعي).

وحين وصلت بنا عربة الترحيلات إلى باب السجن في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وكان عدد المعتقلين بداخلها ما يقرب من 22 معتقلا، وجدنا أن إدارة السجن قد جهزوا لنا ما يسمى بـ (التشريفة) أو (الاستقبال)، وهما عبارة عن عشرات من قوات الأمن المركزي المدججين بالهراوات والعصي المكهربة، وعلى رأسهم ضابط مباحث بزي مدني يدعى (مصطفى جابر) أمرنا هذا الضابط بخلع ملابسنا جميعها وحين أقول جميعها أعني جميع الملابس بلا استثناء، ثم أمرنا أن ننزل الواحد تلو الآخر في براميل حديدية مملوءة بماء شديد البرودة وكان ذلك في عز الشتاء وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكان يأمر كل من يخرج من البرميل أن يتدحرج بكامل جسده على الأرض ثم يعود مرة أخرى إلى البرميل وهكذا.

كل هذا يتم تحت الضرب المستمر بعصي من الخيزران الرفيع على ظهورنا وصدورنا بقسوة مفرطة وبلا آدمية منقطعة النظير من قبل عشرات من جنود الأمن المركزي. وبعد أن استمر الضابط يفعل بنا هكذا لفترة من الوقت، أمرنا أن نصطف جميعا في طابور ثم أمرنا بالسجود، (إي وربي أمرنا بالسجود له)، ثم قال أريد منكم أن تقولوا بأعلى أصواتكم (سبحان مصطفى جابر) وأنتم ساجدين لي، ولما امتنعنا عن فعل ذلك ظل هذا الضابط (الكفار الأثيم) يفعل بنا ذلك حتى أذان الفجر.

وبعد هذه الحادثة ببضعة أيام قاموا بترحيلي من سجن (أبي زعبل الصناعي) إلى (سجن مزرعة طرة) المتواجد فيه الآن أفراد عصابة الطاغية الأثيم (حسني مبارك)، وفي هذا السجن كلما تذكرت ليلة (التشريفة) و(الاستقبال) تلك كلما فُتِحَت جراحي وازدادت آلامي واتقد قهري، فكنت أنشد راحتي وتخفيفا لآلامي في تلاوة بضع آيات من القرآن، وكنت أتوضأ وأقوم بين يدي الله في الصلاة وأدعو على مبارك وزبانيته وملأه وجنوده أن يذيقهم الله الخزي في الحياة الدنيا قبل موتهم وقبل يوم القيامة وأن يشفي منهم صدور قوم مظلومين مقهورين، وفي إحدى الليالي وأنا في سجن (مزرعة طرة) ظللت أصلي تلك الليلة وأنا أردد لعشرات المرات دعاء موسى على فرعون الوارد في سورة يونس الذي قال فيه: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ(88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (89_ يونس).

فكتب الله لي أن أخرج من السجن الصغير عام 1995م إلى السجن الكبير، فمنذ خروجي من (سجن مزرعة طرة) في عام 1995 وأنا شبه خاضع للإقامة الجبرية في موطني بأسيوط، ومنذ 18 عاما واسمي موضوع على كافة كمبيوترات موانئ ومطارات مصر في قائمة الممنوعين من السفر والمطلوبين أمنيا، وغير مسموع لي بالسفر خارج مصر إلا بتصريح رسمي من مباحث أمن الدولة، وممنوع علي مغادرة محافظة أسيوط إلى أي محافظة أخرى من محافظات مصر إلا بعد إعلام وموافقة مباحث أمن الدولة وإفادتهم بدواعي السفر وأين سأقيم ومدة الإقامة ومتى سأعود، ومحظور علي الظهور في أي برنامج تليفزيوني أو الإدلاء بأي حوار في أي جريدة داخل مصر أو خارجها إلا بعد إبلاغ الجهات الأمنية بذلك وأخذ موافقتها، وظللت هكذا حتى قيام ثورة 25 يناير واستجاب الله لدعائي ولدعاء ملايين المظلومين والمقهورين والمعذبين في ظل نظام الطاغية الأثيم (حسني مبارك)، وجاء اليوم الذي أراد الله أن يسجن فيه الطاغية الأثيم (حسني مبارك) وعصابته في نفس السجن الذي سجن وأذل وعذب فيه شعبه.

ألا بُعْداً لمبارك وبُعْداً لملأه وبُعْداً لجنوده وزبانيته الأشرار، وألا بُعْداً لكل طاغية وبُعْداً لكل كفار أثيم، (فَقُطِعَ دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)، الحمد الله الذي صدق وعده واستجاب دعوات عباده المظلومين والحمد الذي أعز الشعب المصري وهزم وأذل حسني مبارك وأفراد عصابته المجرمين، (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (92_ يونس).

  • · قانون العقوبات في “النظام المديني”:

كل الأنظمة في العالم بما فيها النظم الديمقراطية الليبرالية الغربية وكذلك النظم العربية والإسلامية التي تتخذ من السجن عقوبة للمخطئين هي أنظمة تضر بالمجني عليه وتضر بالجاني على حد سواء لأنها تعتمد في عقوبتها للمخطئين على عقوبتين لا ثالث لهما: إما عقوبة السجن، أو عقوبة الإعدام. هاتان العقوبتان تقومان على غاية واحدة هي الانتقام من الجاني فحسب، وفي الوقت نفسه تغفل تماما الضرر الذي لحق بالمجني عليه، فهي بذلك تضر بالمجني عليه أكثر مما تفيده، ومثلا على ذلك لو أن شخصا سرق من شخص 10000 آلاف جنيه وهو في أمس الحاجة إليها ربما لإجراء عملية جراحية لنفسه أو ابنه أو أي من ذويه، وربما يحتاج إليها في أمور ملحة وهامة وضرورية أخرى، فماذا سيعود على المجني عليه إذا تم سجن الجاني لعام أو عامين أو مائة عام؟، لذلك إن النظام العقابي العالمي المعمول به الآن في جميع دول العالم هو نظام ظالم لا إنساني يجرم في حق الجاني وفي حق المجني عليه على حد سواء،

أما في القرآن العظيم وفي “النظام المديني” فلا وجود لعقوبة السجن ولا حاجة إليها على الإطلاق، لأن العقوبات في النظام المديني لا تقوم على الانتقام من الجاني والانتقام من ذويه وأهله بالتبعية بغير الحق، إنما تقوم العقوبات في القرآن العظيم وفي “النظام المديني” على المثلية والقصاص في العقوبة وعلى العدل والحق والقسط بين الجاني والمجني عليه وتعويض المجني عليه عما لحق به من ضرر خاصة في الجرائم المالية والعينية، كذلك العقوبات في القرآن العظيم وفي “النظام المديني” كثيرة جدا ومتنوعة ومتعددة ومتوازنة وكل منها لها أخلاقيتها وإنسانيتها وقسطها بين الجاني والمجني عليه وتأخذ في الاعتبار أول ما تأخذ مصلحة المجني عليه ومصلحة الجاني على حد سواء، وليس إهمال المجني عليه وتركه يضرب رأسه في الحائط كما يحدث في الأنظمة التي تتبنى عقوبة السجن وعقوبة الإعدام، وسوف نعرض لقانون العقوبات في القرآن العظيم على النحو التالي:

  • · عقوبة القتل العمد: في “النظام المديني”:

أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني”، قامت بتجريم جريمة قتل النفس بغير حق أيا ما كانت تلك النفس المقتولة وأيا ما كان دينها أو طائفتها مادامت نفسا بشرية.

قال تعالى:

(وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) (33_ الإسراء).

أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” أقرت بحرمة نفس الإنسان وحرمة حياته وأمرت بعدم الاعتداء عليها بغير حق. وأقرت لولي المقتول بحقه في إيقاع القصاص من قاتل النفس بغير حق.

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى). (178_ البقرة).

وفي المقابل تركت مجالا للقاتل للإبقاء على حياته والعفو عنه إن رضي وعفا عنه أهل المقتول وتنازلوا عن حقهم في القصاص منه، ولا تؤخذ دية في القتل العمد إنما الدية في القتل الخطأ فحسب، كما نص على هذا القرآن الكريم، وبذلك تكون أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني”، قد سبقت جميع أحكام وأنظمة العالم أجمع في حض الناس على إلغاء “عقوبة الإعدام”.

قال تعالى:

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (178_ البقرة).

  • · عقوبة القتل الخطأ في “النظام المديني”:

لقد نظم القرآن العظيم مسألة القتل الخطأ في حال كان المقتول مسلما مؤمنا أو في حال كان من قوم أعداء محاربين، أو في حال كان من قوم بيننا وبينهم ميثاق وعهد، ففي حال كان المقتول خطئا مسلما مؤمناً فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وتحرير الرقبة هنا لا يقصد بها تحرير العبيد والجواري فحسب، بل وتنطبق كذلك على فك رقبة من كان مرهونا في دين لا يقدر على سداده، ودية مسلمة إلى أهل المقتول، أو أن يتصدق أهل المقتول خطئاً بالدية على القاتل ولا يأخذوها منه، أما لو كان المقتول خطئا من قوم أعداء محاربين، فيكتفي القاتل بفك رقبة مؤمن من دينها، وأما لو كان المقتول خطئا من قوم غير مسلمين وبين المسلمين وبينهم ميثاق وعهد، فعلى القاتل أن يقوم بتسليم الدية إلى أهل المقتول، وعليه أن يقوم بتحرير رقبة مؤمن من دينها، وإن لم يجد ما يعتق به رقبة مؤمن من دينها فعليه أن يصوم شهرين متتابعين.

قال تعالى:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً). (92_ النساء).

  • · عقوبة “الجروح” في “النظام المديني”:

لا تقر أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” بجريمة تسمى “الشروع في القتل” فالجرائم التي تقرها أحكام القرآن العظيم هي: “القتل العمد، القتل الخطأ، الجروح”، أما عقوبة الجروح والإصابات الجسدية والتي تصفها بعض القوانين الوضعية بـ جريمة “شروع في قتل”. فقد شرعت لها أحكام القرآن العظيم إما القصاص بقطع نفس عضو الجاني المماثل للعضو الذي قام بقطعه من المجني عليه سواء كان العضو المقطوع “أذناً، أو عيناً، أو أنفاً، أو سناً، أما لو كانت الجناية جرح أو إصابة دون القطع فيجرح الجاني بنفس الجرح وفي نفس الموضع، وأقرت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” بحق المجني عليه أن يتصدق بحقه في القصاص على المجني عليه ويعفو عنه.

قال تعالى:

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ). (45_ المائدة).

  • · عقوبة السارق في “النظام المديني”:

قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” قطع يد السارق والسارقة جزاءً لهما على جريمة السرقة وتنكيلا بهما، وقررت أحكام القرآن العظيم أن السارق أو السارقة لو تاب أحدهما قبل الإمساك به وأصلح ما أفسد برد الأشياء المسروقة لأصحابها فإن الله يتوب عليه.

قال تعالى:

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(38) فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (39_ المائدة).

من هو السارق؟

أكثر الناس إن لم يكن جميعهم يظنون أن من سرق شيئا ولو كان “عوداً من ثقاب” ولو مرة واحدة تقطع يده، هكذا ظن الذين لا يعلمون، هذا الفهم لعقوبة السارق لم يرد هكذا على الإطلاق في القرآن العظيم، وذلك لأن الذين لا يعلمون يضعون نصوص القرآن العظيم في غير مواضعها التي وضعها الله فيها، فالقرآن العظيم قد وضع هذه العقوبة “للسارق” وليس لمن سرق مرة أو حتى مرتين أو ثلاث، أما من سرق لمرة أو اثنين أو ثلاث بدافع الفقر أو بدافع الجوع أو بدافع الاضطرار والعوز لا يعد سارقا ولا يعاقب بأي عقوبة، بل يحكم بتغريم وإلزام من يلي أمره بقيمة المسروق سواء كان ولي أمره أب أو أم أو أخ أو أخت لأنهم لم يراعوا هذا الشخص ويتعهدوه بالإنفاق عليه وسد جوعه أو فقره أو احتياجه إن كانوا في سعة من المال، أما إن كانوا معسرين فيحكم بتغريم وإلزام من يلي أمره من أولى الأمر في المنطقة أو المركز أو المدينة أو المحافظة أو الوزير أو رئيس الدولة أو أي مسئول عنه بصفة مباشرة لأنه لم يوفر له عملا يرتزق منه أو صرف إعانة تعفه عن السرقة إن كان عاجزا عن العمل.

أما “السارق” الذي يحكم عليه بقطع يده فهو من يتخذ من السرقة مهنة وحرفة ويزاولها كنشاط مستمر ودائم وفي الوقت نفسه لديه من الصحة والفرصة ما يمكنه أن يقوم بعمل شريف يعفه عن امتهان السرقة. هذا هو “السارق” الذي قررت أحكام القرآن العظيم قطع يده، ويؤكد ذلك قوله تعالى” {السارق والسارقة} ولم يقل من “سرق” ولم يقل من “سرقت”، إذ الفرق شاسع والدلالة مختلفة في لسان قوم الرسول “اللغة العربية” الذي نزل به القرآن بين من “سرق” وبين “السارق”، فالفعل في كلام العرب ينقسم من حيث أصل حروفه التي يتكون منها إلى قسمين: (مجرد ومزيد)، المجرد: هو ما تكون حروف تكوينه أصلية بحيث لو نقص منها حرف واحد لاختلت الكلمة وضاع مدلولها، ومثلا على ذلك كلمة (سرق) فهي تتكون من ثلاثة أحرف لو قمنا بإنقاص حرف واحد منها لضاع مدلول الكلمة أو تحول إلى مدلول آخر، فحروف تكوين الفعل المجرد هي حروف أصلية فيه لا يمكن إنقاص واحد منها أو استبداله. هذا هو الفعل المجرد.

أما الفعل المزيد فهو الذي يقبل زيادة حرف أو أكثر على أحرفه الأصلية لإعطاء مدلول ومعنى جديد يختلف عن المدلول السابق للفعل المجرد، ومثلا على ذلك الفعل (سرق) وهو على وزن (فعل) فلو قمنا بزيادة حرف (ألف) على حروفه الأصلية بعد الحرف الأول، فيصبح الفعل (سرق) بعد إضافة حرف الألف بعد السين (سارق) على وزن (فَاعِلْ)، فأصبح ذا دلالة جديدة تختلف عن دلالة الفعل (سرق) المجرد، فزيادة الحرف على الكلمة ليس من قبيل العبث اللفظي وإنما زيادة الحرف تعطي دلالات ومعاني جديدة لم تكن موجودة في الفعل الأصلي المجرد، فالفعل (سرق) يدل على إتيان فعل السرقة لمرة واحدة فقط، أما الاسم (سارق) فيدل على صفة لازمة مستمرة فيه دون توقف، ومثله من الأسماء كثير كـ “قاتل” و”عاجز” و”خائف” و”كاذب” و”صادق”، إذن النص ورد بأن من تقطع يده هو “السارق” أي من أصبحت السرقة صفة ثابتة فيه ملازمة له مستمر عليها، لذلك قال: “السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما” ولم يقل “من سرق ومن سرقت فاقطعوا أيديهما” فانتبه للفارق.

  • · عقوبة “المحاربين في “النظام المديني”:

قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” عقاب “المحاربين” وهم من نطلق عليهم اليوم “التشكيل العصابي” أو “المافيا” أو الذين يقومون بخرق ميثاق وعهد دستور المدينة ويتعرضون لإحدى الطوائف أو القبائل أو الفئات أو الجماعات ممن يتعايشون تحت نظام دولة المدينة وترويعهم في دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم، قررت أحكام القرآن العظيم عقابهم بإحدى العقوبات التالية: “القتل” أو “الصلب” أو “تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف” أو “النفي من الأرض”. ومن تاب منهم قبل القبض عليه وسلم سلاحه فيعفى عنه.

قال تعالى:

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34_ المائدة).

  • · عقوبة المرجفين في النظام المديني:

قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” عقاب “المرجفين” وهم من نطلق عليهم اليوم “البلطجية” أو “الإرهابيين” الذين يقومون بأعمال عنف مسلح من قبيل ما نسميها اليوم “فرض الإتاوات” و”احتجاز الرهائن”، و”الخطف” و”القتل الجماعي” و”الاعتداء بعشوائية على الناس وترويعهم في دمائهم وأموالهم”، قررت أحكام القرآن العظيم “قتلهم أينما وجدوا ودون محاكمة”.

قال تعالى:

(لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً(60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلاً). (61_ الأحزاب).

  • · عقوبة الزنى في “النظام المديني”:

قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” عقاب “الزانية” و”الزاني” بجلد كل منهما مائة جلدة ولا يرأف أحد بهما وتنفذ العقوبة في العلن أمام طائفة من الناس، ولا توجد عقوبة “الرجم” في القرآن العظيم فرجم الزاني هو شريعة اليهود في التوراة، أما شريعة الإسلام فهي الجلد فحسب، وكل الروايات التي وردت في كتب الأحاديث تتحدث عن الرجم هي نتيجة الخلط الذي وقع لبعض الصحابة حين كان بعض اليهود يحتكمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حوادث الزنى فكان الرسول يحكم بينهم وفق ما جاء في الشريعة اليهودية فكان يحكم برجم الزاني فاختلط الأمر على بعض الصحابة وظنوا أن الرجم من شريعة الإسلام، وقد قمت بتحليل هذه الروايات جميعها ورددت عليها في دراسة مستقلة ليس هنا مجال عرضها.

الزنى لا يسمى زنى إلا إذا وقع من امرأة متزوجة أو مع امرأة متزوجة فحسب، لأن ممارسة الجنس مع امرأة متزوجة هو اعتداء على حق الزوج الذي أخذ عهدا وميثاقا في عقد النكاح على زوجته أن تكون الممارسة الجنسية معه هو وحده، وكذلك حتى لا تنسب له ابنا ليس له من دون أن يعلم، فممارسة الجنس مع المرأة المتزوجة يعد اعتداءً صارخاً على حق الزوج، أما ممارسة الجنس بين رجل وامرأة غير متزوجة باختيارهما فليس فيه ثمة اعتداء على حقوق الغير، وبالتالي لا تسمى الممارسة الجنسية بين غير المتزوجين بـ “الزنى” بل أطلق الله عليها مسمى المسافحة” و”المخادنة”. أما “المسافحة” أن تنشئ فتاة أو امرأة غير متزوجة أكثر من علاقة جنسية مع أكثر من شخص من دون عقد نكاح، أما “المخادنة” فهي إنشاء علاقة جنسية مستمرة في سر بين رجل وامرأة من دون عقد نكاح، أو ما يطلق عليهما في الغرب (بوي فرند) و(جيرل فرند)، هاتان العلاقتان لا تسميان بالزنى ولم يضع القرآن الكريم لهاتين العلاقتين أي عقوبة دنيوية في “النظام المديني”، كذلك هاتان العلاقتان لا يعني عدم ورود عقوبة دنيوية لهما أنهما ليسا بمحرمتين بل إن الله حرمهما ولكن لم يقرر لهما عقوبة دنيوية.

وليسا “الزانية” و”الزاني” هما من ارتكبا فعل “الزنى” مرة واحدة بل من أصبح الزنى صفة ثابتة لازمة مستمرة لهما وثبت عليهما فعل الزنى ببينة أو بشهود أربعة، لأن النص القرآني قال: “الزانية والزاني”  ولم يقل “من زنى” ومن “زنت” بالضبط كما سبق وأن ذكرنا وشرحنا في عقوبة السارق والسارقة، أما من ثبتت عليه جريمة الزنى لمرة واحدة فلا يعاقب على ذلك، أما من اشتهر بالزنى ومن اشتهرت بالزنى وشهد عليه أو عليها أربعة شهداء بأنهما أتيا فعل الزنى أكثر من مرة تقع عليهما عقوبة الجلد مائة جلدة. أما فعل البغاء “الدعارة” وهو ممارسة الجنس بأجر في مكان معلن ومعروف للمجتمع كالبارات والكازينوهات وغيرها فلم يرد له أي تجريم أو منع أو تحريم في القرآن الكريم ولا في النظام المديني ولم يحدث أن أغلق الرسول عليه الصلاة والسلام دور البغاء (الدعارة) التي كانت موجودة بالفعل في المدينة وهي مهنة (ممارسة الجنس مقابل أجر في مكان معلن ومعروف للمجتمع) والتي كان يزاولها عبد الله بن أبي بن سلول كما جاء في كتب التفسير. أما المرأة البغي لو أحصنت بالزواج ثم زنت فعقوبتها خمسون جلدة أي نصف عقوبة المرأة المحصنة التي لم تمارس البغاء ولم تعمل فيه من قبل ولم تمارس الجنس بأي صورة قبل زواجها، كذلك لا يقتصر عمل المرأة في البغاء على ممارسة الجنس بأجر فحسب، بل هناك أعمال أخرى تستخدم المرأة فيها جسدها لجلب الربح والزبائن ولكن بضوابطها المشروعة كما سنبين في الفصل القادم المعنون: (البغاء “الدعارة” في “النظام المديني”) من هذا الكتاب.

قال تعالى:

(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ). (2_ النور).

وقال تعالى:

(مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ). (25_ النساء).

وقال تعالى:

(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ). (5_ المائدة).

وقال تعالى:

(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ). (25_ النساء).

وقال تعالى:

(وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (33_ النور).

  • · عقوبة ممارسة الشذوذ الجنسي في “النظام المديني”:

في حالة إثبات وقوع فاحشة المثلية الجنسية “السحاق” بين امرأة وامرأة بشهادة أربعة شهداء، أو بأي إثبات يقيني آخر فيجب إمساك هؤلاء النساء في البيوت ومنعهن من الخروج من البيوت حتى يتبن ويمتنعن عن هذا أو حتى يتوفاهن الموت في حال عدم إعلانهن لتوبتهن، وكذلك في حالة إثبات وقوع فاحشة إتيان الذكران “اللواط” بين الرجال بشهادة أربعة شهداء فيجب إيذاء هؤلاء بما يرى ويقرر أولي الأمر من عقوبة حتى يتوبا عن فعلهما هذا.

قال تعالى:

(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً). (15_ النساء).

وقال تعالى:

(وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً). (16_ النساء).

  • · عقوبة رمي المحصنات بالزنى في “النظام المديني”:

قررت أحكام القرآن العظيم في “النظام المديني” عقاب من رمى امرأة أو فتاة محصنة بالزني، _أو ما يسمى في القانون الوضعي “السب والقذف”_ ولم يأت الرامي بأربعة شهداء أن يتم جلده ثمانون جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدا ولا يؤخذ بها في المحاكم، إلا من تاب وأصلح فعندها تقبل شهادته. والمحصنات في هذه الآية لا يقصد بهن جميع النساء إنما هن النساء المتزوجات أي المحصنات بالزواج، أو الفتيات المحصنات بالعفة غير المتزوجات اللاتي لم يمارسن الجنس بالبغاء ولا بالمسافحة ولا بالمخادنة، أما غير المحصنات ممن يعملن في البغاء “الدعارة” أو ممن يمارسن المسافحة أي إقامة علاقات جنسية مع أكثر من رجل من دون عقد نكاح، وكذلك من يمارسن المخادنة أي من يقمن علاقة جنسية مع شخص في سر من دون عقد نكاح، فكل من (البغي، والمسافحة، والمخادنة) إذا رميت إحداهن بالزني فلا عقوبة على من رماهن بذلك، لأنهن مظنة هذا وأنهن غير محصنات. وممارستهن الجنس لا يسمى زني.

قال تعالى:

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوَهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (5_ النور).

  • · جرائم لم يرد لها عقوبة في القرآن الكريم:

أما بقية الجرائم التي لم ينص القرآن العظيم عليها ولا على عقوباتها كـ “الرشوة، الاختلاس، الخيانة، النصب، الاحتيال، التزوير، التحرش بالنساء والفتيات” وغيرها من العقوبات فقد وضع لها القرآن العظيم قواعد عقابية كلية جامعة تتسع لكل جريمة جديدة قد تظهر إلى يوم القيامة وكبديل لعقوبة السجن حسب حجم الجرم وموضوعه وماهيته، هذه القواعد العقابية الكلية العامة هي “القصاص، المثلية في العقوبة، المثلية في الاعتداء، المثلية في السيئة أي الإساءة”.

قال تعالى:

(وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). (179_ البقرة).

وقال تعالى

(وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) (194_ البقرة)

وقال تعالى:

(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). (194_ البقرة).

وقال تعالى:

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). (126_ النحل).

وقال تعالى:

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). (40_ الشورى).

وبشيء من التفصيل نقول: لو أن شخصا ارتكب جرما أو اعتداء أو عقابا لأحد أو سيئة أساء بها لأحد فيجب أن يعاقب ويُعتدى عليه ويساء إليه ويقتص منه بمثل ما قام به من اعتداء أو عقاب أو إساءة، وقد يقول قائل فماذا لو خان شخص أمانة مثلا أو تحرش بأنثى هل يعاقب بالمثل فيخون المجني عليه أمانته بالمثل ليقتص منه أو يتحرش بأخته مثلا أو زوجته أو بنته ليقتص منه بالمثل أم ماذا؟. أقول كلا، إن المثلية المقصودة في الآيات تشمل المثلية فيما يباح وفيما تكون المثلية فيه مشروعة وحق كالجروح والإصابات وقطع الأعضاء وغيرها، ولا تظلم بريئا ولا تعتدي على حقوق الآخرين ممن ليس لهم ذنب في هذا الفعل أو ذاك من أقاربه وذويه، فمثلا من ارتشى من عمله مبلغ مائة جنيه يتم عقابه بخصم المائة جنيه من راتبه بالمثل أو من أمواله أو ممتلكاته أو من أي شيء تابع له وفي حوزته، وكذلك الغش والتزوير والنصب والاحتيال والخيانة وغيرها، فالمثلية لا تكون في ممارسة نفس جنس الفعل بمثله، وإنما المثلية تقتضي تغريمه بما ارتكب من جرم بمثل قيمته لا يظلم ولا يظلم، أما التحرش بالأنثى مثلا فهذا ليس فيه حقوق عينية كالمال وغيره وإنما هي إساءة نفسية أو معنوية للمُتَحَرَّش بها، فيعاقب المتحرش بعقوبة مسيئة لنفسه ولمعنويته كأن يؤمر مثلا بكنس وتنظيف أحد الشوارع العامة أو أحد المقرات الحكومية لمدة أسبوع أو أكثر أو أقل حسبما يرى ولي الأمر أو القانون وحسب مقدار وحجم الإساءة التي وقعت على الأنثى المتحرش بها، وهذا هو معنى قول الحق سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا). (40_ الشورى). فليس السيئة بفعل سيئة من نفس جنس الفعل بل تكليفه بما يسوؤه كما أساء للمجني عليه، ويمتاز التشريع القرآني العظيم بجانب إنساني لا مثيل له في أي تشريع قانوني آخر في العالم ألا وهو أن المجني عليه له كامل الحق في العفو والمغفرة عن الجاني بمحض إرادته. قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). (40_ الشورى). وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). (126_ النحل).

  • · المحاكم العرفية في “النظام المديني”:

كذلك لم يفت التشريع القرآني العظيم أن هناك من المنازعات والخصومات التي قد تنشأ بين الناس في أمور وأشياء لم يرد لها نص تشريعي في القرآن العظيم فندب لها الحق سبحانه ما نطلق عليه الآن “المجالس العرفية” إلا أن القرآن العظيم شرط لمن يحكم في هذه المجالس أن يكونوا من أهل العدل وليس من الكبراء ولا من ذوي الجاه والنفوذ، ويختارهم المتخاصمون بأنفسهم وبموافقتهم، ويكون حكم أهل العدل ملزم ونافذ على الخصوم.

قال تعالى:

(يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ). (95_ المائدة).

  • · المرأة في النظام المديني:

المرأة والرجل في التشريع القرآني العظيم هما نفس واحدة كما نص على هذا القرآن العظيم، لا فرق بين الرجل والمرأة في العمل ولا في تولي المناصب والولايات الرئاسية العامة أو الإقليمية أو العلمية أو غيرها من الولايات، والفروق بينهما هي فروق بيولوجية فحسب، أي فروق في التكوين والشكل الجسماني فحسب.

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً). (1_ النساء).

وقال تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). (98_ الأنعام).

وقال تعالى:

(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا). (6_ الزمر).

  • · البغاء “الدعارة” في النظام المديني:

تثار بين الحين والآخر كثير من الخلافات والصراعات والمعارك القضائية والدينية والإعلامية حول طبيعة عمل المرأة في الفن والإعلام، ويكمن السبب الرئيسي لهذه الخلافات حول استخدام واستغلال جسد المرأة وزينتها وإثارتها الجنسية في الأعمال الفنية والإعلامية، كالمشاهد الساخنة في بعض الأفلام والقبلات، والأحضان، ومشاهد الاغتصاب، وأوضاع الممارسة الجنسية، ولبس ملابس غرف النوم التي لا تلبسها المرأة سوى لزوجها وغيرها من المشاهد التي تثير الغرائز الجنسية لدى الرجال والنساء، وكذلك في ارتداء بعض الفتيات لملابس شبه عارية أو شفافة من أجل تصوير بعض الأعمال الفنية ككليبات الأغاني، وكالملابس شبه العارية التي ترتديها المغنيات والمطربات في حفلات الأغاني، وكذلك في استخدام واستغلال جمال بعض النساء والفتيات ورشاقتهن وإثارة ملابسهن لتقديمهن للعمل كمذيعات ومقدمات برامج على شاشات القنوات التليفزيونية المختلفة، وكذلك في استخدام جمال ورشاقة أجساد بعض الفتيات لتصوير بعض الإعلانات التجارية لترويج السلع الاستهلاكية، أو للعمل كمضيفات أو سكرتيرات أو موظفات استقبال أو راقصات في الملاهي الليلية، وغيرها من الأعمال التي يتم فيها استقدام وجلب النساء والفتيات الجميلات ذوات الجمال الأخاذ والملابس اللاصقة والأجساد المثيرة بقصد جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور والزبائن اعتمادا على الإثارة الجنسية لأجسادهن وجمالهن وملابسهن الملتصقة أو شبه العارية في مقابل أجر مادي يدفع للعاملات في هذه الأعمال.

فينقسم الناس حول هذه الأعمال إلى فريقين، الأول رأى أن هذه الأعمال خادشة للحياء وعدوها خروجا على الآداب العامة والقيم والأخلاق الدينية ومتاجرة بأجساد النساء، ومن أجل ذلك يقومون برفع الدعاوى القضائية على بعض هذه الأعمال وعلى من قاموا بها، هذا وناهيك عن الهجوم الإعلامي الذي تتلقاه مثل هذه الأعمال الفنية بحجة خروجها عن العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية مما يقلل من أهمية الفن بل ويؤدي إلى ازدراء دوره والاستهانة به في قلوب الناس ثم انصرافهم عنه. أما الفريق الثاني فهم أرباب تلك الأعمال الفنية ومناصريهم من الإعلاميين والكتاب حيث يقومون بصد ذلك الهجوم محاولين تبرير تلك الأعمال والدفاع عنها بحجة أنها أعمال فنية وإبداعية تخدم العمل الفني وتزيده مصداقية، وكذلك بحجة أنه حق من حقوق المرأة في أن تعمل في أي مجال ترغب بالعمل فيه، وأن ارتداء المرأة لأي ملابس هو من الحرية الشخصية التي لا يحق لأحد الاعتراض عليها.

أما الحكم على مثل هذه القضايا في النظام المديني الذي يهتدي بتشريعات القرآن العظيم فالحق في هذا الصراع هو أن القرآن العظيم رأى أن استغلال جسد المرأة وأنوثتها وزينتها لتقديم أي لون من ألوان المتعة أو الإثارة الجنسية لأي غرض تجاري أو مهني في مقابل أجر، سواء سميناه فنا أو إعلاما أو إبداعا أو سميناه حرية شخصية أو سميناه حقا من حقوق المرأة أو سميناه (عجين الفلاحة) هو عمل من أعمال البغاء الذي لم يحرمه القرآن الكريم ولم يجرمه، وأن البغاء بهذه الكيفية لم ترد فيه أية حرمة أو منع في أي شريعة من الشرائع الدينية الثلاث: (اليهودية_ المسيحية_ الإسلام)؟؟، فالبغاء ليس فقط كما يظن معظم الناس يقتصر فحسب على تقديم الممارسة الجنسية مقابل أجر، بل البغاء هو كل متعة أو إثارة تقدمها المرأة بجسدها بقصد الكسب المادي سواء قامت بهذا العمل من نفسها أو طلب منها أي شخص آخر القيام بهذا العمل بغية جلب الزبائن واستقطاب الجمهور للحصول على المال.

لكن اشترط القرآن العظيم لإباحة هذا اللون من البغاء ألا تكون المرأة محصنة بالزواج أو محصنة بالعفة، إذ يحرم على المرأة المحصنة بالزواج أو المحصنة بالعفة تحريما باتا القيام بمثل هذه الأعمال. أما تحريم آية سورة النور التي تقول: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (33_ النور). فكان لإكراه النساء والفتيات وإجبارهن على هذا العمل دون رغبة منهن، ولم تتعرض الآية لتحريم البغاء ذاته ولا لتحريم هذه المهنة على من لم تكره أو تجبر على مثل هذا العمل من النساء والفتيات غير المتزوجات وغير العفيفات، هذا ما قررته الشرائع الدينية جميعها، وذلك لأن البغاء هو مهنة قديمة قدم التاريخ لم يخل منها مجتمع من مجتمعات البشرية على الإطلاق، حتى مجتمعات الأنبياء والمرسلين، ولم يستطع أحد مهما كانت سطوته وقوته ودينه في طول التاريخ البشري وعرضه أن يقضي على هذه المهنة أو يمنعها، ومازال البغاء تجارة رائجة إلى يومنا هذا في كل المجتمعات البشرية حتى العربية منها والإسلامية، رغم تجريم بعض الدول لهذا العمل إلا أنه يتم التغاضي عنه والتحايل على القوانين المجرمة له.

وما ورد في القرآن العظيم حول العمل في البغاء كان يؤكد على أن البغاء كان موجودا في زمن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وبالتحديد في المدينة المنورة وكان هناك من المسلمين من كان يزاول هذه التجارة على مرأى ومسمع من الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن يعترض أحد عليه كما جاء في كتب التفاسير في أسباب نزول آية النور التي تقول: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (33_ النور).

وما يؤكد ذلك أن اعتراض نص آية النور على ذلك الشخص لم يكن لمزاولته هذه المهنة إنما كان لقيامه بإكراه وإجبار الفتيات على ذلك العمل دون رغبة منهن، مما يدلل على أن التجريم كان لإكراه الفتيات على العمل في البغاء وليس تجريما للبغاء كمهنة، وهذا هو نص آية سورة النور: (وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (33_ النور). وكذلك يمكننا القول أن هذه الآية تُظْهِر وبكل وضوح لكل من له عينين أن الخطاب موجه وبكل تأكيد إلى المسلمين، لأن غير المسلمين ليسوا مطالبين ولا مكلفين بفروع الشريعة من حلال وحرام. وكذلك يمكن أن نفهم من توجيه الخطاب للمسلمين أن البغاء عمل مباح ولكن بضوابطه كما سبق وأن ذكرنا، ومنها ألا تكون المرأة متزوجة وألا تكون محصنة بالعفة، إذ إن الله سبحانه لم يلزم جميع النساء المسلمات بالحجاب وإنما ألزم المحصنات فحسب، المحصنات بالزواج، أي المتزوجات، والمحصنات بالعفة، وهن الفتيات المحصنات العفيفات اللاتي لم يتزوجن بعد ولم يمارسن الجنس لا ببغاء ولا بمسافحة ولا بمخادنة، أما من هن غير هؤلاء من البغايا اللائي يعملن في مهن البغاء التي سبق ذكرها فلا يطالبن بالحجاب وليس مفروضا عليهن بل يجب منعهن من ارتداء الحجاب كما كان يفعل عمر بن الخطاب مع الفتيات البغايا إبان خلافته في المدينة المنورة. ولي دراسة مستقلة مطولة مفصلة لشرح وتفصيل هذا الموضوع بعنوان: “الجنس والنساء في الإسلام”.

لذلك أقول بما إن البغاء موجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في الأزقة الخلفية وكذلك في إعلامنا وفنوننا فلما نحاول تجاهله أو التعامي والتغافل عنه؟؟، وما الداعي لأن نخدع أنفسنا بشعارات ولافتات كالفن والإبداع والحرية وحقوق المرأة محاولين تبرير ما لا يمكن تبريره أو تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وكذلك لا داعي من استضافة إحدى الراقصات أو إحدى الفنانات أو غيرهما ممن يتكسبن بأجسادهن كل بضعة أيام في أحد البرامج ليسألها المذيع أو المذيعة نفس السؤال المتكرر السمج (هل أنت راضية عن عملك كراقصة وألا تشعرين بتأنيب الضمير؟) فترد عليهم الراقصة أو غيرها بنفس الإجابة المكررة السمجة (الرقص ده فن ورسالة وعمل شريف)، فإذا كان هذا هو الواقع فلا يوجد أي مانع من تقنين البغاء في النظام المديني؟، هذا للقضاء على كثير من المشاكل والقضايا التي يعاني منها المجتمع أفرادا وجماعات، وللحفاظ على صحة الناس من انتشار الأمراض الجنسية الخطيرة بينهم طالما أن البغاء موجود موجود فتقنينه أفضل من عدم تقنينه، وكذلك لحسم هذا الجدل وتلك الصراعات التي تثار من حين لآخر بين الفريقين حول قضايا الفن والحجاب والسفور وغيرها من القضايا المماثلة، وعندئذ لا داعي من تخفي أحد خلف الشعارات واللافتات الدينية والإبداعية والفنية.

(نهاية الفصل الثاني وتمام الكتاب)

نهرو طنطاوي

كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر

أسيوط _ مصر

موبايل: 0164355385 _ 002

إيميل: nehro_basem@hotmail.com

Categories
التعليقات

تهنئة للأستاذ نهرو

أولا أود أن أهنئ الأستاذ نهرو على كتابه الجديد وأرجو أن يحقق له ما يريد منه, كما أرجو أن لا يكون أخر ما يقدمه من كتب فى هذه القضية او أى قضية أخرى.

بصرف النظر عن مساحة الإتفاق أو الإختلاف مع ما جاء فى الجزء الأول, فالأستاذ نهرو قد قدم فى هذا الفصل الكثير من المواضيع والنقاط التى قد يعتبرها البعض لا علاقة لها كل بالأخر وقد يراها البعض جزء لا يتجزأ من صلب الموضوع الذى عنونه ( النظام المدينى وزوال الديموقراطية), وكما يبدو من عنوان الكتاب إن كنت قد فهمته, فهو يوضح وجهة نظر الكاتب فى الديموقراطية كما يراها وكما يفهمها,وكيف يعتقد أنها سوف تزول بشكل أو بأخر, ومما جاء فى تعريفه لها فى هذا الجزء ما يوحى بطريقة مباشرة بأنها نظام ( فاشل) والوصف هنا من عندى  ومما إستخلصته من قراءة هذا الجزء, كما عبر سيادته عن عدم إقتناعه بذلك النظام بجميع أشكالة التى عرضها.

من الطبيعى أن يتوقع القارئ بل ومن حقه ان ينتظر ما سوف يقدمه الكاتب من بديل لهذا النظام المتداعى الغير عادل والغير معبر عن معناه الأصلى سواء فى الممارسة او فى الشكل او فى النتائج كما عبر عنه الكاتب .

ومع إتفاقى الكامل الغير متحفظ للكثير مما جاء فى المقال, وطريقة عرضة الرائعة, ولكونى قد كتبت كثيرا من قبل فيما أتفق فيه معه, غير إنى أيضا أختلف مع الكثير مما جاء فى المقالة, وليس من العدل أن أعلق على ما أختلف فيه معه قبل أن أقرأ بقية الكتاب, فلربما أجد ردا أو شرحا لما أختلف فيه معه, وربما لا أجد سببا فى مناقشته لاحقا.

من المتوقع مما جاء ومن عنوان المقال ان الكاتب سوف يقدم لنا النظام المدينى كبديل للديموقراطية التى لم تحظى بقببوله, وأرجو أن أجد فيما سوف يقدمه ما يقنعنى بصحة هذه النظرية, وإن كان إقتناعى أو عدمه لا أهمية له سوى لى أنا شخصيا, كغيره من الأشياء الأخرى .

تحياتى وشكرى للأستاذ نهرو.

Categories
التعليقات

مفاتيح الحل والعقد

في انتظار باقي المقال يا أخي الكريم ولكن لفت نظري قولك: [بل كان البابا وفق (الكاثوليكية) يستمد سلطته على المسيحيين حكاما ومحكومين من الله مباشرة، من دون وجود نص ديني مكتوب ومتفق عليه أوحى الله به إلى البابا فمن خلاله دعا البابا الناس إليه وصدقوه وآمنوا به ابتداء ومن ثم يجب عليهم الانصياع لسلطته، بل كانت أحكامه وسلطته مستمدة من الله مباشرة من دون وجود نص ديني محدد، له أول وله آخر، يقبله الناس أو يرفضوه، يؤمنوا به أو لا يؤمنوا، ولم يكن يومها للناس من آلية تمكنهم من التحقق من مصداقية البابا في حقيقة استمداد سلطانه من الله أم لا، بل ليت السلطة المستمدة من الله تتوقف على بابا واحد بعينه، بل كانت سلطة خاصة بكل شخص يشغل منصب البابوبة. مما يعني أن كل بابا يأتي يقوم بإصدار أحكامه التي يستمدها _على حد زعمهم_ من الله مباشرة وبطريقة فورية ومن دون أخذ رأي الناس فيها مسبقا هل يؤمنوا بها أم لا، هل يقبلوها أم لا] انتهى

 

وهذا هو النص الديني الذى استمد منه البابا سُلطته [13 ولما وصل يسوع إلى نواحي قيصرية فيليبُّس، سأل تلاميذه: “من يقول الناس إني أنا، أبن ألإنسان؟” 14 فأجابوه: “يقول بعضهم إنك يوحنا المعمدان، وغيرهم إنك النبي إيليا، وآخرون إنك إرميا، أو واحد من الأنبياء”. 15 فسألهم: “وأنتم من تقولون إني أنا؟” 16 فأجاب سِمْعَانُ بُطْرُسُ قائلا: “أنت هو المسيح ابن الله الحيُّ!” 17 فقال له يسوع” “طُوبى لك يا سمعان بن يونا. فما أعلن لك هذا لحم ودم، بل أبي الذي فى السماوات”. 18 وأنا أيضا أقول لك: “أنت صخر، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها! 19 وأُعْطِيكَ مَفَاتِيح مَلَكُوتِ السَّمَاوَات فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأرْضِ يَكُونُ مَربُوطًا فِى السَّمَاوَات، وكُلُّ مَا تَحِلُّهُ عَلَى الأرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِى السَّمَاوَاتِ] (متى 16 : 13-19)
فحسب هذا النص أعطى المسيح لسمعان أو بُطرس (أي: الصخرة) مفاتيح الحل والعقد، أي: السلطة الكاملة في الأرض بل وفي السماء أيضا، وعلى هذه الصخرة (بطرس) بني المسيح كنيسته (كنيسة روما الكاثوليكية) باعتبار بُطرس أول الباباوات، وادعي الباباوات توارث سُلطته من بعده.

Categories
التعليقات

أخى الكريم نهرو طنطاوى

كما نعهد فيك، تشخيص دقيق للحال و جامع لكل التفاصيل و ننتظر باقى الفصول، و كذلك الحلول

أما المقدمة فلنا فيها تعقيب، حيث نرى خلط (أظن أنه غير مقصود) بين “الإسلام لله” و هو الدين الإلهى الذى لا غيره و الذى أرسل به كل رسله للبشر و بين “المسلمين اصطلاحا” (أتباع رسالة الرسول محمد)

فعندما ذكرت “أمة واحدة جمعت تحت لوائها أناس من أديان شتى وقبائل شتى وطوائف شتى، والجماعة المسلمة لم تكن سوى جزء من تكوينات هذه الأمة الواحدة”، تكون قد قمت بالتفريق بين جماعات شتى و بين جماعة (أتباع رسالة الرسول محمد) و سميتهم الجماعة “المسلمة” و بذلك جعلت “دين الإسلام” حكرا فقط على (أتباع رسالة الرسول محمد)، و d;,k غيرهم من العالمين غير مسلمين و ليسوا على الإسلام، وهذا ما وقع و يقع فيه أغلب “المسلمين اصطلاحا”

فالتفريق يكون بين “فقه أتباع الرسالات” و ليس “الدين”، فالرسل لم يحملوا للناس غير دين الإسلام، أما أتباع الرسل من البشر حتى “المسلمين اصطلاحا” فمنهم المسلمين و منهم غير المسلمين (و ينطبق ذلك على أتباع الرسول محمد فى زمنه) و بهذا المعيار فقط يمكن التفرقة بينهم، و عندما نذكر المسلمين يجب أن يكون قصدنا من “أسلم لله” و ليس (فقه أتباع رسالة الرسول محمد)

وهذا هو أفة “المسميين مسلمين اصطلاحا” الذين أصبحوا يعتقدون إن ما هم عليه (من فقه بشرى للدين) هو الدين الإلهى و هو الإسلام لله و احتكروه لأنفسهم و لا دين غيره ، بل احتكروا الإله نفسه، و أن مخلفيهم ليسوا على دين بل و باتوا يكفرون بعضهم البعض، كما فعل غيرهم من أتباع الرسالات الأقدم زمنيا

ولكم منا كل الود

Categories
دين

المصلحة بين المشروعية و النفعية ومفهوم العمل الصالح

المصلحة بين المشروعية و النفعية ومفهوم العمل الصالح

إن هذا المقال من ضمن مقالات ذات علاقة أساسية بمقالات سابقة فى محاولة منا لبيان أن الإنسان حتى بعقيدته و إيمانه لا يمتلك الحقيقة و إن كان يوقن امتلاكها،

و نود أن نقول بداية أن الإسلام لله لا يشترط إتباع رسالة بذاتها و إنما يشترط إقامتها بحقها

  • قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة
  • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة
  • إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
  • فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
  • قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) المائدة 

إن حركة الحياة بين الناس فى حيزها الشخصى و فى حيزها العام بين الجماعات أو الأمم تحكمها ابتدأ و نهاية المصالح المتبادلة و يتراوح مدى تلك المصالح عند تقديرها و تنفيذها إلى ما بين مدى نفعية تلك المصلحة لصاحبها بغض النظر إلى مشروعيتها (و يحكم تقديرها و تنفيذها “قانون المنفعة”) و هنا يكون أثرها عملا طالحا و بين و مشروعية تلك المصلحة بعدم ضررها بالآخر (و يحكم تقديرها و تنفيذها “قانون التقوى” ) و هنا يكون أثرها عملا صالحا

و نسوق مثالا عاما لتحقيق المصلحة في حدودها القصوى لنقرب المسألة، مثال: إن مصلحة حيازة المال جمعه وتنميته باعتباره (من وسائل تحقيق الرغبات) تكون مصلحة مشروعة عندما يتغلب عند تحقيقها الميل لتحقيق المصالح العامة و تغليبها إذا تعارضت مع المصالح الخاصة؛ باعتبار أن المصالح العامة هي في خدمة الجميع، بينما المصالح الخاصة تكون في خدمة البعض فقط، بل و قد تكون فى سبيل تحقيقها تحقق ضررا بالآخرين، مما يوجد حالة انقسام في العيش وفي التعامل بين أفراد ومجموعات المجتمع المختلفة. وهذه المصالح جميعا تتداخل وتتآزر مشكِّلة معا (كلاًّ معقدا مركبا)

أى أن كلما قربنا عند قضاء المصلحة من جعلها ذات فائدة لأكبر عدد ممكن كلما كانت تلك المصلحة معتبرة و أقرب للمشروعية و إذا تحقق العكس كانت تلك المصلحة أقرب للنفعية

أى أن المشروعية تقيد النفعية و تنقيها من مفاسدها و ضررها

أى أنه عند قضاء المصلحة نحكم عليها بفقد مشروعيتها نسبيا كلما زاد عدد المتضررين من قضائها إلى أن تصبح نفعية لصاحبها وحده فقط سواء كان فردا أو جماعة أو أمة

أما النفعية بصورة عمومية فالمصطلح يستخدم للإشارة إلى أى مدخل يرتكز بالأساس على “ما يمكن” عمله في الواقع لتحقيق المصلحة، و ليس على “ما يجب” عمله بالنظر إلى عالم المثاليات و المعايير المطلقة الكلية “للتقوى”، و بالتالى يتم تلبيسا إحلال معايير أكثر مرونة محلها لقضاء المصالح

نفعية المصلحة و مشروعيتها

وبين نفعية المصلحة و مشروعيتها و قضائها بقانون “المنفعة” أو بقانون “التقوى” و المدى بينهما، يتم قضاء المصالح بين الناس أو الجماعات أو الأمم، و قد بين الله لنا كليات قانون التقوى الذى هو أساس لمشروعية المصالح و بالتالى صلاح الأعمال التى تؤدى إليها

  • وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) البقرة
  • ….. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) البقرة
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) البقرة
  • وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) البقرة
  • يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) آل عمران
  • يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) المائدة
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) المائدة
  • قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) المائدة

التوجيه الإلهى لأساس و كيفية تحقيق المصلحة

لقد قرن الله فى كتابه وجوب تحقيق المصلحة بالمشروعية، و المشروعية لا تتأتى إلا بإقامة الحق بالعدل و القسط لضمان عدم الاعتداء على حقوق و مصالح الآخرين و حمايتهم

  • وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) البقرة
  • وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
  • إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) النساء
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
  • وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) الحجرات
  • قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) الأعراف
  • إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل

الخلط بين المصلحة النفعية و المصلحة المشروعة

يخلط الناس بين المصلحة النفعية و المصلحة المشروعة و يلتبس عليهم الأمر إذا تُرك:

1ـ للأهواء  2ـ لطبيعة خَلقهم  3ـ لطبيعة عموم الخلق

أما إذا انتبهوا و عقلوا و أتبعوا   4ـ هدى الله، و اتجهت نيتهم و عملوا عليها متخذين  5ـ تقوى الله) نصب أعينهم، يكونوا بذلك قد اقتربوا من إصباغ المشروعية على مصالحهم و فى ذلك أيضا يكون ابتعادا عن النفعية و تكون أعمالهم أقرب لمواصفات العمل الصالح المقصود من الله

1ـ  الأهواء

الهوى من هوى و هو السقوط بلا تحكم و معنى ذلك أن إتباع الهوى ينتج غالبا أثر سيئا و يبتعد بصاحبه عن المصلحة المشروعة و العمل الصالح. 

  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) النساء
  • وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) الأنعام
  • أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) الفرقان
  • أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) الجاثية

2ـ  طبيعة خلق الإنسان

خلق الله الإنسان بطبيعته صالحا لممارسة النقيضين الخير و الشر، و من لم يتبع هدى الله من خلال رسالاته و يتقيه حق تقاته تكون أعماله طلحة مصبوغة بالمصلحة النفعية

  • ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) الشمس
  • وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) البلد
  • أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) الإنسان

3ـ  طبيعة عموم الخلق

خلق الله عموم مكونات و قوانين الكون فى ازدواجية صالحة لاستعمالها فى الخير و الشر

  • كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء
  • فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) البقرة

هدى الله

بعث الله لنا بالهدى من خلال رسالاته حتى نتعقل مراده لنا و فينا و ندرك و نعقل طبيعتنا و تناقضنا و ندرك و نعقل طبيعة ازدواجية الخلق حولنا فكلما زاد تنبهنا و فهمنا لهدى الله كلما قل خلطنا بين نفعية المصالح و مشروعيتها و وكلما كان ميلنا لتحرى مشروعية المصلحة

  • الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) البقرة
  • قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة
  • إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان

5ـ  تقوى الله

إن الله حثنا على تقواه و التقوى تكون بالعمل على فهم و تنفيذ مراده لصلاح الدنيا من خلال رسالاته و لا يكون هذا الصلاح إلا بضمان مشروعية المصالح بين الناس أو الأمم

  • ….. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) البقرة
  • ….. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) البقرة
  • ….. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) المائدة
  • يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) الأعراف

تقبل الله للأعمال و الإستثناء من الخسران

و يظهر دليل تقبل الله لقضاء المصلحة التى يحكمها التسليم لله بإتباع هداه و العمل على تقواه، و استثنائه من الخسران

  • وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران

و لسنا هنا فى حاجة إلى أن نشير بأن المقصود بالإسلام هو التسليم لله و ليس ما يدعونه “اصطلاحا” الدين الإسلامى

  • وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) المائدة
  • وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) العصر

خلاصة

تكون المصالح  ـ بشكل خاص ـ هى المحور من الناحية الواقعية (الممارسة النفعية) التى فى أغلبها تتناقض مع القيم الأخلاقية الإنسانية الدينية (الممارسة المشروعة)
ومن المؤسف أن هذه الثقافة تكاد تأخذ شكلا مشروعا ملتبسا بالمعايير النفعية باسم الواقعية أو ما شابه.
وبغض النظر عما يمكن أن يبرز من أخلاقيات، يمكن أن تلوّن الممارسة للأفراد أو الجماعات أو الأمم – كتفسير أو كطموح-  فإن الحقيقة الملتبسة المعبرة عن (تجسيد المصالح في الممارسة الواقعية) تبقى قائمة، وتبقى محتفظة بقيمتها النفعية العملية وإن تكون بعيدة و مبتعدة عن ممارسة العمل الصالح.
أو بعبارة أخرى:
المصلحة في الممارسة الواقعية، التى يسعى الأفراد أو الجماعات أو الأمم إلى تحقيقها، تحت مسميات متعددة مثل: – المصلحة الشخصية – المصلحة الوطنية – المصلحة العامة – المصلحة العليا…الخ. ويعبر عنها بأساليب مختلفة، كما يختلف أسلوب تبرير السلوك إليها..!
وبغض النظر عن (المعنى الفلسفي للمصلحة، والمبرر الأخلاقي لها، أو مدى مشروعيتها)، فإنها تبقى حالة ملتبسة واقعة دائما.
و يظل السؤال:
ـ ما هو نوع المصلحة؟
ـ ما مدى مشروعية المصلحة ؟
ـ متى تكون هذه المصلحة مشروعة و تنتج أثرا صالحا، ومتى تكون نفعية وتنتج أثرا طالحا؟
-والمشروعية ذاتها ما هي؟ ما مرتكزها؟ ما معيارها؟…الخ.

وتظل التقوى بالحق و العدل و القسط هى المعيار الإلهى المنضبط الكلى للمصلحة المشروعة منذ خلق الله الخلق، و لكن تظل التفصيلات و الممارسات خاضعة لنسبية الفهم فى الزمان و المكان (فهم الناس لكليات المراد الإلهى)

فهل ما نصل إليه حسب ذلك الفهم و نطبقه و نمارسه كأفراد أو أمم، هل هى مصالح حقيقية واقعياً (مشروعة) أم أنها مصالح ملتبسة متوهمة (نفعية)؟

علينا الانتباه ابتداء، بأنه عندما فرض الله علينا و أوجب إتباع هداه و تحرى تقواه بل وحفز على الفضل و البر و الإحسان و الصبر، كان فى ذلك إرساء لقاعدة ضرورة وجوب ضمان مشروعية المصلحة ليكون أثرها الناتج عنها ضامنا و حاميا لحقوق الآخرين الواقعين فى مدى و نطاق ممارسة المصلحة و بذلك يكون الأثر الناتج عنها “عملا صالحا”، و هنا فقط يستقيم الأمر سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الأمم و يتحقق المراد الإلهى لخلقه 

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) سباء}

هذا قولنا و فهمنا من مكاننا و فى زماننا و حسب علمنا و على من يأتى بعدنا أن يفعل مثلنا.

و الله أعلم           

مصطفى فهمى

المراجع

(1) العقل للفهم. (2) القرآن بفهمه بالعقل. (3) المعجم لمعرفة لسان العرب

Categories
التعليقات

أخى الكريم عز الدين نجيب

نعم كلامك هو المعقول ولكن ….

غالبية الشعب المصرى بكل ألوانه و تراثه الدينى ودرجاته الثقافية كان و مازال يطمئن قلبيا و وجدانيا لمن يتحدثون باسم الله و الرسول و نوابه

إن مصر برحابة صدر أهلها و بساطتهم، تسمح لكل النُخب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بالعمل على أرضها و على عقول الناس فيها المؤهلة وجدانيا

و عبر الماضى القريب فأظن أن التحول الظاهرى فى الشكل، و الفكرى فى المضمون للكثير، من العامة ليصبح تحت تأثير اليمين الدينى المتشدد هو نتيجة واقع الجهل و قلة الوعى و كذلك التدنى الاقتصادى للعامة و الطبقة المتوسطة، وذلك سمح و سهل لتلك النخب المتشددة

أولا: من ناحية، ركوب موجة الغزو الثقافى الصحراوى و الامتطاء الدينى للعقول التى أعيد تشكيل وعيها الدينى و قدرتها المالية فى غربتها ببلاد البترول،

ثانيا: من ناحية أخرى استخدام وضع القهر الداخلى الذى حطم قيم أهلها و جعل عقولهم سهلة المنال

فكان ملاذ الناس اللجوء إلى المعروض أمامهم من دين متشدد و غنى وعالى الصوت، يشعرهم بالقوة و السيطرة، ليتخذوه بدلا من دين متساهل خانع للسلطة، للخلاص من واقع قاسى إلى جنة موعودة 

ولك منى كل الود 

Categories
التعليقات

أخى الدكتور عزالدين

كلام مختصر ويصل الى الهدف بدون لف او دوران, وبالطبع كلام منطقى لأى إنسان لديه شيئ من المنطق, ولكن…………………….

كيف رغم ما قلته لازال الأكثرية من الناس لا يفهمونه ولا يأخذون به, ويتبعون كل من نصب نفسه وكيلا عن الله كما بفعل البعض او مالكا للإسلام كما يفعل البعض الأخر, أو كلاهما كما يفعل البعض الثالث, والأمثلة على ذلك كما تعلم لا تحصى؟

هل المشكله هى فى الأغلبية من المسلمين الذين يقادون كما تقاد الأنعام, ويهرعون خلف الراعى الذى سوف يوفر لهم الطعام والحماية من الوحوش الضارية؟

هل المشكلة فى البعض ممن نصب نفسه حاميا ومالكا للإسلام , يرى نفسه القائم بالأعمال الموكل من قبل الله عز وجل لحماية الإسلام ومن لا يتبعه فقد خرج عن حدود الدين ووجب تكفيره؟

هل البعض الذين وكلوا أنفسهم خلفاء لله فى الأرض, ومهمتهم هى إرشاد الناس الى الإسلام الصحيح طبقا لفاهيمهم الخاصة , ومن لا يقول لهم أمين أو حتى يسألهم كيف أتيت بذلك يصبح كافرا زنديقا,  والسؤال الحقيقى هو, هل هؤلاء الناس مقتنعون تماما بما يدلون به, أم أنهم يتظاهرون بالإقتناع به والدعوة به لمكاسب شخصية دنيوية؟

كيف يمكن لمن هم مثلك أو مثلى أن يتصرف إزاء هؤلاء, هل هناك أى فرصة الى إقامة حوار بناء معهم, أو مع بعضهم, وهل هناك أمل أن ينتهى ذلك الحوار بنتيجة ما.

اسئلة من هذا النوع لا تنتهى, ويبقى الموقف كما هو , نحن نعرف مدى إقتناعنا بما نقوله, وربما هم أيضا مقتنعين بما لديهم , فهل الحل هو أن نقول لهم لكم دينكم ولى دين, وهل سينتهى الأمر عند ذلك. أشك فى ذلك تماما.